محمد وهبي.. “المعلم الأول” الذي أصبح مدربا للمنتخب المغربي
عندما انهزم المنتخب الوطني المغربي للشباب في نهائي كأس إفريقيا للأمم بمصر عام 2025، أمام جنوب إفريقيا، كان محمد وهبي في مرمى انتقادات كثيرة طالته في المغرب من طرف الجمهور ووسائل الإعلام، وصلت إلى حد القسوة عليه في اتهامه بإضاعة لقب قاري أمام خصم كان في المتناول.
وهبي بشخصيته البراغماتية الهادئة، التزم الصمت واستعان بتجديد الثقة فيه من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ليغلق على نفسه ويأخذ كل الإنتقادات التي طالته على محمل الجد، واشتغل انطلاقا من تجربته كمكون في المستوى العالي لكرة القدم على الموضوعي منها معترفا بخطأ بعض اختياراته البشرية والتكتيكية.
خمسة أشهر بعدها أكد المدرب محمد وهبي في كأس العالم للشباب بالشيلي، ما يقوله المقربون منه، أن الرجل “راسو صغير”، وسر نجاحه هي قدرته على استيعاب النصائح والإستفادة من أخطائه، وتقبل الإنتقادات التي تنبهه لأي خلل في عمله، وخرج بمنتخب مستعد جيدا لكي ينازل كبار العالم في فئة الشباب، ويدبر المونديال بأعلى درجات الذكاء التكتيكي وبطريقة المدربين الكبار في كسب المباريات الحارقة.
عودته من العاصمة الشيلية سانتياغو رفقة أشباله بلقب كأس العالم، والإحتفاء العارم الذي لقيه من المغاربة، لم ينل من تواضع محمد وهبي وبساطته وهو يتحدث عن ضرورة المزيد من العمل العميق لتحقيق أهداف هذا الجيل الذهبي الذي يدربه، هو رجل الظل في الأكاديميات الذي يؤمن بأن أي نجاح في كرة القدم المعاصرة لابد له إن ينطلق من القاعدة، واستمراره رهين بالإشتغال على المدى البعيد.
الإزدياد والنشأة في بلجيكا
ولد محمد وهبي في 7 شتنبر عام 1976 في منطقة سكاربيك، بضواحي بروكسيل، ونشأ بعيدًا عن الأضواء. وهو إبن لأسرة مغربية هاجرت في سبعينيات القرن الماضي من منطقة الريف واستقرت بالعاصمة البلجيكية، تابع دراسته في ثانوية “إميل ماكس” قبل أن يختار في سن الثامنة عشر أن يلبي عشقه لعوالم التربية والتأطير، فاشتغل معلما في مدرسة “شارل بولس” الإبتدائية.
وفي سن الحادية والعشرين، بدأ مشواره مع نادي ماكابي فوت بروكسيل، وهو نادٍ صغير اكتشف فيه قوة العمل التربوي الرياضي، وأهمية التواصل مع الناشئة.
يقول محمد وهبي عن هذه الخطوة المهمة في مشواره: «ساعدني ماكابي فوت بروكسل على إثبات ذاتي، وعلى التحدث أمام مجموعة، وعلى فهم أن المدرب يُكوِّن الإنسان أولًا قبل اللاعب».
أندرلخت.. الإنتقال الناجح
قاده هذا المسار، في نهاية تسعينيات القرن الماضي، إلى الالتحاق بمركز نيربيدا، مركز التكوين التابع لنادي سبورتينغ أندرلخت. وهناك بدأت مغامرة دامت 17 عامًا داخل أكثر الأندية تتويجًا في بلجيكا.
ومن 2003 إلى 2020، تولى “مو” – كما يناديه الجميع – تدريب فئات أقل من 9 سنوات، ثم أقل من 17 سنة، ثم أقل من 21 سنة.
وتألقت الفئات التي يشرف عليها أوروبيًا، إذ بلغ نهائي المربع الذهبي لدوري أبطال أوروبا للشباب عام 2015، وأشرف على مواهب واعدة مثل البلجيكيين عدنان يانوزاي، يوري تيليمانس، جيريمي دوكو، لياندر ديندونكر وشارلي موسوندا جونيور، إضافة إلى بلال الخنوس. وأصبحت أكاديمية أندرلخت بمثابة بيته الثاني.
ويشهد أحد المسؤولين السابقين في الخلية الاجتماعية للنادي قائلاً: «وهبي من أكثر المدربين قدرة على التواصل مع الشباب، يفهمهم حيث هم ليقودهم إلى حيث يريد». وقد اعترف نادي أندرلخت به في الكثير من المحطات كمكوِّن استثنائي يجمع بين الصرامة في العمل والإنسانية في التعامل مع فئات ذات خصوصيات نفسية حساسة.
من أندرلخت إلى المشروع المغربي
حاملًا لشهادة “ويفا پرو”، وهي أعلى شهادة تدريبية في الإتحاد الأوربي لكرة القدم، غادر وهبي أندرلخت عام 2020 لخوض تجربة في المملكة العربية السعودية، حيث عمل مساعدًا ليانيك فيريرا في نادي الفتح.
وبعد عامين، استدعته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم للإشراف على منتخب أقل من 20 سنة. وكان التحدي أمامه كبيرًا، تجلى في إعادة بناء جيل جديد وتوحيد لاعبين قادمين من أكاديميات أوروبية ومغربية.
كانت بدايته متعثرة حيث فشل في التأهل إلى كأس إفريقيا للأمم 2023، غير أن مخططه وطريقة عمله أقنعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن النتائج ستأتي فيما بعد، فتم الإبقاء عليه في منصبه ومنحه كل الثقة من أجل تحقيق أهدافه.
وفي السنة التالية، قاد أشبال الأطلس إلى نهائي كأس أمم إفريقيا لأقل من 20 سنة في مصر، حيث خسروا بصعوبة 1-0 أمام جنوب إفريقيا، لكنهم ضمنوا في المقابل التأهل إلى كأس العالم 2025 في الشيلي.
لقب المونديال التاريخي
هناك في العاصمة سانتياغو حقق محمد وهبي مع أشباله ما كانوا يخططون له منذ أربع سنوات، فكان أن تصدروا «مجموعة الموت» التي ضمت البرازيل وإسبانيا والمكسيك، وأزاحوا المنتخب القوي للولايات المتحدة الأمريكية ب3-1، ثم أقصوا منتخب فرنسا في نصف النهائي بضربات الترجيح، بعد مباراة صنعوا فيها كل الإبهار التكتيكي والذهني والبدني.
وكانت المباراة النهائية مناسبة لكي يؤكد المدرب محمد وهبي أن التخطيط الطويل والعمل العميق على تدارك الأخطاء وإصلاح النقائص لابد أن يثمر نجاحا مبهرا مثل الفوز بلقب كأس العالم.. محمد وهبي بتواضع المربي الخبير نسب النجاح للاعبيه أكثر مما نسبه لنفسه، و قال متأثرًا بعد التتويج: «كنا نعلم أن الأمر سيكون صعبًا، لكن اللاعبين أظهروا أن وصولهم للنهائي لم يكن ضربة حظ، هو جيل رائع يستحق ما وصل إليه».
منهجية الانضباط والتواضع
محمد وهبي يرتكز نجاحه على ثلاثية واضحة، وهي الانضباط التكتيكي، والإعداد الذهني، والروح القتالية. حيث يفرض على لاعبيه ضوابط صارمة للالتزام بالمواعيد، واحترام المجموعة، والأولوية لروح الفريق، وتتميز المجموعات التي يدربها دائما بأسلوب اللعب الذكي الذي يقوم على التحكم في المساحات والانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم.
بل وأكثر من ذلك، يختزن وهبي جانبا قياديا مهما في شخصيته. بحيث صرح لموقع الفيفا قائلاً: “كلمة المغرب هي مفتاح النجاح. لاعبونا يقاتلون من أجل بلدهم، وشعبهم، وملكهم”. ويرى في هذا الحماس امتداداً لروح مونديال قطر 2022 التي وضعها سلفه وليد الركراكي، ويقول : “لقد كسر وليد سقفاً زجاجياً، وأثبت لنا أن المدرب المغربي قادر على تحقيق الأهداف التي تبدو في غاية الصعوبة”.
على مقاعد البدلاء يترك محمد وهبي دائما أثرا لرؤيته التكتيكية الواضحة، ولتواضعه الذي يجد له صدى في احترام اللاعبين له، بالنسبة له، ف”تكوين لاعب يعني أولاً تكوين مواطن” كما صرح في حوار مع صحيفة “لوسوار” البلجيكية.
إن التزامه يتجاوز المستطيل الأخضر، فبصفته سفيراً لمنظمة “كرامة للتضامن” يشارك في حملات تبرع لضحايا البتر من الفلسطينيين في غزة. وهذا الجانب الإنساني ينقله إلى لاعبيه قائلاً: “قيم العيش المشترك والاحترام التي نظهرها في الملعب هي قيم المغرب”.
مدرب المنتخب المغربي الأول
في سن الخمسين، يضع محمد وهبي نفسه ضمن قائمة المدربين المغاربة الذين تركوا بصمتهم في تاريخ كرة القدم الوطنية. فهو يجسد اليوم النجاح الهادئ للعمل على المدى الطويل.
مسار إبن المدرسة البلجيكية العريقة، وإنجازه التاريخي رفقة المنتخب الوطني المغربي للشباب في كأس العالم بالشيلي، أدخله في دائرة الأسماء المرشحة لخلافة وليد الركراكي في منصب مدرب المنتخب الأول.
والإختيار الذي وقع عليه يجد تفسيرا له في كونه رجل المرحلة التي تقتضي انتقالا سلسا بين الجيل الذي صنع ملحمة مونديال قطر، وبين الجيل الذي صنع “معجزة” مونديال الشيلي، والتطلع إلى أمد كروي أقصاه كأس العالم 2030 بالمغرب.. وهو التخطيط على المدى البعيد الذي يفضل محمد وهبي الإشتغال عليه.
مميزات أخرى رجحت كفته، وهو جانبه التواصلي الجيد الذي يتحدث فيه بأربع لغات بطلاقة (الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية)، ثم المعطى الأهم الذي يناسب واقع المنتخب الوطني ولاعبيه القادمين من بيئات اجتماعية مختلفة، ويتمثل في كونه يجمع بين العقلية الأوربية بحكم ولادته ونشأته في بلجيكا، وأيضا بين العقلية الريفية المغربية بحكم الأسرة والجذور والإشتغال في المغرب.