story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

ملاحظات ومآخذ بشأن عدم دستورية القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

ص ص

عملت الأغلبية الحكومية وفي سابقة من نوعها على إقرار تشريع يهم تنظيم مهنة المحاماة وسط جدل ورفض للمحامين والمحاميات لهذا النص عبر ربوع الوطن، وهو التشريع الذي اضطرت معه هيئات المحامين بالمغرب إلى التوقف الشامل عن تقديم خدمات الدفاع لأجل غير مسمى.

ويعد هذا التوتر الناتج عن إقرار البرلمان بمجلسيه للقانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، أحد أبرز اللحظات التي عرفتها مهنة المحاماة بصفة خاصة والولوج لخدمات العدالة بصفة عامة عبر تاريخ الممارسة القضائية المغربية، نظرا لتأثير هذا التوتر الكبير على فئات واسعة من المجتمع، بقيت عرضت لمحاكمات بدون دفاع، بل لغياب المحاكمة والاقتصار على إرجاع المعتقلين للمؤسسات السجنية وتركهم رهن الاعتقال الاحتياطي.

ومحاولة لتخفيف ضغط هذه الوضعية غير السليمة، وفي اطار الإحالة الاختيارية قام رئيس مجلس النواب بإحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية للنظر في مدى دستورية المواد التي جاء بها وفي عدم مخالفتها للدستور.

وإذ كانت المحكمة الدستورية باعتبارها صاحبة للاختصاص للبت في مدى دستورية النص المعروض عليها، ولها أن تتلقى الملاحظات الكتابية من قبل الجهات الفاعلة في المسطرة التشريعية، فإن هذا لا يمنع من إسهام المجتمع من خلال النقاش العمومي المفتوح حول القضايا المعروضة على المحكمة الدستورية، يكون له بكل تأكيد أثره على طبيعة القرار المتخذ، وهو ما سبق للمحكمة الدستورية وأن أكدته خلال بتها في قانون المسطرة المدنية حينما أحيل عليها من قبل رئيس مجلس النواب في إطار الإحالة الاختيارية.

وإذا كان القانون المتعلق بمهنة المحاماة في ظاهره يبدو أنه تشريع يهم فئة مهنية محدودة، فإن الحقيقة تفيد عكس ذلك لارتباطه الواسع بفكرة المحاكمة العادلة، والحق في الدفاع، والولوج الآمن والمتيسر للعدالة، بل هو في كنهه يمثل نص تشريعيا يحدد قواعد التوازن بين السلطة والحرية.

وفي سياق هذه المناقشة الدستورية والقانونية لا يعني إلا أن أسهم ببعض الملاحظات التي في اعتقادي لها أن تشكل مآخذا تمس بعدد من القواعد الدستورية الجوهرية والتي تجعل من هذا النص مشوب بعدم الدستورية وذلك وفق الآتي بيانه:

  • في شأن خرق مقتضيات جوهرية تتعلق بمسطرة المصادقة على مشروع القانون قبل إحالته على البرلمان، وهو الخرق الواضح لمقتضيات الفصل 92 من الدستور، ولمقتضيات القانون التنظيمي رقم 65.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة.

حيث ينص الفصل 92 من الدستور على أنه «يتداول مجلس الحكومة، تحت رئاسة رئيس الحكومة، في القضايا والنصوص التالية: […] مشاريع القوانين، ومن بينها مشروع قانون المالية، قبل إيداعها بمكتب مجلس النواب، دون إخلال بالمقتضيات المنصوص عليها في الفصل 49 من هذا الدستور […]»

ويُستفاد من هذا الفصل أن المداولة ترد على النص المزمع إيداعه، وأنها سابقة على الإيداع وشرط له، فهي إذن شكلية جوهرية بها ينتقل النص من مسودة إلى مشروع قانونٍ للحكومة ودون هذا العرض والتداول لا تكتسب هذه المسودة صفة «مشروع قانون» بالمعنى الدستوري، ولا تحوز شرعيتها الدستورية الكاملة لتكون جاهزة للإحالة على البرلمان وتستكمل مسطرة التشريع..

وبالعودة إلى المسار السابق لإحالة هذا النص على مجلس النواب سيعاين السادة أعضاء المحكمة الدستورية المحترمين أنه وطبقا للفقرة الثانية من المادة السادسة عشر من القانون التنظيمي رقم 65.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، صدر بتاريخ 08 يناير 2026 بلاغ عن رئاسة الحكومة تخبر من خلاله الحكومة الرأي العام أنه بتاريخ 08 يناير 2026 وتحت رئاسة السيد عزيز أخنوش انعقد مجلسا حكوميا خصص للتداول في عدد من مشاريع النصوص القانونية.. وذلك طبقا للفصل 92 من الدستور، ومن بين ما جاء في بلاغ المجلس الحكومي، “في البداية، تداول المجلس الحكومي وصادق على مشروع القانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، أخذا بعين الاعتبار مجموعة من الملاحظات المثارة، قدمه السيد وزير العدل”

وبعد مرور شهر ودون إحالة النص الذي تداول بشأنه المجلس الحكومي، آخذا بعين الاعتبار الملاحظات المثار يوم 08 يناير 2026 من قبل أعضاء الحكومة. صدر بتاريخ 11 فبراير 2026 بلاغ عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب، يفيد أن السيد رئيس الحكومة استقبل السيد رئيس الجمعية وأخبره بمبادرته المتعلقة بإحداث لجنة تحت اشرافه على مستوى رئاسة الحكومة، تشتغل بشكل مشترك مع جمعية هيئات المحامين من أجل فتح نقاش مسؤول جاد، وتشاركي بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة، ليعلن كذلك قرار السيد رئيس الحكومة بعدم إحالة مشروع القانون رقم 66.23 على مجلس النواب إلى حين إتمام اللجنة المشتركة لمهامها وهي اللجنة المحدثة من قبل رئيس الحكومة.

وبتاريخ 13 فبراير 2026 عقدت اللجنة المشتركة بين رئاسة الحكومة وجمعية هيئات المحامين اجتماعها الأول من أجل الاتفاق على منهجية الاشتغال وعلى المحاور موضوع تعديل مشروع القانون 66.23، وهي اللجنة التي أنهت أعمالها وأدخلت عدد من التعديلات على النص الذي سبق عرضه على المجلس الحكومي بتاريخ 08 يناير 2026.

وبتاريخ 09 أبريل [1]2026 أعلن السيد رئيس الحكومة أنه استقبل وفدا عن جمعيات هيئات المحامين للاطلاع على مستجدات الحوار حول قانون مهنة المحاماة، وأنه ‏خلال هذا اللقاء تم تقديم أهم المستجدات التي طرأت على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق ‏بتنظيم مهنة المحاماة، أخذا بعين الاعتبار لمجموعة من المطالب التي تقدمت ‏بها الجمعية.

ليقوم بعد ذلك السيد رئيس الحكومة بتاريخ 09 أبريل 2026 بإحالة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة على مجلس النواب، دون عرضه من جديد على أنظار المجلس الحكومي والتداول بشأنه.

وبناء على ما تقدم يلاحظ أن مسطرة المصادقة على المشروع عرفت إخلالا جوهريا من قبل السيد رئيس الحكومة، حيث أنه قام بإحالة نص جديد لم يسبق للمجلس الحكومي أن اطلع عليه أو تداول بشأنه[2].

وحيث أن المحكمة الدستورية لا يقتصر عملها على المراقبة المضمونية، بقدر ما ينصرف عملها كذلك لمراقبة سلامة الإجراءات والقواعد الجوهرية المتبعة لإقرار النص وفق ما هو منصوص عليه دستوريا، وهو ما يجعلها مختصة بفرض رقابتها على الأعمال الداخلية للحكومة، فضلا على كون تداول المجلس الحكومي بشأن مشاريع القوانين لا يعد من عملًا داخليًا، بل شرطًا دستوريًا صريحًا للإيداع.

وبالرجوع لعمل المحكمة الدستورية يتأكد هذا النهج من خلال قرارها عدد 207/2023 الصادر بشأن القانون التنظيمي عدد 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون والتي قضت من خلاله “بأن الإجراءات المتبعة لإقرار القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، غير مطابقة للدستور” لعلة إحالته على مجلس النواب قبل استكمال أمر التداول في المشروع من قبل المجلس الوزاري.

وبناء على كل ما تقدم بشأن هذا المأخذ، وعلى اعتبار أن الفحص الدستوري يقتضي أولا النظر في القواعد المسطرية الجوهرية والتي من ضمنها سلامة الإجراءات، فإن من بين أهم ما يجب الانتباه إليه من قبل المحكمة الدستورية خرق الحكومة لمسطرة التداول بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة وإحالته على البرلمان في صيغة جديدة دون عرضه على المجلس الحكومي، مما يقتضي من المحكمة الدستورية ترتيب الآثار القانونية على هذا الخرق، والتصريح بعدم مطابقة الإجراءات المتبعة لإقرار القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور.

  • في شأن المس بحصانة الدفاع واستقلال المحامي.

1ـ المادة 78.

نصت المادة 78 من القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المحاماة على أنه «للمحامي أن يسلك الطريقة التي يراها ناجعة للدفاع عن موكله في احترام للنصوص القانونية الجاري بها العمل وقواعد وأخلاقيات المهنة. لا يسأل المحامي عما يرد في مرافعاته الشفوية أو في مذكراته مما يستلزمه الحق في الدفاع. لا يمكن اعتقال المحامي بسبب ما قد ينسب له من أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته لمهام مهنته. تحرر المحكمة محضرا مستقلا يتضمن بيانا مفصلا بما قد يصدر من المحامي أثناء الجلسة من سب أو قذف أو إهانة أو أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار أشغالها، وتحيله إلى النقيب وإلى الوكيل العام للملك المختصين لاتخاذ المتعين قانونا […] إذا لم يتخذ النقيب أي قرار داخل الأجل المحدد […] أحال الوكيل العام للملك المختص القضية إلى غرفة المشورة للبت فيها.»

وحيث أن الدستور نص من خلال فصوله ولاسيما 23، 117، 118، 119، 120 على الحق في المحاكمة العادلة وعلى الحق في الدفاع، وهي القواعد الدستورية المؤيدة بمقتضى المواثيق والاتفاقيات التي صادق عليها المغرب والتي من ضمنها الإعلان العالمي للحقوق المدنية والسياسية.

وحيث أن الكتلة الدستورية أقرت عدد من القواعد والمبادئ الدستورية التي تلزم الجميع بضرورة توفير شروط المحاكمة العادلة والتي من بين أهم عناصرها وجود منظومة دفاع تتمتع بالاستقلال والحصانة الكافية للقيام بمهام الدفاع.

وحيث أن من ضمن مداخل تحقيق حصانة الدفاع أن يمارس المحامي مهام الدفاع دون أي تأثير مادي أو معنوي ولا يكون ملزم بأي قيد أو شرط من شأنه أن يخل التوازن بين أطراف المحاكمة الجنائية أو الدعوى المدنية.

وحيث أن المادة 78 قد أحدثت آلة للمتابعة في مواجهة المحام من خلال الفقرة الرابعة التي أعطت الامكانية للمحكمة التي يترافع أمامها بتحرير محضر مستقل بما «قد يصدر» عن المحامي، بما في ذلك «أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار أشغالها» وهي عبارة فضفاضة وعامة والتي تحتمل أي تأويل واسع وقد تكون محط تفسيرات مختلفة، من ضمنها اعتبار رئيس الجلسة أو هيئة الحكم إصرار المحامي على إثارة دفع شكلي معين أو طلبه تسجيل ملاحظة في المحضر نوع من أنواع تعطيل الجلسة، في حين أن الأمر قد يدخل ضمن واجب المحام في الدفاع، ومن شأن هذه الوضعية أن تحد من قيام المحام بأدواره في الدفاع وبالتبع تأثر على حق الموكل في الدفاع وفي المحاكمة العادلة التي سيختل أحد شروطها.

وحيث أن شرط التوازن في المحاكمة الجنائية يقتضى أن يتقيد أطرافها وهم المتهم من جهة، والنيابة العامة من جهة أخرى باعتبارها جهة ادعاء بنفس الحقوق والواجبات لضمان المحاكمة العادلة.

وحيث أن استهداف الدفاع خلال أطوار المحاكمة الجنائية وغله عن القيام بما تقتضيه عملية الدفاع عن موكله في مواجهة الادعاء ومن أجل تنوير العدالة ومساعدتها على بلوغ الحقيقية ومقابل ذلك عدم فرض نفس القيود على جهة الادعاء، بل إطلاق يدها من خلال ما نص عليه القانون أو نصوص أخرى، من شأنه أن يحدث حالة عدم توازن ويمس بقواعد دستورية جوهرية، ويجعل المحامي في وضع “حصانة منقوصة” أو أنه في وضع اتهام مستمر وعرضة للمتابعة بمناسبة مزاولته لمهام الدفاع، في الوقت الذي يجب أن يضمن له القانون الظروف والشروط الذي تخوله القيام بمهامه دون أي تأثير بغض النظر عن مصدره ونوعه، حتى وإن تعلق الأمر بهيئة الحكم، أو جهة الادعاء.

وبناء على ما تقدم ومن أجل حصانة الدفاع وفقا لما اقتضاه الدستور، فإن عبارة «أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار أشغالها» الواردة بالمادة 78 من القانون المذكور، قد تكون مشوبة بعدم الدستورية وهو ما يفترض التصريح بعدم دستوريتها.

2ـ المادة 79:

نصت المادة 79 على أنه «[…] إذا لم يحضر النقيب أو من انتدبه رغم الإشعار، أمكن الاستماع للمحامي المذكور دون حضور النقيب أو من انتدبه. لا يجرى أي بحث مع المحامي أو تفتيش لمكتبه من أجل جناية أو جنحة لها صلة بالمهنة وارتكبت أثناء مزاولته لها، إلا من طرف النيابة العامة أو من طرف قاضي التحقيق أو قاض آخر ينتدبه […] لا يمكن للأبحاث والإجراءات أعلاه أن تمس في أي حال من الأحوال، بسرية المحادثات والمراسلات بين الموكل والمحامي.»

يعتبر مكتب المحامي الفضاء الخاص الذي يتجاوز حق المحامي إلى حقوق الأغيار من الموكلين اللذين ينوب عنهم ويتضمن كافة معطياتهم، وإذا كان المشرع قد اكد ضمانة حضور السيد النقيب أو من ينتدبه خلال الاستماع للمحامي، فإن عملية تفتيش مكتب المحامي من قبل النيابة العامة أو قاضي التحقيق (مع استحضار أن جهات الادعاء تكون في مواجهة دائمة مع المحامي أثناء قيامه بمهامه في النيابة عن الأطراف )، لا تقيد بأي ضمانة تشريعية من شأنها أن تضمن عدم المس بحقوق الأغيار وتؤكد ضرورة حضور النقيب أو من ينتدبه لعملية التفتيش، مما يجعل من هذه المادة في صيغتها الحالية قد تكون مشوبة بعدم الدستورية، ويعتريها قصور تشريعي، مس بحصانة المحامي.

  • في شأن إسناد اختصاص لجهة حدد الدستور اختصاصاتها على سبيل الحصر.

نصت المادة 76 من القانون 66.23 المتعلق بتنظيم هنة المحاماة على أنه “تُخضِع «حساب ودائع وأداءات المحامين» لـرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وتُسنِد إلى قرار لوزير العدل تحديدَ مضمون الحساب السنوي ونماذج الوثائق و«كيفيات حفظ هذه الوثائق»”.

وينص الفصل 147 من الدستور على أن ” المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله. يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية. يتولى المجلس الأعلى للحسابات ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية. ويتحقق من سلامة العمليات، المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة. تُناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية.

وبتفحص نص الفصل 147 من الدستور الذي نص على سبيل الحصر على اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات يلاحظ أن المشرع الدستوري حصر دوره في الرقابة على المالية العمومية، وأضاف إلى ذلك تتبع عملية التصريح بالممتلكات لاقترانها بالمال العام من خلال طبيعة المعنين بها التصريح.

وكما هو معلوم فإن صندوق الودائع يحتوي على الودائع المتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية والتي تعود للأشخاص باعتبارهم أطراف في الخصومة القضائية بغض النظر عن تعلق الأمر بشخص طبيعي أو اعتباري، وهي الوديعة التي تنقسم إلى جزئين الأول يتم صرفه إلى الموكل بعد القيام بإجراءات تصفية الوديعة، وجزء ثاني يصرف للمحامي بمثابة أتعاب عن مهام النيابة أو الدفاع.

وهذه الأموال تخضع لرقابة مجلس هيئة المحامين، كما لها أن تكون محط تشكي أو طعن من قبل كل ذي مصلحة تعرض لضرر، وفقا للقوانين الجاري بها العمل.

وهو ما يجعل من خصوصية المال المودع بحساب الودائع لا يتصف بصفة العمومية، بل هو مال خاص في حوزة شخص اعتباري خاص، ويتم صرفه عن طريق جهة حددها القانون والتي لا تملك التصرف فيه إلا في حدود إحالة جزء على الموكل، وجزء ثاني على المحامي.

وعلى اعتبار أن الدستور قد أقر اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات فتوسيعُ اختصاص هذا الأخير بمقتضى قانون عادي ليشمل أموالًا خاصة يشكل تجاوز صريح لما نص عليه الدستور.

ومن جهة أخرى وبالرجوع لاختصاصات المحاكم المالية يلاحظ أن من ضمنها متابعة الأشخاص بمناسبة الأفعال المرتكبة والمخالفة للقانون خلال تدبيرهم للأموال العمومية، وهي المتابعات التي تكون في صورة المخالفات التأديبية وكذا الجنائية عبر الإحالة على القضاء.

وحيث أن الأشخاص يؤازرهم محام ما يجعل من فرض رقابة على هيئات المحامين من قبل جهة ادعاء ومتابعة يطرح اشكالا حول التأثير المعنوي لهذه الرقابة على عمل المحامي.

وبناء على كل ما تقدم، ونظرا لكون الأموال المودعة بحساب الودائع أموالا خاصة، ولا تتصف بالعمومية، وعلى كون المجلس الأعلى للحسابات مختص دستوريا بالرقابة فقط على الأموال العمومية ما يجعل من المادة المشار إليها مشوبة بعدم الدستورية.

  • في شأن الاخلال بقواعد التنظيم الذاتي والتدبير الحر لمهنة المحاماة

نصت المواد 131 و132، بالإضافة إلى مواد أخرى، على شروط الترشح لعضوية مجالس الهيئات، طريقة الانتخاب وتوزيع المقاعد…، وغيرها من القواعد.

وإذا كان من بين الاختصاصات المسندة للمشرع تحديد شروط الولوج للمهنة وكيفيات تدبير المهنة، وله من السلطة التقديرية ليكون في وضعية اختيار واحد من الاختيارات التشريعية المعروضة عليه، فإن هذه السلطة تبقى مقيدة بعدم المس بعدد من المبادئ والقواعد الدستورية التي من شأنها أن تضمن استقلال المهنة وتدبيرها بشكل حر ومستقل لشؤونها، ومن شأنها أن تكرس المساواة بين الجميع في الولوج للأجهزة المدبرة للمهنة.

وبالرجوع إلى القواعد الواردة في هذا الباب يلاحظ أنها تضمنت عدد من الشروط الماسة بالتدبير الذاتي والحر للمهنة والماسة بمبدأ المساواة بين الجميع وحرية الانتخاب، لاسيما حينما جعلت من صفة نقيب شرطا مانعا للترشح لعضوية المجلس رغم عدم تحقق شرط عدد الولايات والمحدد في ولايتين كحد أقصى، مما تكون معه هذه المواد مشوبة بعدم الدستورية لخرقها الجوهري لقاعدة المساواة وتكافؤ الفرص وحرية الانتخاب.

  • في شأن التدخل الواسع للنيابة العامة في شؤون المهنة

بقراءة عدد من المواد التي جاء بها القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، ستعاين المحكمة الدستورية أن منح النيابة العامة صلاحيات واسعة للطعن في الأنظمة الداخلية أو القرارات المهنية يثير عدد من الإشكالات حول حدود الرقابة على الهيئات وحدود تدخل النيابة العامة في تدبير مهنة المحاماة آخذا بعين الاعتبار تأثير ذلك على استقلال مهنة المحاماة، وهو الأمر الذي من شأنه كذلك أن يفضي إلى إفراغ مبدأ التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة من قيمته الأساسية.

هذه المآخذ وأخرى يمكن اثارتها من قبل كل المهتمين والمتابعين لهذا النص القانوني، ونصوص أخرى تطرح إشكالا حقيقيا حول الآمن القانوني واستقرار النصوص القانونية واحترام كل الفاعلين خلال مسطرة إقراراها للدستور والقانون.


[1] تجدر الإشارة إلى أن جميع هذه الوثائق مثبتة بمقتضى البلاغات والقصاصات الاعلامية الصادرة عن رئاسة الحكومة وكذا البلاغات الصادرة عن مكتب جمعية هيئات المحامين.

[2] برجوع المحكمة الدستورية ـ بما لها من سلطة للاطلاع ـ إلى النص المعروض على المجلس الحكومي بتاريخ 08 يناير 2026، والنص المحال على مجلس النواب بتاريخ 09 أبريل 2026 ستعاين أن الأمر يتعلق بفروق جوهرية تجعل من النص المحال نصا جديدا لم يسبق وأن تداول بشأنه المجلس الحكومي

  • د. رضا بوكمازي
  • محامي بهيئة المحامين بآسفي