نصير مزراوي.. المنتوج الخالص للكرة الشاملة
يواصل الظهير المغربي نصير مزراوي خطف الأنظار بأدائه المميز مع المنتخب الوطني في كأس العالم 2026، بعدما بصم على مستوى قوي في مواجهة اسكتلندا، وقبلها أمام البرازيل، مقدماً واحداً من أفضل العروض الفردية في صفوف “أسود الأطلس”.
وأظهر لاعب مانشستر يونايتد صلابة كبيرة على المستوى الدفاعي، وقدرة على افتكاك الكرات وإيقاف هجمات المنافسين دون ارتكاب أخطاء مؤثرة، فيما برز هجومياً بهدوئه في بناء اللعب ودقة تمريراته رغم الضغط الذي يفرضه الخصوم على مناطق المنتخب.
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لافتة لمزراوي من مواجهة اسكتلندا، ظهر فيها بين الثنائي سكوت ماكتوميناي وغانون دوتشي خلال صراع هوائي على الكرة، في لقطة جسدت الروح القتالية الكبيرة التي يتحلى بها اللاعب.
هولندا المنشأ
في يوم الجمعة 14 نونبر من سنة 1997، داخل بلدة صغيرة بغرب هولندا تسمى لايدردوب، كانت لمصطفى مزراوي المهاجر المغربي القادم من منطقة جبالة بضواحي مدينة تطوان، فرحة كبيرة رفقة زوجته خديجة بازدياد إبنهما الثاني، نصير، بعد ست سنوات من ولادة نجلهما البكر نوفل.
كانت أسرة بسيطة، يكد الأب في أعمال حرة خارج البيت، فيما الأم تكفلت بالأشغال داخله وتربية أبنائها على الاستقامة والاجتهاد في الدراسة وفي احترام المحيط الصغير والكبير، وفي مواكبتهم في الأنشطة الترفيهية الطفولية التي يختارونها.
نصير الذي أصبح الابن الأوسط بين إخوته بعد ولادة أخته الصغرى فاتن، جذبته كرة القدم منذ طفولته المبكرة، حيث كان يجلس منهرا أمام التلفاز لمشاهدة مبارياتها، عكس أقرانه الذين كانوا يفضلون سلسلات الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو الخاصة بالأطفال.
لم يكد يصل إلى سنته الثانية في المدرسة القريبة من البيت حتى انخرط في ناد للفئات العمرية الصغرى، وبدأ يرافق والده إلى الملاعب الشهيرة في هولندا لمتابعة كبريات الأندية وهي تخوض مباريات دوري “الإيريديفيزي”، وكان لذلك أثر بالغ في إزالة الرهبة من الجمهور والتعود على الأجواء الصاخبة التي تدور فيها المباريات الكبيرة.
ولما لمح والده موهبته الكروية الفذّة منذ الصغر، لما رآه من إبداعاته الكروية حينما كان يلاعب رفاقه في الحي، قرر تسجيله في أقرب ناد، وهو نادي ألفين. لم يكن نصير مزراوي مميزًا في كرة القدم فحسب، بل كان مجدًّا في دراسته، فأحبّ دراسة المحاماة، لما يملكه من قدرة على النقاش، فدرس اللغات الألمانية والإنجليزية، إضافة إلى الهولندية التي يتقنها، واللغة العربية، ثمّ درس العلوم التربوية بهدف إكمال دراسته في القانون، ليحقق حلمه بأن يصبح محاميًا. لكن كرة القدم وعوالمها السحرية جذبته إليها وصرفته عن حلمه الصغير.
مشوار كروي مع الكبار
يعتبر نصير مزراوي من أفضل اللاعبين في العالم حاليا بمركز الظهير الأيمن، وبإمكانه اللعب أيضًا في الظهير الأيسر، ناهيك عن خط الوسط. وهو يتحكم بالكرة بشكل جيد، ويُتم مهامه الدفاعية على أكمل وجه، ويساهم في تقوية أداء فريقه الهجومي. سريعٌ وقوي بدنيًا، ويملك المهارات الفنية التي يحتاجها في مركزه. كما يجيد التمريرات القصيرة والطويلة، إضافة للكرات المرفوعة بكل دقة.
نمّى نصير مزراوي موهبته الكروية في نادي ألفين، إلى أن استقدمه أجاكس أمستردام إلى صفوفه حين بلغ التاسعة من العمر. هناك تدرّج مع فئات أكبر وأشهر ناد في هولندا، فلعب في فئات الفريق العمرية وتدرّج فيها، لكنّه حينما وصل إلى فئة الفريق تحت 17 عامًا شعر بالتهميش، فلم يتم إدراجه بالمباريات، وهنا كاد أن يتخذ قرارًا يغيّر كل حياته، وهو ترك كرة القدم والتفرّغ للتحصيل العلمي.
يقول نصير مزراوي عن هذه الفترة: “إلى جانب كرة القدم، كنت أيضًا في المدرسة حيث أدرس العلوم التربوية، كان هدفي هو مواصلة دراستي ودراسة القانون لكي أصبح محامياً لأني أحب التواصل، في كثير من الأحيان، خلال هذه الفترة السيئة، سألت نفسي سؤالاً حول ما إذا كان الاستمرار في لعب كرة القدم فكرة جيدة”.
لكنّ أحد مدربيه في الفئات العمرية، مارسيل كيزر، نصحه بالاستمرار في لعب كرة القدم، وعدم السماح للظروف التي يعيشها بأن تثبت عزيمته، وبعد ذلك غادر فريق أجاكس تحت 18 عامًا، والتحق بالفريق الرديف لأجاكس “يونغ أجاكس” الذي يلعب بالدرجة الثانية، ويدرّبه مارسيل كيزر نفسه.
أثبت نصير مزراوي جدارته بالفريق الذي يلعب بالدرجة الثانية، وآمن بموهبته الكروية، لكن ذلك كان ضريبته التخلي عن حلم دراسة المحاماة وامتهانها، فلعب موسمين مع الفريق، وأبدع بمركز صانع الألعاب والظهير الأيمن، إلى أن لفتت موهبته الفريق الأول بنادي أجاكس أمستردام، فاستقدمه في بداية عام 2018.
في هذه الفترة أتى لأجاكس أمستردام المدرّب إيريك تين هاغ، والذي بنى لاحقًا فريقًا مميزًا صال وجال في الملاعب الأوروبية، حيث اكتشف موهبة نصير مزراوي، واستدعاه إلى الفريق الأول.
يقول إيريك تين هاغ عن هذه المرحلة: “عندما بدأت مع أجاكس في يناير، كنت أعرف نصير بالاسم ولكني لم أعرف كل صفاته، لقد تغير ذلك بسرعة، لأنه في الأسبوع الأول وخلال المعسكر التدريبي في البرتغال، ترك بالفعل انطباعًا جيدًا جدًا عندي، وفي ذلك الوقت، كان من الواضح أنه لا يزال هشًا، لذلك بدأنا العمل في الأشهر التالية بالتشاور مع الطاقم الطبي. وقد تم وضع خطة جيدة حتى يتمكن من التطور بدنياً ويصبح أكثر قوة، سارت هذه العملية بشكل جيد”.
غيّر تين هاغ بشكل تدريجي مركز نصير مزراوي، فحوّله من صانع ألعاب، أو لاعب خط وسط إلى ظهير أيمن، وكان النجم المغربي أهلًا لهذا المركز. وفي الموسم التالي، ليصبح نصير مزراوي من نجوم الفريق الذي كان جلّه من الشباب، والذي فاز بالدوري الهولندي، ووصل لنصف نهائي دوري أبطال أوروبا، قبل أن يودّع البطولة في لقاء مجنون مع توتنهام هوتسبيرز.
استمر نصير مزراوي بمسيرته الناجحة مع أجاكس أمستردام، وحاز على العديد من الألقاب والجوائز جماعيًا وفرديًا، إلى أن نجح بايرن ميونيخ في استقطابه صيف عام 2022، ليصبح تاريخيًا ثاني دولي مغربي يوقع مع النادي البافاري بعد المهدي بن عطية.
في موسمه الأول، غاب المزراوي عن البايرن لأسابيع بسبب الإصابة، لكنه سرعان ما استعاد مركزه في تشكيلة ناغلسمان والمدرب التالي توماس توخيل، ليساهم مع الفريق بالتتويج الدرامي بالدوري الألماني. حينها خطف البايرن الصدارة في الدقيقة الأخيرة من الأسبوع الأخير، وتوّج باللقب على حساب بوروسيا دورتموند.
التميز الذي أنهى به الموسم الماضي مع باييرن ميونيخ جلب إليه أنظار مدربه وصاحب الفضل الكروي عليه إيريك تين هاغ، الذي لم يكن ليجد أفضل من لاعبه القديم ليخوض معه تحدي إعادة البريق لمانشستر يونايتد، فانتقل بصحبة رفيقه دي ليخت ليرمما دفاع النادي الإنجليزي العريق، وليندمج بسرعة في أجواء “البرومييرليغ” من خلال ظهوره المبهر كأساسي في مركز الظهير الأيمن خلال المباريات الأولى ل”الشياطين الحمر” هذا الموسم.
مزراوي المغربي
في عام 2018، زاره رونالد كومان، مدرب منتخب هولندا الأول، في محاولة لإقناعه باللعب في صفوف الطواحين، لكنّ مزراوي لم يكن وقتها قد حسم في وجهته الدولية بعد، حيث قال مزراوي عن ذلك: “قدم لي السيد كومان مشروعًا كبيرًا وطموحًا لاختيار المنتخب الهولندي، أنا ممتن حقًا وأشعر بالتحقق من صحة أفعاله. هولندا هي بلدي، ولكن المغرب كذلك. الأشخاص الذين يعرفونني يعرفون أنني هولندي فخور ومغربي فخور. لقد ولدت ونشأت هنا”.
نصير مزراوي تغلبت أصوله على مشاعر الانتماء لبلد المنشأ، واختار في النهاية حمل قميص المغرب، وتعرّض للكثير من الضغوطات عبر وسائل الإعلام الهولندية بسبب اختياره، فيما دافع مدربه إيريك تين هاغ عن قراره، حينما أوضح أن تمثيل المزراوي لمنتخب المغرب يعتبر قرارًا شخصيًا اتخذه بالتشاور مع عائلته ووكيله.
أوّل مباراة لنصير مزراوي مع المنتخب المغربي كانت في 9 غشت 2018 ضد مالاوي، ضمن إقصائيات كأس أمم أفريقيا، مع المدرب هيرفي رونارد، وشارك بعد ذلك في كأس أمم أفريقيا 2019، والخروج الشهير أمام بنين بضربات الجزاء.
انتماء مزراوي للمنتخب الوطني تخللته فترة غياب طويلة مع مجيء وحيد خاليلوزيتش، بسبب خلاف بسيط حول قنينة ماء دفعت المدرب البوسني لعدم استدعائه للمعسكرات اللاحقة.. يقول مزراوي عن هذه الواقعة: “كنا في حصة تدريبية، وكان من المفترض أن نأخذ استراحة كل خمس دقائق لشرب الماء لأن الجو كان حارا، وكنت قد شربت الكثير من المياه، لكن المدرب أراد إجباري على ذلك، رغم تدخل رومان سايس تم طردي مباشرة من التدريب ولم يتصل بي بعدها”.
بعد أشهر من هذه الحادثة، وبوساطة من فوزي لقجع، سافر خاليلوزيتش إلى لندن للقاء مزراوي وتذويب الخلاف معه والترتيب لعودته للفريق الوطني، لكنّ الجامعة الملكية المغربية أقالته، وتعاقدت مع وليد الركراكي، ليتولى زمام المنتخب المغربي قبل 3 أشهر فقط من كأس العالم 2022.
سجّل نصير مزراوي اسمه ضمن قائمة المشاركين في الإنجاز التاريخي في المونديال القطري، بعدما شارك في مباراة كرواتيا الافتتاحية، وبعد ذلك أمام بلجيكا، ومن ثم كانت مواجهة كندا، قبل أن يلعب في لقاء إسبانيا ويساهم مع زملائه بالفوز الكبير على “الماتادور”، لكنّه غاب عن لقاء البرتغال في ربع النهائي بسبب الإصابة، وشارك أمام فرنسا في نصف النهائي، إلا أن الإصابة حرمته من لعب مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع أمام كرواتيا.