story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

هل ينتصر أخنوش على ترامب؟

ص ص

دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منعطفا قد يكون حاسما، سواء في اتجاه إنهائها بنتيجة شبه صفرية، وهو ما يعدّ انتصارا ماحقا لإيران التي واجهت أكبر قوة عسكرية في تاريخ البشرية، أو في اتجاه مناورة تكتيكية جديدة من جانب ترامب لربح المزيد من الوقت لترويض المارد الإيراني.

سنترك التحليل الاستراتيجي وما تقوله مصادره المرجعية جانبا، وسنتحدّث اليوم عن الجانب الذي يهمّنا مباشرة، وتأثر بالفعل أمس الاثنين 23 مارس 2026، بقرار ترامب “تأجيل” ضرباته الموعودة ضد بنيات إنتاج الطاقة الكهربائية في إيران خمسة أيام.

فقد تراجعت أسعار النفط بنحو 13 في المئة، وهو أهم خبر على الإطلاق يمكن أن يهتم به مستضعفو المغرب و”دراويشه”، أكثر مما تهمهم حقيقة الاتصالات المباشرة أو غير المباشرة بين إيران وواشنطن، عبر باكستان أو تركيا أو مصر…

وبدل أن نكتفي بانتظار انعكاس هذا التراجع على أسعار بيع المحروقات، فإن من حقنا أن ننتظر أكثر: أن يختم أخنوش ولايته على رأس الحكومة بخفض ملموس في الضرائب والرسوم التي تشكّل ثلث الثمن الذي نشتري به المحروقات، ويتنازل عن طريق شركته عن جزء، ولو في حدود درهم واحد في كل لتر، من هامش الربح الذي يصل إلى قرابة درهمين في اللتر الواحد حسب مجلس المنافسة.

نحن اليوم في سنة انتخابية، ولا معنى للسياسة فيها إن لم تُختبر عند ال”بومبا”، وعند كيس الدقيق، وعند تكلفة النقل… ولحسن حظ عزيز أخنوش، أو لسوئه إن شاء أن يتهرب من الامتحان، أنه لا يملك فقط سلطة رئاسة الحكومة التي تضع الضرائب وتراجعها وتؤجلها وتعيد هندستها، بل يملك أيضا، بحكم موقعه في السوق، قدرة عملية على التأثير في سلوك الفاعلين الكبار في قطاع المحروقات، وإذا قرّر اليوم أن يتنازل مؤقتا عن جزء من هامش ربحه لفائدة المغاربة، فإن باقي المنافسين سيضطرون إلى مسايرته طبقا لقانون السوق والمنافسة.

آخر ما استقر في الوعي العام، وكرّسته تقارير رسمية وقراءات متخصصة، أن جزءا معتبرا من سعر اللتر الواحد من الوقود ليس قدرا منزلا من السوق الدولية، بل ناتج عن تركيب داخلي معقد يجمع بين سعر الاستيراد وكلفة اللوجستيك والضرائب وهوامش الموزعين وبائعي التقسيط.

في حالة الغازوال، مثلا، تتكون بنية السعر من عناصر ثابتة وأخرى متغيرة، لكن الثابت فيها أن الضريبة الداخلية على الاستهلاك، والضريبة على القيمة المضافة، وأرباح الموزعين، وهوامش محطات البيع؛ وكلها تخلق مجالا حقيقيا للتدخل إذا توفّرت الإرادة السياسية.

وأمام أنظارنا اليوم، عبر العالم، نماذج واضحة لمثل هذا التدخل. إيطاليا خفضت الرسوم المفروضة على الوقود لمدة تقارب عشرين يوما، بما ينعكس مباشرة بنحو 25 سنتا من اليورو في اللتر، وإسبانيا أعلنت حزمة دعم بقيمة خمسة مليارات يورو تتضمن تخفيفا ضريبيا وإجراءات لاحتواء أثر الحرب على الأسعار، وكوريا الجنوبية تتحرك نحو ميزانية تكميلية بنحو 25 تريليون وون للتخفيف من أثر صدمة الطاقة، فيما ذهبت مقدونيا الشمالية إلى خفض الضريبة على القيمة المضافة على الوقود إلى عشرة في المائة…

هنا يصبح سؤال “ماذا سيفعل المغرب؟” أكثر إلحاحا وأقل قابلية للتأجيل. ماذا يمنع الحكومة من التدخل الآن، ولو مؤقتا، لامتصاص أثر الأزمة؟

الجواب ليس تقنيا، بل سياسي. ذلك أن قرابة 40 في المائة من سعر اللتر الواحد من المحروقات الأكثر استهلاكا في المغرب يذهب إلى الدولة وشركات التوزيع، فيما يظل سعر الشراء من الأسواق العالمية، رغم أهميته، أقل من أن يفسر وحده الارتفاع الحالي.

بقليل من التبسيط، فإن رئيس الحكومة، بصفته الاقتصادية والسياسية المزدوجة، يستطيع أن يطلق إشارة نزول في السوق عبر قرار ملموس، بأن تتنازل شركته عن جزء من هامش الربح، فتجرّ معها باقي الفاعلين بحكم منطق المنافسة، ثم تواكب الحكومة هذا المنحى بتخفيف جبائي مدروس على الأقل إلى حين مرور الأزمة الدولية الحالية.

ولأن السياسة الجيدة لا تقوم فقط على ردّ الفعل الظرفي، بل على الهندسة التي تمنع تكرار الصدمة نفسها في كل مرة، فإن المقترح الذي يقدمه الخبير الاقتصادي زكرياء كارتي يستحق أن يُؤخذ بكثير من الجدية.

الرجل يقترح نقل العبء الضريبي من صيغة تتضخم تلقائيا مع ارتفاع الأسعار إلى صيغة أكثر ثباتا وحيادا. أي إلغاء الضريبة على القيمة المضافة على الوقود، ورفع الضريبة الداخلية على الاستهلاك إلى مستوى يضمن للدولة موردا مستقرا عند سعر مرجعي للبرميل في حدود 65 دولارا.

معنى ذلك أن الدولة لن تخسر على المدى البعيد مواردها الأساسية، لكنها ستكف عن “الربح” من كل قفزة جيوسياسية في الأسعار، وسيكف المستهلك في المقابل عن أداء ضريبة إضافية فقط لأن العالم أصابه الجنون مرة أخرى. والدولة التي تقول إنها اجتماعية لا يجوز أن تجني “أرباحا ضريبية” من المحروقات أعلى كلما زادت هشاشة الناس.

طبعا، لسنا سذجا حتى نتصور أن الدولة ستتخلى عن كل مواردها، ولا أن شركات التوزيع ستتحول فجأة إلى جمعيات خيرية. لكن بين الاستسلام الكامل لما يسمى “السوق”، وقرار عقلاني يوزع الخسارة المؤقتة بين الدولة والفاعلين حمايةً للقدرة الشرائية، توجد مساحة واسعة من الممكن السياسي.

لكل هذا، فإن عزيز أخنوش يقف اليوم أمام فرصة نادرة، أو أمام فخ نادر، بحسب ما سيختار. يمكنه أن يظل أسير الخطاب البيروقراطي البارد، فيبدو مجرد متفرج محلي على حرب عالمية، كما يمكنه أن يتصرف كرجل دولة يعرف أن السياسة، في لحظات الخطر، ليست تدوير الكلام بل إدارة الأثر.

يستطيع أخنوش، بقرار من شركته، أن يرسل إشارة قوية إلى السوق بخفض هامش الربح مؤقتا، ومن حقنا أن نطالبه هو وحده من بين كل الفاعلين في السوق بهذه الخطوة، لأنه الوحيد الذي تقدّم نحونا بعرض سياسي ووعدنا ب”الثقة” وب”المستقبل”؛ ويستطيع، بقرار من حكومته، أن يراجع جزءا من العبء الضريبي بما يمتص الزيادة العالمية، أو على الأقل يقلصها إلى حد معقول.

عندها فقط سيكون أخنوش قد قدّم للمغاربة شيئا يلمسونه، وسيكون قد انتصر، لا على إيران ولا على ترامب، بل على ذلك العجز السياسي المزمن، وسنصدّق أنه تنازل عن “الولاية الثالثة” على رأس حزبه “زهدا” و”ورعا”، وسنعتذر له عن كل الانتقادات السابقة، ونحوّله إلى قدوة لمن يقدم على الخوض في الشأن العام ويتحمّل المسؤوليات التدبيرية.