story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

نظام أساسي للوظيفة الترابية.. بين الاستحسان والتوجس

ص ص

ذ هشام ياسين / كاتب وباحث في شؤون الجماعات الترابية

تطبيقا لأحكام المواد 127 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات و121 من القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم و129 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، صادق مجلس الحكومة، يوم الخميس 14 ماي 2026، على مشروع القانون رقم 47.25 بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية، الذي يهدف إلى تحديث الإدارة الترابية، وتدبير المسار المهني للموارد البشرية العاملة بالجهات والعمالات والأقاليم والجماعات وفق معايير تضمن حقوق وواجبات الموظفين.

خلف هذا المشروع ردود فعل متباينة، فبينما اعتبره البعض خطوة إيجابية لإنهاء جمود استمر أربعة عقود وإرساء إطار قانوني يحسن ظروف العمل، عبرت أطراف أخرى عن تخوفات من بعض بنوده الغامضة والقابلة لتأويلات قد تُفرغ المشروع من روحه وتعصف به.

نقطة نظام:
بداية وجب التنبيه أن مشروع القانون رقم 47.25 بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية وضع الإطار والمبادئ العامة بقانون، وأحال التفاصيل الأساسية إلى نصوص تنظيمية (مراسيم وقرارات) ستصدر لاحقا.
ومن باب النظرة القانونية والإدارية في التشريع المغربي، فالقانون يكون غير مفصل، وقد يكتفي بتحديد الفئات الكبرى للموظفين، وبالمبادئ العامة للحقوق والواجبات، والتنصيص على وجود تعويضات أو أنظمة ترقية… ويحيل التطبيق لنصوص تنظيمية، أي أن التفاصيل المتعلقة بالحياة المهنية للموظف الجماعي وخصوصيته (شبكات الأجور والتعويضات، شروط الترقي، نظام المباريات والامتحانات المهنية، مطابقة الشهادات، الهندسة الجديدة للدرجات، نظام الحركية والانتقال، الأنظمة التأديبية التفصيلية…) قد تبقى مؤجلة إلى حين إصدار النصوص التنظيمية.
من هذا المنطلق لجأت المديرية العامة للجماعات المحلية لإصدار نظام أساسي خاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية بقانون، لاحترام التقسيم الدستوري، فهي تعتبر أن التفاصيل تدخل في “المجال التنظيمي” وليس التشريعي.
من هنا نقول، أن الإشكال ليس في إصدار النظام الأساسي بقانون كما يروج البعض، بل الإشكال الحقيقي في النصوص التنظيمية الغير معلنة، والتي قد تصدر بشكل لا يحقق الوعود التي فهمها المحاورون النقابيون من القانون فتصبح بعض الحقوق معلقة، أو غير قابلة للتطبيق فعليا، فالقوة الحقيقية لبعض الحقوق تبقى مرتبطة بما ستقوله المراسيم التطبيقية، فإذا تم الاكتفاء بقانون عام وفضفاض، تصبح السلطة التنظيمية (وزارة الداخلية) صاحبة التأثير الأكبر فعليا، بمعنى أن جوهر النظام الأساسي الحقيقي داخل المرسوم وليس داخل القانون نفسه.

إيجابيات المشروع:
1- إنهاء الانتظارية، فالنظام الأساسي يعد مكسبا ينهي الفراغ القانوني والجمود الذي عانى منه القطاع منذ سنة 1986.، فلأول مرة نظام أساسي بقانون، وهذه نقطة مهمة رمزيا ومؤسساتيا، وهذا يعطي اعترافا أقوى بخصوصية الوظيفة الترابية، واستقلالا نسبيا عن الوظيفة العمومية المركزية، ويقوي مكانة موظفي الجماعات داخل البناء اللامركزي للدولة.
2- الاعتراف بخصوصية الإدارة الترابية، بحيث أن المشروع يساهم في بناء وظيفة عمومية ترابية مستقلة نسبيا، ومرتبطة بالحكامة الترابية والجهوية المتقدمة.
3- المشروع يحاول إنهاء حالة التشتت بين أنظمة متفرقة، وقرارات وزارية، ومماثلات غير مستقرة، وهذا بالطبع قد يساعد على توحيد المساطر، ووضوح الوضعيات الإدارية، وتسهيل الحركية المهنية…
4- إمكانية إحداث هيئات وأطر جديدة، وهذا قد يسمح مستقبلا بـتحديث المهن الترابية، وبخلق مسارات تقنية ورقمية وهندسية جديدة، مع تجاوز بعض الاختلالات القديمة في المماثلة مع الوزارات.
5- التنصيص الصريح على الحق في الانتماء السياسي والنقابي، وهذا مهم جدا خصوصا أن موظفي الجماعات يشتغلون تحت إمرة السياسيين وفي تماس مباشر مع السلطات المحلية والاقليمية (المادة 7).
6- التنصيص على حقوق وضمانات صريحة كالحماية القانونية للموظف، ومنع التمييز، والحماية من الاعتداءات، واعتبار أي اعتداء على الموظف اعتداءً على المرفق العمومي نفسه، مع التزام الإدارة بالدفاع عنه قضائيا وتحمل التعويضات المدنية المرتبطة بالأخطاء المرفقية. (المادة 8)
7- التنصيص على الحق في التكوين وضرورة التكوين المستمر (المادة 13)
8- التنصيص على الترقية باعتماد الاستحقاق والكفاءة وبالشهادات وإن كانت مشروطة. (المادة 19)
سلبيات المشروع:
1- القانون عام جدا والتفاصيل الحقيقية مؤجلة، فالمشروع لا يحدد فعليا نظام الأجور، ولا التعويضات، ولا الهندسة الجديدة للدرجات، ولا تفاصيل الترقية، ولا المسارات المهنية… بل يحيل أغلب الأمور إلى نصوص تنظيمية، وهذا يعني أن “القانون الحقيقي” قد يكون لاحقا داخل المراسيم وليس داخل القانون نفسه.
2- السلطة التنظيمية ستتحكم في الجوهر، فوزارة الداخلية ستحتفظ بهامش واسع جدا للتعديل عبر المراسيم.
3- غياب حل عادل ومنصف لحاملي الشواهد، فالمادة 19 اشترطت في المباراة الداخلية شهادات بعينها تحددها الوزارة حسب حاجيات المصلحة، وفي حدود المناصب المالية والاعتمادات… والأحرى بالوزارة وأمام زخم نضال عقد ونصف من الزمن أن تستجيب لمطلب التسوية المباشرة لحاملي الشهادات والتعيين في الدرجات المستحقة قبل صدور النظام الأساسي وتنظيم مباريات سنوية فيما بعد.
4- غياب وضوح مالي، فالموظف الجماعي المهمش والمقهور لا يهتم إلا بـالأجور، والتعويضات، والترقيات، والتحفيزات… أما الإطار القانوني في غياب الإصلاح المالي فليس من اهتماماته.
5- استمرار منطق المماثلة مع موظفي الدولة، فرغم الحديث عن وظيفة عمومية ترابية مستقلة، فإن المشروع ما زال يحيل كثيرا على النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وهذا يجعل البعض يتساءل هل نحن أمام استقلال حقيقي للوظيفة الترابية أم مجرد إعادة تنظيم شكلية؟
6- شرط الإذعان في المادة 15 والالتزام بثماني سنوات بعد التكوين أو التوظيف تثير شكوك حول النوايا، وقد تعتبر تقييدا غير منطقي للموظف الجماعي.
7- تشديد العقوبات والاجراءات، بإقرار إجراءات تأديبية جديدة وتحديد مهام خارج أوقات العمل العادية، قد تتيح إمكانية استغلال هذه البنود للتعسف أو التضييق الإداري.
8- تشغيل متعاقدين كتمهيد لمزيد من توسيع التوظيف الهش داخل قطاع هش أصلا(المادة 20)، ولنا في قطاع التربية والتعليم أكبر مثال على فشل هذه التجربة، ثم ألا يكفي أن الجماعات تشغل المؤقتين والموسميين في ظروف تشبه حياة المعز.
9- الإلحاق القسري، حيث نصت المادة 22 على إمكانية إلحاق موظفي إدارة الجماعات الترابية، بطلب منهم أو لضرورة المصلحة، وهذا نوع من أنواع التعسف.
لا بديل عن وحدة الصف النقابي:
التجاذب الحاصل بين الأطراف النقابية ذات الجسم الواحد والذي يصل لحد التنابز والتخوين غير مقبول، فالظرفية تقتضي وحدة الصف، والتلاحم في مواجهة تغول وزارة الداخلية التي تتمنع حتى من جلوس وزيرها مع ممثلي نقابات القطاع، وهذه وحدها تكفي لتذويب الخلافات القائمة أو المصطنعة، والعمل على حسن تدبير المرحلة بأقل الخسائر وبما يخدم مصلحة الموظف الجماعي، فليعلم الجميع أن زاوية النظر والمقاربات تختلف وهذا لا يفسد للود قضية، وأن من دافع على إخراج النظام الأساسي للوجود رغم علاته كان محقا باعتباره خطوة مهمة رمزيا ومؤسساتيا، ولم يكن من المفيد في شيء الدفع في مزيد من هدر الزمن، وألوف الموظفين تتقاعد سنة بعد أخرى، ولست بحاجة لأذكر أطراف الحوار أن عرض السيد خالد سفير الوالي المدير العام سنة 2019 كان متقدما ومجديا للشغيلة الجماعية ولحاملي الشواهد خاصة، وكنا سنحقق أفضل مما نحن عليه اليوم، وبالمقابل فالرافضين للمشروع لهم تخوفات مشروعة، فجل بنود هذا المشروع غامضة وقابلة للتأويلات، وهذا صحيح ولن ينكره عاقل، لكن ما الجدوى من الرفض الذي لا نرى له أثر ولا ينعكس إيجابا على الشغيلة الجماعية، ألم يكن الأحرى والأجدر أن تنصب الجهود حول النصوص التنظيمية والمراسيم باعتبارها المحدد الحقيقي لما إذا كان هذا المشروع سيشكل نقلة نوعية في الوظيفة الترابية؟ الشغيلة الجماعية يا رفاق الدرب تنتظر نتائج ملموسة على أرض الواقع، لا المزايدات.
ونذكر في هذا الصدد بأن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي شدد في رأيه الاستشاري على ضرورة مرافقة هذا النظام الأساسي بإصلاحات هيكلية تضمن الإنصاف في الأجور، وتطوير آليات الترقية …

ختاما ندعو لتكاثف جهود كل الفاعلين لبناء المشروع النقابي الوحدوي في مواجهة تعنت الداخلية، وندعو الجميع للمساهمة في إنضاج شروط تأهيل جبهة التنسيق النقابي القطاعي، ولنا في الشغيلة التعليمية التي رفضت المرسوم (2.23.819) وأجبرت الحكومة بتماسك نقاباتها على التراجع عن النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية وإعادته لطاولة الحوار في أواخر عام 2023 . وليعلم رفاق الدرب أن الحكم على جودة هذا المشروع من عدمه، مرتبطة أساسا باستصدار النصوص التطبيقية (المراسيم والقرارات) فهي الروح الحقيقية التي تحول النصوص التشريعية من مجرد نوايا ومبادئ عامة إلى واقع ملموس يؤثر في المسار المهني للموظف الجماعي. فالنص التشريعي الجيد لا يصبح متطورا إلا إذا رافقته نصوص تطبيقية واضحة، مرنة وشجاعة في إنصاف الشغيلة الجماعية، وهذه بالضبط هي مهمة التنسيق النقابي القطاعي اليوم.