أزمة صناديق التقاعد بالمغرب.. إصلاح مؤجل وكلفة تهدد السيادة الاقتصادية
يعتبر عدد من الخبراء والمتخصصين أن أزمة صناديق التقاعد في المغرب، “هي أزمة تدبير ورؤية أكثر منها مجرد نقص في الموارد”؛ مؤكدين أن الدولة باتت اليوم مطالبة بالانتقال من منطق الاستهلاك والاقتراض إلى منطق الاستثمار والترشيد، من أجل حماية سيادتها الاقتصادية.
أمام هذا الوضع، يسود استياء واسع في صفوف المتقاعدين أنفسهم، معتبرين التفاهمات بين الحكومة والمركزيات النقابية، لا يعدو أن يكون “مجرد تواطؤ يرهن مستحقاتهم ويجهز على حقوقهم وحقوق المقبلين على التقاعد”.
غياب التقشف
في هذا السياق، شدد الخبير الاقتصادي، عمر الكتاني، على أن الدولة تتحاشى تبني سياسة التقشف، مؤكدا أنه لو تم ترشيد النفقات غير ذات الأولوية، لأمكن توفير موارد كافية لتغطية احتياجات فئة المتقاعدين.
وفسر ذلك، بالقول إن الدولة ترغب في عدم تصدير صورة الدولة الفقيرة للخارج، رغم أن دولا صناعية كبرى، بحسبه، تعتمد سياسة التقشف، معتبرا أن “الضحية الأكبر لهذا الغياب هم المتقاعدون المستقبليون”.
وأكد الخبير الاقتصادي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن “صناديق التقاعد في المغرب مقبلة على عجز مالي كبير”، والسبب في رأيه، يتجلى في كون أموال التقاعد استهلكت من طرف أجهزة الدولة، مشيرا إلى أن صناديق التقاعد كان من المفترض أن تحقق “التمويل الذاتي”.
إلى ذلك، شدد عمر الكتاني على أن ميزانية تسيير الدولة تفوق القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، موجها في هذا الصدد، انتقادا لاذعا للمصاريف الموجهة لما وصفه بـ “رفاهية كبار الموظفين”.
وأضاف المتحدث، أن المغرب يمتلك أعلى نسب السيارات العمومية، والتي تُصرف عليها ميزانيات ضخمة في قطاعات غير ذات أولوية، مقترحا، دمج عدة وزارات لتقليص نفقات الإدارة العليا وتحقيق اقتصاد في الميزانية.
دوامة القروض
ومن جانب آخر، انتقد عمر الكتاني غياب الرؤية الاستراتيجية بعيدة ومتوسطة المدى في التعامل مع الأزمات، مبرزا أن المغرب يتبع تعليمات صندوق النقد والبنك الدوليين، “وبسبب التسهيلات الممنوحة للاستثمارات الأجنبية، فإن هذه المؤسسات تمنحنا القروض بيسر”.
وحذر الكتاني من أننا قد نصل إلى مرحلة الاقتراض من أجل تمويل صناديق التقاعد، مما يعني ارتهان السيادة الوطنية في القطاعات الحيوية.
وأوضح أن الإشكالية الكبرى تكمن في أن اللجوء للديون لتغطية عجز التقاعد سيؤدي إلى رهن المستقبل والسيادة الاقتصادية للمملكة، مما يجعلنا عرضة لـ “استعمار إداري واقتصادي” تحت ذريعة طمأنة المتقاعدين.
وختم بالتحذير من أن هذا المسار سيؤدي حتما إلى دوامة من القروض الإضافية، ورفع العبء الضريبي، “وقد يصل الأمر مستقبلا إلى بيع أصول الدولة”، بحسب تعبيره.
تمثيلية المتقاعدين
ومن جهته، يرى رئيس جمعية متقاعدي المديرية العامة للضرائب، إبراهيم بلغازي، أنه لا يوجد إصلاح حقيقي ملموس، بل هناك، بحسبه، “غياب تام للرؤية حول التوجه الذي ستتخذه هذه الصناديق”، واصفا ما يحدث بأنه نوع من “التواطؤ بين الحكومة والنقابات”.
وأشار المتحدث، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إلى أن المتقاعدين، الذين يصل عددهم إلى 3 ملايين نسمة، وهو ما يمثل بحسبه قوة انتخابية لا يستهان بها، “غير أن المتقاعد في المغرب لا يجد من يمثله فعليا داخل البرلمان”، من أجل الترافع والدفاع عن حقوقه.
ونبه بلغازي إلى إشكالية كبرى تواجه المقبلين على التقاعد، لافتا إلى أنه “حتى في حال المصادقة على قوانين تبدو في ظاهرها منصفة، إلا أن المراسيم التطبيقية التي تصدر لاحقا غالبا ما تتسم بالغموض والتلاعب، مما يجعلها في النهاية مجحفة في حق المتقاعد”.
واستنكر بشدة غياب “المقاربة التشاركية”، في معالجة هذا الملف المعقد، معتبرا أن ما يتم الترويج له في وسائل الإعلام الرسمية من خطابات وصور هو “تضليل لا يعكس الواقع المرير”، بسبب غياب من يدافع بصدق عن حقوق المتقاعدين.
“ملف صعب”
وفي مقابل ذلك، أقرت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، أن إصلاح أنظمة التقاعد “ملف صعب”، مشددة على أن “الهدف الأساسي هو بناء منظومة مستدامة تمتد لعقود وتخدم الأجيال القادمة”.
وأوضحت الوزيرة، خلال الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، الثلاثاء 30 دجنبر 2025، أن “الحكومة مدركة تماما لجسامة الكلفة السياسية المترتبة على هذا الملف”، واصفة ملف التقاعد بـ”الشائك والمركب”>
وأشارت المسؤولة الحكومية إلى أن صعوبة إصلاح صناديق التقاعد تتطلب تضافر الجهود من كافة الأطراف المعنية، “والابتعاد عن المزايدات السياسية”.
وخلصت نادية فتاح، إلى أن البحث عن التوافق مع النقابات للشروع في الإصلاح، جار عبر التوجه نحو تحيين معطيات صناديق التقاعد الأربعة، مبرزة أنه “سيتم عقد اجتماعات خاصة بكل صندوق على حدة، في إطار من الشفافية التامة”، بين الحكومة والمركزيات النقابية.