نساء معتقلات في 8 مارس
لا يستقيم الاحتفاء بالمرأة ولا بخطابات المساواة الشكلية في اليوم العالمي لحقوق النساء، ما لم يقترن بنقاش عمومي صريح حول واقع الحريات، وحدود المشاركة السياسية، وطبيعة الضمانات التي يوفرها النظام القانوني والمؤسساتي للنساء اللواتي اخترن الانخراط في الدفاع عن الحقوق والحريات.
فواقع المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب لا يشكل ملفا حقوقيا ظرفيا أو قطاعيا، بل يمثل مدخلا بنيويا لفهم طبيعة التحول الديمقراطي، وحدود دولة الحق والقانون، وأنماط تدبير السلطة للاختلاف وللصوت النقدي داخل الفضاء العمومي.
لقد أضحت النساء المدافعات عن حقوق الإنسان فاعلات مركزيات في إعادة تشكيل المجال العام، من خلال انخراطهن في قضايا تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، من حرية التعبير، والحق في التنظيم، والعدالة الاجتماعية، إلى قضايا الفساد، والتهميش المجالي، والعنف المؤسساتي، والتمييز القائم على النوع الاجتماعي. غير أن هذا التموضع في قلب الصراع حول السياسات العمومية، وحول المعنى السياسي للحقوق، جعل من الفعل الحقوقي النسائي فعلا شديد الحساسية داخل ميزان السلطة.
في هذا السياق، أصبحت المدافعات عن حقوق الإنسان في موقع هش داخل معادلة سياسية تتسم بتراجع قنوات الوساطة، وبهيمنة المقاربة الزجرية في التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية والحقوقية، وباستعمال القانون الجنائي كأداة مركزية في إدارة التوتر السياسي وإعادة ضبط المجال العمومي وفق منطق الردع.
تتعمق خطورة هذا المسار حين يقترن بالبعد الجندري في ممارسة التضييق. فالنساء لا يستهدفن فقط بصفتهن فاعلات حقوقيات أو سياسيات، بل يستهدفن أيضا في موقعهن الاجتماعي والرمزي كنساء.
إذ لا يقتصر العقاب على المسار القضائي، بل يمتد إلى مسارات غير رسمية، يتم فيها توظيف السمعة، والحياة الخاصة، والجسد، والتمثلات الأخلاقية السائدة، لتجريد الخطاب الحقوقي النسائي من شرعيته السياسية، وتحويله من فعل نقدي مشروع إلى موضوع إدانة اجتماعية وأخلاقية. وهنا يتحول الفضاء الرقمي، في كثير من الحالات، إلى امتداد مواز لفضاء المتابعة القضائية، حيث تشن حملات تشهير ممنهجة، يتداخل فيها العنف الرمزي مع العنف الجندري، ويستعمل فيها الخطاب الجنسي والأخلاقي كسلاح سياسي لتأديب النساء وإخراجهن من المجال العام.
تكشف القضايا المرتبطة بكل من سعيدة العلمي، زينب خروبي، نزهة مجدي، وابتسام لشكر، وغيرهن من معتقلات الحركة الطلابية و الاحتجاجية و الحقوقية، بوضوح عن هذا التداخل البنيوي بين القانون والسياسة والنوع الاجتماعي. في هذه الملفات، يتم توظيف مقتضيات قانونية ذات صياغات عامة ومرنة في سياقات تتصل في جوهرها بممارسة سلمية لحرية التعبير، أو بالمشاركة في نقاش عمومي حول قضايا اجتماعية وحقوقية.
ويلاحظ، في عدد من الحالات، تزامن المسارات القضائية مع حملات تشهير رقمية مكثفة، تنطوي على خطاب جندري عنيف، يستهدف النيل من الصورة العامة للمدافعات، وإضعاف مكانتهن الرمزية داخل الفضاء العمومي. ولا يمكن النظر إلى هذه القضايا باعتبارها حالات فردية أو معزولة، بل ينبغي قراءتها ضمن منطق أوسع لإدارة الاختلاف السياسي والاجتماعي، حيث يعاد إنتاج الردع عبر أدوات قانونية وإعلامية واجتماعية متكاملة.
ويكتسي هذا النمط بعدا سياسيا أشد عمقا حين يتعلق الأمر بالشابات المنتميات إلى الجيل الجديد من الناشطات، ولا سيما ما يعرف بجيل “Z”، اللواتي أعدن تشكيل أنماط الفعل السياسي عبر الفضاء الرقمي، وفرضن أشكالا جديدة من الترافع والمساءلة خارج القنوات التقليدية للأحزاب والمنظمات. فاستهداف هذا الجيل لا ينفصل عن السعي إلى احتواء ديناميات اجتماعية ورمزية جديدة باتت تهدد احتكار إنتاج الخطاب العمومي، وتربك أدوات الضبط التقليدية، وتفتح إمكانات غير مسبوقة للتعبئة الاجتماعية المستقلة.
يثير هذا الوضع إشكالات عميقة تتعلق بالالتزام الإيجابي للدولة في حماية النساء من جميع أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الرقمي والسياسي. كما يطرح، في العمق، سؤال مدى انسجام الممارسة الفعلية مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدافعين/ات عن حقوق الإنسان، وبمناهضة التمييز ضد النساء، وبضمان الحق في المشاركة في الشأن العام دون خوف أو ترهيب.
يعكس هذا المسار ازمة ثقة متنامية بين الدولة وفاعلي المجتمع المدني، ويؤشر على تحول في فلسفة تدبير الشأن العام، من منطق الشراكة والوساطة إلى منطق المراقبة والاحتواء. كما يعيد إنتاج الخوف باعتباره آلية غير معلنة لتنظيم المجال السياسي، ولا سيما في صفوف النساء والشباب.
لا يمكن عزل هذه التطورات عن أثرها البنيوي على جودة الديمقراطية. فحين تدفع النساء خارج دوائر الفعل والنقاش الحر، يتقلص هامش التعددية، وتغيب قضايا العدالة الاجتماعية والهشاشة والحقوق الأساسية عن مركز النقاش العمومي، ويضعف الدور الرقابي للمجتمع في مواجهة السلطة. لذلك، فإن وضع المدافعات عن حقوق الإنسان لا يمثل قضية تضامن فئوي، بل مؤشرا مركزيا على سلامة النظام الديمقراطي نفسه، وعلى قدرة الدولة على حماية التعدد والاختلاف والنقد المشروع.
في اليوم العالمي لحقوق النساء، لا معنى لأي خطاب عن التقدم والمكتسبات في وضعية المرأة بالمغرب، ما دامت الحرية نفسها ما تزال موضع مساءلة، وما دامت نساء يسلبن حقهن في التعبير والاختلاف، ويُزَجّ بهن في مسارات المتابعة والسجن بسبب آرائهن ومواقفهن وممارستهن المشروعة لحقهن في الفعل المدني والسياسي.
فلا يمكن الحديث عن إنصاف للنساء في ظل واقع تستعمل فيه آليات المتابعة القضائية، والتشهير المنهجي، والتضييق الإداري، والعنف الرمزي والرقمي، لإعادة تطويق حضور النساء في الفضاء العام، وردع كل صوت نسائي اختار مساءلة السلطة أو الدفاع عن الكرامة والعدالة والحقوق. ولا يمكن، في الآن ذاته، تجاهل معاناة أمهات وزوجات وأسر ما تزال تعيش على إيقاع الانتظار القاسي لأبنائها المعتقلين بسبب مواقفهم الحقوقية والتزامهم السلمي بقضايا الحرية.
إن المعنى الحقيقي لهذا اليوم لا يتحقق بالاحتفالات الشكلية ولا بالبيانات البروتوكولية، بل يبدأ، قبل كل شيء، بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلات والمعتقلين على خلفية الرأي والتعبير، وبوضع حد لاستعمال القانون كأداة لضبط المجال العام وتجريم الفعل المدني المستقل. كما أن الادعاء بتحقيق المساواة والديمقراطية يظل خطابا أجوف ما لم يقرن بتحرير فعلي للفضاء المدني، وضمان حقيقي لحرية التنظيم والتعبير والاحتجاج السلمي، وباعتراف سياسي وقانوني صريح بالدور الجوهري الذي تضطلع به المدافعات والمدافعون عن حقوق الإنسان في صون دولة الحق والقانون وحماية أسسها.
في الثامن من مارس، لا نطلب شعارات جديدة، ولا نحتفي بوعود مؤجلة، ولا نطالب بامتيازات ثانوية، بل نناضل من اجل تحقيق ضمانات تحمي النساء جميعهن بدون تمييز حين يرفعن اصواتهن، ضد الحكرة و السلطوية و العنف بكل اشكاله و انواعه.
وكل 8 مارس و نساؤنا بألف خير.