story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

أكاديميون وسياسيون يرصدون اختلالات المنظومة الانتخابية وتحديات الرقمنة

ص ص

اعتبر أساتذة وسياسيون أن المنظومة الانتخابية الحالية في المغرب لا تبعث على الاطمئنان ولا تضمن المساواة الكاملة بين الفرقاء السياسيين، مشددين في الوقت ذاته على ضرورة الانخراط الواعي في التحولات الرقمية التي باتت تفرض نفسها على المشهد، وذلك خلال ندوة علمية احتضنتها كلية الحقوق أكدال بالرباط، الأربعاء 21 يناير 2026، بعنوان “الانتخابات التشريعية لـ 2026: القوانين ورهانات التمثيل والمشاركة”.

منظومة “غير مطمئنة”

في هذا السياق، اعتبر عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، أن “المنظومة الانتخابية الحالية لا تبعث على الاطمئنان”، مشددا على أنها “لا تضمن المساواة بين الفرقاء السياسيين سواء داخل البرلمان أو خارجه، بل تكرس استدامة الوضع القائم”.

وأوضح شهيد، خلال مداخلته بالندوة، أن التقطيع الانتخابي يشكل أحد أهم المشكلات التي تؤثر على نتائج الانتخابات، مشددا على أن “التقطيع ليس ترفا تقنيا بل هو النموذج الحاسم في توجيه النتائج”.

ولفت شهيد إلى أن “اعتماد تقطيع مغاير في الانتخابات السابقة كان سيفرز خريطة مختلفة تماما، بينما الاستمرار بنفس الطريقة الحالية سيؤدي حتما إلى إعادة إنتاج نفس النتائج”.

وشدد المتحدث ذاته على أن “مصلحة النظام السياسي المغربي تقتضي العودة إلى مشهد سياسي متوازن، يتصدر فيه الحزب الأول بـ 80 مقعدا ويحصل السادس على 30 مقعدا، لتتراوح باقي النتائج بين 30 و50 مقعدا”، معتبرا أن “هذا السيناريو من شأنه خلق توازن مفقود في المشهد السياسي خلال السنوات الماضية”.

ثاني هذه الإشكالات، وفق شهيد، هو ما وصفه بـ”الجبن” في التعاطي مع ملف تمثيلية النساء، معتبرا أنه “رغم تقدم الدولة في مجالات عدة، إلا أن الجرأة تغيب عند الحديث عن الحقوق السياسية، حيث عجز الفاعلون عن إقرار الثلث للنساء في البرلمان، وهو ما يضيع فرصة تحقيق عدالة انتخابية حقيقية”.

المشكل الآخر الذي تحدث عنه شهيد، يتعلق بالدعم المخصص للأحزاب، لافتا إلى أن “السقف المسموح به للمساهمات الفردية الذي يصل إلى 80 مليون سنتيم، يخدم حصريا الأحزاب التي تمتلك قواعد قادرة على دفع هذه المبالغ، مما يخلق كتلة انتخابية مدعومة بالأموال ومعدة سلفا للانتخابات”.

ولفت المتحدث الانتباه إلى أشكال أخرى من الدعم غير المباشر الذي يخل بالمنافسة، والمتمثل في الدعم الإعلامي، لاسيما عبر “الإعلام الخاص والمواقع الإلكترونية التي تعمل خارج تأطير الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وتربطها شراكات مع الوزارات”، موضحا أن “هذه الشراكات تخفي في طياتها أهدافا انتخابية واضحة تخدم أطرافا بعينها”.

وإلى جانب ذلك، تطرق شهيد إلى المخاطر المرتبطة بالتحولات الرقمية في ظل هيمنة المال، مشيرا إلى أن “من يملك الإمكانيات المالية هو من يتحكم في هذه الآليات الرقمية ويشتغل بها لتوجيه الرأي العام، مما يضيف عاملاً آخر لعدم التكافؤ بين المتنافسين السياسيين ويضعف ضمانات النزاهة”.

وأكد المتحدث أن “هذه المؤشرات مجتمعة، من تقطيع وتمويل وتحكم في الإعلام والرقمنة، هي التي تدفع إلى القول بغياب ضمانات المساواة بين الفرقاء السياسيين، وتجعل من الصعب الاطمئنان لمسار الاستحقاقات المقبلة إذا لم يتم تدارك هذه الاختلالات قبل محطة انتخابات 2026”.

واستدرك شهيد موقفه معبرا عن أمله في الجانب الزجري للقوانين، حيث أشاد بالمقتضيات التي تدافع عن نزاهة الانتخابات والعقوبات الصارمة التي أظهرتها وزارة الداخلية ضد استعمال المال الفاسد، معتبرا أن “هذا الحزم يمكن أن يلعب دورا محوريا في تصفية المشهد السياسي وحماية العملية الانتخابية”.

الرقمنة سلاح ذو حدين

من جانبه، نبه عبد الحافظ أدمينو، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، الأحزاب السياسية المغربية إلى ضرورة الاستفادة من التحولات الرقمية والمزاوجة بينها وبين الآليات التقليدية، مشيرا إلى أن “استخدام الأحزاب لمواقع التواصل الاجتماعي للنفاذ إلى الناخبين لا يزال ضعيفاً، مما يلقي بالمسؤولية عليها لتقديم عرض سياسي يتلاءم مع هذه التطورات القوية في المشهد”.

وأوضح أدمينو، خلال الندوة ذاتها أن “إدماج الرقمنة في الحياة السياسية سلاح ذو حدين، فبقدر ما يشكل فرصة لتطوير الأداء الحزبي وجعل الديمقراطية أكثر مباشرة وتمكين المواطنين من المراقبة، فإنه يطرح تحديات كبرى قد تربك العملية الديمقراطية برمتها، مما يستوجب إدماج هذا البعد الرقمي في المنظومة التشريعية الحالية”.

وأكد المتحدث أن “التطورات التكنولوجية أفرزت الاعتماد على معطيات جديدة مثل البيانات الضخمة في تنظيم التنافس السياسي، فضلاً عن الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي التوليدي الذي بات يعوض العنصر البشري في حالات عدة، معززاً النزعة الفردانية في العملية السياسية، مما كان له تأثير مباشر في السلوك السياسي والمسلسل الديمقراطي”.

وسجل أدمينو أن “هذه التحولات ساهمت نسبيا في تعزيز شفافية الفعل الانتخابي، حيث تابع المواطنون والناخبون النقاشات حول القوانين الانتخابية بالبرلمان وتفاصيلها وعقوباتها، مما جعل الفضاءات الرقمية تتيح توزيعاً أوسع للمعلومات، وتزيد من حذر الممارسة السياسية تجاه انتظارات المواطنين ومطالبهم بفعالية النظام السياسي”.

وفي سياق متصل، أشار المتدخل إلى أن “الفضاءات الرقمية تحولت إلى منصات للتعبير خارج الأطر الكلاسيكية وعلى رأسها الأحزاب، مما فرض تحدياً يتمثل في مطالبة النظام الانتخابي بأن يصبح أكثر استجابة، خاصة وأن الممارسة السياسية عبر الوسائل الرقمية خلقت فضاءً جديداً للتفاعل يتجاوز اللقاءات التقليدية المعتادة”.

وبالمقابل، حذر أستاذ العلوم السياسية من المخاطر المرتبطة بضمان مصداقية المعلومات وتعددها، خاصة أثناء الحملات الانتخابية، لافتاً إلى “صعوبة تقليص آثار الأخبار الزائفة، وإمكانية تعزيز الفضاء الرقمي لتبخيس العمل الحزبي وتقوية الخطاب الشعبوي الذي ينتقد المؤسسات”، وهو الأمر الذي يستوجب، وفق قوله، انتباه المشرع.

كما تطرق المتحدث إلى التهديدات المتعلقة بإشاعة خطابات التمييز والكراهية والتحريض على العنف داخل المنظومة الانتخابية، لافتاً إلى أن هذه التحديات كانت حاضرة في مذكرات جل الأحزاب السياسية، وهو ما دفع البرلمان إلى الاستجابة لجزء من هذه المطالب عبر تعزيز الأمن الانتخابي وضبط الفضاء الرقمي قانونيا.

ولفت أدمينو إلى أنه رغم أن استجابة البرلمان لم تكن بمنطق يقوي إدماج وتعميم استخدام الوسائل التكنولوجية بقدر ما حكمها منطق الأمن الانتخابي، إلا أنه أشار مع ذلك إلى أهميتها على عدد من المستويات.

وفي هذا الصدد، ذكر الأستاذ الجامعي اعتماد المنصات الإلكترونية كإطار لتنظيم عملية التسجيل في اللوائح الانتخابية للمواطنين داخل وخارج المغرب، وكذا اعتماد منصة إلكترونية لإيداع الترشيحات، مؤكدا على أنه “مستجد هام يفتح إمكانية التقدم للانتخابات إلكترونياً”.

وإلى جانب ذلك، أبرز المتحدث أهمية استثمار الذكاء الاصطناعي والوسائل الرقمية في عملية تنقية وتحيين اللوائح الانتخابية، معتبراً أن “هذه الآليات التقنية تسهل تدبير العمليات الانتخابية بشكل كبير، وتسمح باستثمار الزمن السياسي في قضايا أخرى ذات أولوية، بدلا من استهلاكه في الإجراءات الإدارية التقليدية”.

وختم أدمينو مداخلته بالإشارة إلى أن “المشرع رفع من درجة العقوبات المرتبطة باستخدام الوسائل الرقمية في نشر الوقائع الكاذبة والتشهير والمساس بالعملية الانتخابية، حيث أصبحت هذه الممارسات مجرمة، مما يوفر حماية من التوظيفات غير القانونية”، مؤكدا “وجود نوع من الحذر والتدرج في التعاطي مع هذه الوسائل في المشهد السياسي الحالي”.