وفرة معلنة وواقع ملتهب.. أزمة الأضاحي تضع الحكومة في قفص الاتهام
وسط استياء شعبي متصاعد بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي وندرتها في الأسواق، تثير التصريحات الحكومية حول وفرة أضاحي العيد بالمغرب تساؤلات واسعة بسبب التناقض بين الأرقام الرسمية التي تؤكد” توفر ملايين رؤوس الماشية”، والواقع الذي يشهد غلاء وندرة في الأسواق.
وبين رواية حكومية تتحدث عن ملايين الرؤوس المتوفرة لهذه المناسبة الدينية، وواقع يئن تحت وطأة الغلاء والمضاربة، تتعالى أصوات سياسية وحقوقية تتهم الحكومة بالعجز والتضليل، وتضع “لوبي اللحوم” في قلب أزمة تهدد القدرة الشرائية للمغاربة وتكشف اختلالات عميقة في تدبير القطاع.
هذا التناقض الصارخ يدفع الرأي العام والمهتمين بالقطاع إلى التشكيك في مصداقية الإحصائيات المعلنة؛ وفي هذا السياق، دخلت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، على خط الأزمة لتشير إلى ما وصفته بـ”الواقع المرير” المحيط بتدابير الحكومة، مؤكدة أن الأرقام الرسمية المتداولة هي أرقام مرتبكة وتصريحات منفصلة تماما عن الواقع اليومي والمعيشي للمواطنين.
“حكومة عاجزة”
وأوضحت النائبة البرلمانية، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن الواقع يؤكد عدم توفر الأضاحي بشكل كاف، فضلا عن تسجيل غلاء فاحش في الأسعار، واجتياح “الشناقة” والمضاربين للأسواق، مما خلق اختلالات عميقة وعشوائية في منظومة العرض والطلب أرهقت جيوب المواطنين.
واعتبرت التامني أن الأرقام التي تقدمت بها الحكومة بخصوص توفر الماشية هي “إما أرقام متخبطة أو مضللة”، واصفة إياها بـ”الأكاذيب” الموجهة للمغاربة، مشددة في نفس الوقت على أن الحكومة عجزت بشكل واضح عن تهيئة وتدبير هذه المناسبة الدينية بالشكل الصحيح، رغم حديثها المتكرر عن رصد دعم مالي بالملايير.
وأشارت المتحدثة إلى أن هذا السيناريو ليس جديدا، بل هو تكرار حرفي لما وقع في السنوات الماضية، حيث ضُخت مبالغ مالية طائلة وفاحشة في جيوب المستوردين والمحتكرين تحت مسمى “الدعم”، دون أن يكون لهذا الدعم أو لعمليات الإحصاء أي أثر إيجابي ملموس يستفيد منه المواطن في الأسواق.
وأمام هذا الوضع، وجهت النائبة البرلمانية سؤالا استنكاريا حول دور الحكومة وموقعها مما يحدث اليوم في أسواق المملكة، متسائلة عما إذا كانت هذه الحكومة واعية فعلا بكيفية تدبير الشأن العام ومتابعة تفاصيله، خاصة في الشق المتعلق بحماية القدرة الشرائية للمواطنين ومواكبة الأرقام بالتدابير الميدانية.
وفي غضون ذلك، انتقدت فاطمة التامني المنهجية الحكومية في التعامل مع الأزمة، قائلة إن الحكومة تكتفي بتقديم أرقام جافة داخل قبة البرلمان وينتهي دورها عند هذا الحد، لتبقى كل وعودها وتصريحاتها مجرد “حبر على ورق” يهدف إلى تضليل المغاربة، في حين تظل حريصة كل الحرص على حماية مصالح المضاربين والمحتكرين.
وخلصت المسؤولة البرلمانية إلى التأكيد على ما أسمته بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لهذه الحكومة من أجل محاربة الفساد والمضاربات، وتمكين المواطن البسيط، في مقابل ذلك، من الاستفادة من خيرات بلاده.
مساءلة سياسية
بدوره، يرى الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي، خالد البكاري، أن التناقض الصارخ بين الأرقام الحكومية المطمئنة حول حجم الأضاحي، وبين الواقع الفعلي بالأسواق المتسم بالغلاء والندرة، يُعد أمرا يثير الاستغراب ويستوجب المساءلة السياسية.
وأكد خالد البكاري في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن صمت الفاعل الحكومي وغياب قنوات المعلومة الدقيقة والدائمة أمام الرأي العام، يفتح الباب واسعا أمام تبني فرضيتين رئيسيتين لتفسير هذه الأزمة المعيشية.
وتنطلق الفرضية الأولى، بحسب البكاري، من الشك في دقة الأرقام الرسمية المعلنة حول حجم القطيع لهذا العام، معتبرا إياها أرقاما مبالغا فيها ولا تعكس حقيقة الواقع، وأشار إلى أن المشككين في الأرقام استندوا إلى عدم مطابقتها مع حجم القطيع المعلن عنه السنة الفائتة، والذي دفعت ندرته إلى صدور إهابة ملكية بعدم إقامة شعيرة الذبح حينها.
في هذا الصدد، طرح المتحدث تساؤلا حول “أي السنتين كانت أرقامها مغلوطة؟”؛ إذ بحسبه يستحيل علميا ومنطقيا أن تتضاعف أعداد الخراف خلال سنة واحدة لتصل إلى الأرقام الضخمة المعلنة حاليا.
وازداد الأمر تعقيدا، يقول الناشط الحقوقي، حينما تمت طمأنة المواطنين بخصوص حل مشكلة القطيع، وتم تمرير ذلك عبر قنوات رسمية، من خلال تقرير قدمه وزير الفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري والمياه والغابات، أحمد البواري، في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك.
“جريمة اقتصادية”
وفيما يتعلق بالفرضية الثانية، حسب المتحدث، تنطلق من أن الأرقام التي قدمها وزير الفلاحة هي صحيحة، وبالتالي يكون لوبي اللحوم الحمراء والمواشي متهم بارتكاب “جريمة اقتصادية” تستغل بنيات الريع والاحتكار عبر تعمد تحجيم وصول الماشية للأسواق.
وزاد موضحا في هذا الصدد، أن الأضاحي متوفرة بالفعل، لكن كبار الكسابة ولوبيات القطاع يتحكمون في وتيرة وصولها إلى الأسواق لاستغلال قاعدة “كثرة الطلب وقلة العرض” وتحقيق أرباح مضاعفة، لافتا إلى أنه بفضل توفر المراعي واستمرار دعم الأعلاف، يعمد كبار الكسابة لتوزيع تسويق القطيع على ثلاث مراحل: جزء للعيد بأسعار باهظة، وجزء لعطلة الصيف والمناسبات، وجزء للمذابح لتثبيت سعر اللحوم عند 150 درهما في الأيام العادية.
ومن جانب آخر، يرى البكاري أن قلة المعروض داخل الأسواق المرخصة –رغم قرار منع بيع الأغنام في دكاكين الكراء العشوائية– يمثل دليلا قاطعا يعضد فرضية التحكم الاحتكاري في قنوات التوزيع.
وخلص الناشط الحقوقي خالد البكاري إلى بالتأكيد على أن الحكومة تتهرب من مواجهة منبع المشكل (اللوبي الكبير)، وتلجأ لخطوات استعراضية متأخرة كطلب فتوى مجلس المنافسة لتسقيف الأسعار قبل العيد بأيام، ملقية باللوم حصرا على “الشناقة الصغار” الذين تحولوا مجرد واجهة لتصريف قطيع الكسابة الكبار.
وكان مجلس المنافسة قد أصدر رأيا جديدا، يوم الجمعة 22 ماي 2026، يفتح الباب أمام الحكومة “لاتخاذ تدابير استثنائية لتنظيم السوق، في محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة على القدرة الشرائية للأسر المغربية”.
وأعلن المجلس في رأيه الموافقة بالإجماع على طلب استعجالي تقدمت به رئاسة الحكومة، “يقضي بإمكانية اتخاذ إجراءات مؤقتة لتأطير سوق أضاحي العيد، بما في ذلك تسقيف أسعار البيع حسب الكيلوغرام إذا ما رأت الحكومة ضرورة لذلك”.
وكانت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، قد أكدت، يوم 14 ماي 2026، أن “العرض الوطني من الأغنام والماعز المخصصة لعيد الأضحى 1447 هـ يتراوح بما بين 8 ملايين و9 ملايين رأس، متجاوزا الطلب الذي يقدر بحوالي 6 إلى7 مليون رأس”.
وأوضحت الوزارة في بلاغ لها أن “البرنامج الملكي المتعلق بإعادة تكوين القطيع الوطني، إلى جانب تحسن الظروف المناخية، بالإضافة إلى الولادات الخريفية والربيعية، قد ساهم في استعادة توازن القطيع الوطني، الذي يبلغ تعداده حاليا حوالي 40 مليون رأس”، مشيرة إلى أنه تم تسجيل 160.000 ضيعة لتربية وتسمين الأغنام والماعز المخصصة لعيد الاضحى على المستوى الوطني.
وأضاف المصدر ذاته أن هذه العملية تدخل في إطار تتبع مسار الماشية الموجهة للذبح، وتعد أداة مهمة لتتبع الحالة الصحية للقطيع الوطني.