أخلاقيات صحافة الكوارث
في ظل الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها المغرب منذ أيام، والمرتبطة بفيضانات القصر الكبير وبعض المناطق الأخرى، طفا إلى السطح نقاشٌ حاد حول أدوار الصحافة ووظائفها وأخلاقيات تغطيتها في لحظات الخطر.
نقاش يزعم أن النقد والتحقّق والمساءلة والتنبيه إلى مكامن القصور، إخلال أخلاقي بقواعد الصحافة؛ لكنه لا يرى في الركوب على مآسي الضحايا للتزلّف للمسؤولين، والتقرّب من النافذين، وعرض الخدمات على صنّاع القرار، بتزيين القبيح وتضخيم الصحيح… أية مخالفة لضمير المهنة ورسالتها.
نقاشٌ فيه صوت مهنيٌّ صادق صادر عن صحافيين ومختصين يضغط عليهم الضمير والحرص على الصالح العام؛ وفيه أيضا ضجيجٌ آخر صادر عن متطفّلين ومندسّين لا يريدون من الأخلاقيات إلا أن تتحول إلى مطرقة لتخويف الصحافة، وتكميم الأفواه، وتجفيف كل سؤال مُزعِج، ثم تسمية ذلك “وطنية” أو “مصلحة عامة”.
غير أن جزءا كبيرا من النقاش الجاري اليوم، حتى حين ينطلق من تجربة مهنية حسنة النية، يبدو متأخرا عن الركب، لأنه لا يستحضر التحول الأكبر الذي أصاب الصحافة نفسها، أي دخول المنصات الرقمية وخوارزمياتها على الخط.
هذه الخوارزميات لم تغيّر فقط طرق توزيع المحتوى؛ بل حاصرت الصحافة بجدران سميكة، وجعلت وصول المادة المهنية إلى الجمهور بشكل تلقائي ومباشر مهمة شبه مستحيلة.
لم تعد المشكلة اليوم أن تكتب جيدا فقط، بل في أن يصل ما تكتبه أو تصوّره أصلا. هذا ما دفع تجارب مرجعية كثيرة إلى تطوير قواعد جديدة، لا تُلغي الضوابط القديمة لكنها تشتغل داخل شروط الواقع: استعمال الأدوات نفسها التي تستعملها المنصات العملاقة، والتي تتحالف في كثير من السياقات مع مراكز النفوذ وقوى المال والسلطة، لاستعادة شيء من الوظيفة الأصلية للصحافة.
ومن أهم هذه الأدوات اليوم إدراك قيمة “النوافذ الاستثنائية” التي يفتحها ال”ترند” حين تصنعه الأحداث الكبرى، مثل كارثة طبيعية، أزمة اجتماعية، هزة سياسية.
في تلك اللحظات النادرة يكون ال”ترند” من صنع الناس أنفسهم، وطريقا سيارا مباشرا بين الصحافة والجمهور، قبل أن تعود الخوارزميات لترويضه وتوجيهه.
هنا تستطيع الصحافة أن تمارس ما تبقى من “حراسة البوابة”، وتساهم في صناعة أجندة النقاش العمومي بدل أن تظل أسيرة هامش يضيق عليها باستمرار.
في مثل هذه الحالات تستطيع الصحافة أن تفرض أسئلة المساءلة والمحاسبة، لا لأن الصحافي “يركب” الموجة، بل لأن الموجة إن تُركت وحدها ستُملأ بالدعاية والتوظيف الرخيص.
وبمجرد ما تُغلق هذه النافذة، ويستعيد أصحاب النفوذ والمال والسلطة السيطرة شبه التامة على مسارات صناعة الانتباه، يصبح حجب صوت الصحافة المهنية أسهل بكثير، عبر أدوات الترفيه الرخيص، والتضليل الناعم، وخلق ضجيج بديل يدفن الأسئلة الثقيلة تحت ركام “المحتوى”.
هذه هي الخلفية التي يجب أن نضعها في البداية قبل الدخول إلى سؤالين مباشرين:
• هل تعمل الصحافة في الكارثة كما تعمل في الأيام العادية؟
• وهل يُطلب منها أن تصمت عن النقد والمساءلة؟
من لا يبدأ من هنا، سيختزل النقاش كله في ثنائية “إما أن تكون مع الإنقاذ أو ضده”. بينما الحقيقة أعقد. فقد يكون السؤال جزءا من الإنقاذ، وقد يكون الصمت نفسه نوعا من المشاركة في الفوضى وفي الدمار.
لنبدأ بالسؤال الأول: هل تستمر الصحافة في ممارسة عملها بشكل طبيعي ودون أي تغيير في حالة الكوارث؟
الجواب بطبيعة الحال هو: لا. الصحافة في الكارثة لا تملك رفاهية القواعد “العادية” من الممارسة، لأنها تتحرك وسط بيئة مشتعلة بالقلق، وسوق للشائعات، وجمهور يبحث عن أي معنى يعلّق به روحه وهو يرى الماء يبتلع الطريق، ويشمّ في الأخبار رائحة تهجير محتمل.
ما يحدث من تحوّل في ممارسة الصحافة المهنية أن الدقة قبل النشر تصبح شرطا أخلاقيا من الدرجة الأولى لا مجرد فضيلة، ويصبح التحقق من كل رقم وكل توصيف وكل مصدر جزءا من السلامة العامة.
يتحوّل جزء من عمل الصحافة إلى خدمة عامة فورية، عبر المعلومة المفيدة للنجاة، بينما يظلّ جزء آخر يشتغل على الفهم والتفسير ووضع الحدث في سياقه، وجزء ثالث يواصل ممارسة الرقابة، لكن بوعي أكبر بخطر التضليل خطر التهويل.
هنا يبرز معطى الحرص على قاعدة “تقليل الأذى” باعتبارها من قواعد الأخلاقيات التي ترتفع أسهمها في فترات الكوارث، وبوصفها ميزانا عمليا يقوم على التساؤل: هل ما أنشره الآن يساعد الناس على الفهم والتصرف الآمن، أم يزيد فزعهم دون إضافة حقيقية؟
من هنا نصل إلى السؤال الثاني الذي يريد البعض قتله في مهده: هل يفترض في الصحافة أن تمتنع عن أي نقد أو مساءلة أو تنبيه للاختلالات في فترات الكوارث؟
الجواب مرة أخرى هو: لا. الامتناع عن النقد ليس تضامنا، بل قد يكون تخلّيا عن وظيفة إنقاذ أخرى، هي إنقاذ الحقيقة من الفوضى. فالدولة قد تنقذ الأجساد، لكن من ينقذ المجال العمومي من الإشاعة؟ ومن يحرس الفضاء المشترك من القرار المرتبك؟ ومن يمنع اقتصاد الكارثة من أن يتسلل إلى مسارات الإيواء والتعويض والصفقات والأسعار؟
ثم من قال إن النقد في الكارثة يساوي التشويش؟ التشويش هو أن تزاحم سيارات الإسعاف بسيارتك، أو أن تنشر معلومة غير متحققة فتخلق موجة ذعر تقتل الناس قبل أن تقتلهم الكارثة.
أما النقد المسؤول فهو أن تطرح الأسئلة التي تمنع تضخّم الخطأ، وأن تضيء مناطق العطب وهي ما تزال قابلة للإصلاح.
لا يطلب الميثاق العالمي للاتحاد الدولي للصحافيين من الصحافي أن يصبح بوقا للسلطة زمن الحرب أو الكارثة، بل يعيد تثبيت حق الصحافي في النقد، مع التزام الدقة والإنصاف والتحقق واحترام الكرامة.
وبالمنطق نفسه، تُحيل قواعد المنظمة المستقلة لمعايير الصحافة في المملكة المتحدة (IPSO) إلى فكرة دقيقة جدا تقول إن الواجب الأخلاقي ليس سيفا فوق رقبة الصحافة لمنعها من “أن تصدم أو تُحاجِج”، بل هو توازن بين حق الناس في المعرفة، وحرية التعبير، والمسؤولية.
أي أن الرقابة ليست خيانة، والتقصّي ليس جريمة، والتساؤل ليس تهديدا للأمن القومي، ما دام منضبطا لمعايير التحقق، وتقديم الدليل، والإنصاف، وتجنب الأذى غير الضروري.
بل إن التجارب المرجعية في تغطية المآسي تقول شيئا أكثر حدة مما نحب سماعه. الكارثة هي اللحظة التي تحتاج فيها المجتمعات إلى صحافة أقوى لا أضعف، لأن مراكز القرار تميل بطبيعتها إلى الانغلاق حين تخاف، ولأن البيروقراطية تميل إلى بلاغات مطمئنة حتى لا تُتهم بإثارة الهلع.
في هذه اللحظة يصبح دور الصحافي ليس فقط أن ينقل ما تقوله السلطة، بل أن يختبره ويسائله ويضعه في سياق الأرقام والوقائع، وأن يطالب برواية موحدة واضحة بدل تضارب النبرات.
حين تختفي أو تتضارب المعلومات الرسمية، تصبح الإشاعة هي المصدر الأول للخبر، ويصبح كل مواطن وكالة أنباء صغيرة بلا تدريب ولا مسؤولية. وهنا، لا تكون ممارسة الصحافة لحقها في مساءلة الخطاب الرسمي تشويشا، بل محاولة لإعادة بناء الثقة التي بدونها ينهار الامتثال لتعليمات السلامة.
نعم، ليس كل نقد مناسب للحظة الكارثة، بل ينبغي التركيز على النقد الذي يمكن التقاطه فورا، والذي يتعلّق مثلا بغموض البلاغات، ونقص المعلومات العملية، وفوضى الإيواء، وغياب مسارات واضحة للمساعدة، وتضارب الأرقام، وعدم فهم الناس لمصدر الخطر بشكل دقيق.
وفي سياق ما يجري في القصر الكبير وسد وادي المخازن تحديدا، هل النبش وكشف الحقائق وطرح الأسئلة المزعجة مساهمة في الإنقاذ أم تشويش عليه؟
هذا سؤال لا نجيب عنه بالعاطفة ولا بتهمة جاهزة. بل بهذه المعايير: هل ما يُنشر دقيق؟ هل يتجنب الأذى غير الضروري؟ هل يخدم سلامة الناس وحقهم في المعرفة؟ هل يعطي فرصة للرد؟ هل يضع الوقائع في سياقها دون تحويلها إلى أحكام نهائية؟
الخلاصة أن الصحافة لا تعيش لحظة الكارثة كي تُصفّق أو تخرس، بل كي تُحسن القيام بوظيفتها في أقسى شروطها. تُبطئ حين يجب الإبطاء كي لا تقتل بالخطأ، وتسرع حين تكون السرعة وسيلة نجاة، وتمتنع عن استغلال الضحايا، وتنتقد حين يكون النقد إصلاحا، وتحقق حين يكون التحقيق حماية للمستقبل.
في المغرب، حيث نتعلم على دفعات قاسية أن الكوارث لن تكون نادرة، يصبح الدفاع عن صحافة مهنية وشجاعة، لا متهورة ولا مُدجّنة، جزءا من بناء المناعة الوطنية، لا تهديدا لها.