مونديال 2010.. إفريقيا ترقص على أنغام “واكا واكا” وإسبانيا تعانق المجد لأول مرة
لم تكن بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2010 مجرد بطولة جديدة تضاف إلى سجل المونديالات عبر التاريخ منذ إنطلاق المسابقة عام 1930، بل كانت نسخة استثنائية حملت الكثير من الرمزية والتفاصيل التي جعلتها راسخة في ذاكرة عشاق المستديرة عبر العالم، حيث في جنوب إفريقيا، ولأول مرة في تاريخ القارة السمراء، احتضنت دولة إفريقية العرس الكروي العالمي، وسط أجواء احتفالية امتزجت فيها الرياضة بالسياسة والثقافة بالتاريخ.
بعد سنوات من التحرر من نظام الفصل العنصري “الأبارتهايد”، نجحت جنوب إفريقيا في تنظيم البطولة على عشرة ملاعب حديثة، متجاوزة المخاوف التي سبقت الحدث بشأن الأمن والنقل والبنية التحتية، لتقدم للعالم صورة مختلفة عن القارة الإفريقية وقدرتها على استضافة أكبر التظاهرات الرياضية.
نسخة جنوب إفريقيا ارتبطت فيها البطولة بأغنية “واكا واكا” التي أدتها المغنية الكولومبية الشهيرة “شاكيرا”، والتي تحولت فيما بعد إلى ظاهرة عالمية تجاوزت حدود كرة القدم.
لكن الرمز الأبرز للمونديال كان “الفوفوزيلا”، ذلك البوق البلاستيكي الطويل الذي ملأ الملاعب بضجيج متواصل أشبه بأصوات أسراب النحل، وبينما اعتبره البعض جزءا من الهوية الإفريقية للبطولة، اشتكى منه لاعبون كبار مثل الأرجنتيني ليونيل ميسي و البرتغالي كريستيانو رونالدو بسبب صعوبة التواصل داخل الملعب، حتى أن بعض الصحافيين أطلقوا عليه لقب “آلة الجحيم”.
هذا ولم تكن “الفوفوزيلا”وحدها التي خلقت الجدل حينها، فقد تعرضت الكرة الرسمية “جابولاني” لانتقادات واسعة بسبب صعوبة التحكم بها والتنبؤ بمسارها.
ووصفها الحارس البرازيلي خوليو سيزار بأنها “كرة سوبرماركت”، وهو رأي شاركه فيه عدد من اللاعبين والحراس آنذاك.
وفي جانب أكثر غرابة، خطف الأخطبوط “بول” الأضواء بعدما نجح في توقع نتائج معظم مباريات المنتخب الألماني، بالإضافة إلى توقعه فوز إسبانيا في النهائي، ليصبح أحد أشهر نجوم البطولة خارج المستطيل الأخضر.
و شهد المونديال العديد من المفاجآت، أبرزها خروج حامل اللقب منتخب إيطاليا من الدور الأول، إلى جانب منتخب فرنسا الذي عاش واحدة من أكثر مشاركاته فوضوية، إذ دخل الفرنسيون البطولة وسط أجواء مشحونة منذ التصفيات التي تأهلوا إليها بعد لمسة يد شهيرة من المهاجم تيري هنري أمام إيرلندا.
وتفاقمت الأزمة خلال النهائيات بعد خلاف حاد بين المهاجم الفرنسي نيكولا أنيلكا والمدرب رايموند دومينيك، أعقبه تمرد جماعي للاعبين وانسحابهم من التدريبات، لتتحول مشاركة “الديوك” إلى فضيحة رياضية مدوية.
ولعل من أبرز لحظات البطولة، تلك التي جمعت إنجلترا بألمانيا في ثمن النهائي، فقد تجاوزت تسديدة الإنجليزي فرانك لامبارد خط المرمى بوضوح قبل أن ترتد إلى الملعب، إلا أن الحكم رفض احتساب الهدف.
وتحولت تلك الواقعة إلى نقطة تحول تاريخية في اللعبة، إذ ساهمت لاحقا في اعتماد تكنولوجيا خط المرمى، ومهدت الطريق نحو استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد “الفار”.
على الجانب الآخر، كانت غانا قد اقتربت من كتابة التاريخ كأول منتخب إفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، لكنها اصطدمت بدراما لا تنسى أمام الأوروغواي في ربع النهائي، إذ في اللحظات الأخيرة من الوقت الإضافي، أبعد لويس سواريز الكرة بيده من على خط المرمى، ليحرم غانا من هدف محقق.
وحصل منتخب النجوم السوداء على ركلة جزاء مع طرد المهاجم الأوروغوياني، لكن تسديدة الغاني أسامواه جيان ارتدت من العارضة، قبل أن تحسم الأوروغواي التأهل بركلات الترجيح في واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارة للجدل.
المد الإسباني
رغم بدايتها المتعثرة بخسارة مفاجئة أمام سويسرا، سرعان ما استعادت إسبانيا توازنها وانطلقت في سلسلة من الانتصارات المتتالية قادتها إلى المجد العالمي. وبقيادة المدرب فيسنتي ديل بوسكي، قدم المنتخب الإسباني أفضل تجسيد لأسلوب “التيكي تاكا” القائم على الاستحواذ والتمريرات القصيرة السريعة، فارضا إيقاعه على أغلب منافسيه طوال البطولة.
وتوج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم عام 2010 لأول مرة في تاريخه بعد فوزه على هولندا بنتيجة 1-0 في المباراة النهائية التي أقيمت في 11 من يوليوز عام 2010 على ملعب “سوكر سيتي” في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا، وسجل هدف التتويج التاريخي نجم برشلونة السابق أندريس إنييستا في الدقيقة 116 من الشوط الإضافي الثاني.
وتألق في تلك المسيرة عدد من النجوم، أبرزهم تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا صاحب هدف التتويج بالإضافة إلى دافيد فيا وكارليس بويول وسيرجيو راموس والحارس إيكير كاسياس، الذين لعبوا دورا محوريا في قيادة منتخب لاروخا إلى أول نهائي عالمي في تاريخه.
كما نجح المدير الفني ديل بوسكي في الحفاظ على الانسجام داخل منظومة منتخب بلاده، متجاوزا تأثير المنافسة بين لاعبي برشلونة وريال مدريد، ليصنع منتخبا متماسكا جمع بين الموهبة والانضباط والثقة، ومهد الطريق نحو أول لقب عالمي في تاريخ الكرة الإسبانية.
هكذا فإن كأس العالم بجنوب إفريقيا سنة 2010، لم تكن مجرد بطولة انتهت بتتويج بطل جديد، بل شكلت لحظة فارقة في تاريخ كرة القدم، فقد أثبتت القارة السمراء قدرتها على تنظيم أكبر الأحداث الرياضية، وشهد العالم ولادة أول بطل أوروبي يتوج خارج القارة الأوروبية، كما رسخت البطولة أسماء وأحداثا ستظل تتردد على مسامع الباحثين في تاريخ المونديال، من الفوفوزيلا والأخطبوط بول إلى يد سواريز وصولا لهدف إنييستا الذي منح إسبانيا فرصة اعتلاء منصة التتويج لأول مرة في تاريخها.
*خديجة اسويس.. صحافية متدربة