“ليس سوقا للبيض”.. لحلو: سوق المحروقات احتكاري ولا يقبل المنافسة لكنه يحتاج المراقبة – حوار
في خضم تقلبات حادة تعرفها أسعار المحروقات في السوق الدولية بسبب تداعيات الحرب الأمريكية/الإسرائيلية ضد إيران، يجد المستهلك المغربي نفسه أمام أسعار مرتفعة تُثقل كاهله، وتفتح نقاشاً أعمق من مجرد انعكاسات ظرفية على القدرة الشرائية، ليمس جوهر بنية سوق، تقول الحكومة إنه «خاضع لقواعد المنافسة» بعد عملية التحرير سنة 2015
وعلى عكس الرواية الحكومية، يشير خبراء ومختصون إلى أن تحرير الأسعار وتوقف «لاسامير» أدى إلى اختلالات بنيوية عميقة في سوق لا يقبل المنافسة باعتباره مجالا استراتيجيا معقداً يرتبط بالدورة الاقتصادية ككل، وبالحياة الاجتماعية.
وضمن هذا الإطار، أجرت صحيفة “صوت المغرب” حواراً مع الخبير الاقتصادي والأكاديمي، المهدي لحلو، الذي أكد على ضرورة تدخل الدولة لتنظيم سوق المحروقات، معتبراً أن هذا الأخير “سوق احتكاري” لا يُشبه سوق الخضر أو السيارات حتى يخضع لقواعد المنافسة.
وفيما يلي نص الحوار:
- هل ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب هو نتيجة لتقلبات السوق الدولية بسبب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط فقط أم هو أيضا انعكاس لاختلالات بنيوية في السوق المغربية؟
بالفعل تقلبات الأسواق الدولية، بعد الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، مؤثرة، لكن هناك ثلاث نقاط بارزة مرتبطة بالزيادات في المغرب:
النقطة الأولى هي السرعة في تطبيق الزيادات على مستوى محطات المحروقات، وهذا يعني غياب المراقبة؛ لأنه كان يُفترض ألا يصل الغلاء (الزيادة) إلى جيوب المواطنين إلا بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، وليس بمجرد اندلاع الحرب في الخليج وإغلاق مضيق “هرمز” يرتفع الثمن في محطات الدار البيضاء والرباط ومدن أخرى.
والنقطة الثانية المرتبطة بارتفاع الأسعار، هي غياب المخزون الاستراتيجي، والوزارة الوصية لا تتحدث ولا تعالج هذه المسألة. ومعنى هذا أن المغاربة يواجهون الزيادات في ظل وقوع أي طارئ دولي بسبب إشكالية التخزين.
أما النقطة الثالثة، فهي غياب “لاسامير”؛ لأن هذه المؤسسة كانت تستقبل البترول الخام ثم تقوم بعملية تكريره؛ أي تحويله إلى منتجات قابلة للاستخدام مثل البنزين والغازوال.. إضافة إلى أن المؤسسة كانت تتوفر على إمكانية تخزين ما بين مليون ونصف ومليوني متر مكعب من المنتجات البترولية.
وبما أن وضعية “لاسامير” غير معروفة حالياً أو الدولة تخلت عنها تقريباً؛ فهذا يعني أنها تخلت عن عنصر أساسي يُخوّلها التحكم في مخزون وثمن المحروقات بالمغرب.
- هل هذا يعني أن إعادة تشغيل “لاسامير” قد يكون حلا لمواجهة ارتفاع الأسعار؟
لو كانت هذه المؤسسة موجودة، فإنّ المغاربة سيستهلكون في الوقت الحالي المواد البترولية التي تم اقتناؤها في السوق الدولية ووصلت إلى المحمدية قبل شهرين أو ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران.
كما أن سعة تخزين المؤسسة، ستُساهم في توفير مخزون استراتيجي يحد من التطبيق الأوتوماتيكي للزيادات في سعر المحرقات بالمحطات.
والمثير هنا، أننا عشنا التجربة ذاتها إبان اندلاع الحرب الروسية/الأوكرانية سنة 2022.. والآن؛ يُمكننا قول إن اندلاع الحرب يعني رفع الأسعار بعد ساعتين في المدن المغربية.
لقد لاحظ الجميع أن الحرب بدأت في الخليج يوم السبت 28 فبراير 2026، وفي يوم الإثنين والثلاثاء، 2 و3 مارس 2026، ارتفع الثمن في الزيادة الأولى بحوالي درهمين؛ أي حوالي 20 في المائة، مع العلم أن ارتفاع السعر في السوق الدولية لم يكن يتجاوز آنذاك 5 في المائة ثم 10 في المائة.
وعموماً، إن من يتحكم في سوق المحروقات اليوم بالمغرب هم الموزعون، وأبرزهم عزيز أخنوش بصفته مالكاً لإحدى أكبر الشركات المشتغلة في القطاع، والذي يرأس أيضاً حكومة المغاربة.
- بالعودة لقرار تحرير سوق المحروقات؛ كيف أثر على الدورة الاقتصادية في المغرب؟
إن زيادة حوالي 20 في المئة؛ أي تسجيل ارتفاع من 10.80 إلى 12.80 درهم في ثمن “المازوط” بمدينة الدار البيضاء، يعني الزيادة في ثمن النقل وبالتالي الزيادة في ثمن السلع المنقولة.
وببساطة إن الزيادة في ثمن المحروقات يقود إلى ارتفاع كلفة الإنتاج؛ كلما ارتفعت الكلفة ترتفع أثمنة مختلف السلع الاستهلاكية.. ولقد رأينا كيف ارتفعت الأسعار خلال اندلاع الحرب الروسية/الأوكرانية في فبراير 2022.
والفرق الوحيد الذي يمكن تسجيله حالياً بالمقارنة مع سنة 2022، هو أن العرض الفلاحي سيتحسن نظراً للتساقطات المطرية المسجلة على عكس ما كان عليه الوضع آنذاك الذي اتسم بالجفاف وقلة العرض الفلاحي، وبالتالي فإن تأثير ارتفاع ثمن المحروقات على المواد الغذائية قد يكون أضعف مما كان عليه الحال سنة 2022.
- هناك حديث متكرر عن ضعف المنافسة بين الفاعلين في سوق المحروقات؛ هل إذا توفرت شروط المنافسة الحقيقية يمكن أن تنخفض الأسعار على مستوى الواقع؟
لا وجود للمنافسة، لا وجود للمنافسة.. لدينا ثلاث شركات كبرى، في المغرب، تتحكم في استيراد المحروقات المصفاة من “روتردام”، من ضمنها شركة أخنوش (إفريقيا). ثم إن المنافسة في سوق المحروقات ليست سهلة؛ إذ يصعب أن تخضع للتنافسية، فهناك من يقتني البترول المصفى من البرتغال، وهناك من يقتنيه من اليونان.. وعدد المستوردين للمحروقات إلى المغرب محدود، وكذلك إمكانيتهم محدودة.
إن الخطأ الذي وقع في هذا المجال، هو إقدام رئيس الحكومة الأسبق، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، سنة 2015، على التخلي عن صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات، إضافة إلى التخلي عن “سامير”، وهو ما مكّن الشركات الكبرى من السيطرة على السوق…
- لكن ماذا إذا توفّرت شروط المنافسة؟
لا وجود لشروط المنافسة.. لا وجود لتوفر شروط المنافسة.. لا يُمكن.. نحتاج إلى المراقبة؛ لأن هذا سوق احتكاري، وليس سوق المنافسة.
إن سوق المحروقات ليس بسيطا؛ إننا لسنا أمام اقتناء البيض أو البطاطس أو السيارات قصد بيعه في السوق.. هذا سوق احتكاري، وحينما نكون أمام سوق احتكاري في قطاع استراتيجي مثل قطاع المحروقات، لا بد من مراقبة الدولة. بمعنى آخر حينما تغيب مراقبة الدولة، يقع ما نعيشه اليوم في المغرب…
- بناء على هذا هل ترى ضرورة تدخل السلطات لتنظيم القطاع؟
معلوم.. لا بد من تدخل سلطة الدولة للمراقبة. فعلى سبيل المثال، نجد في إسبانيا أن الحكومة أعلنت، عقب الزيادة في ثمن المحروقات في الأسواق الدولية بعد الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، أن السوق الداخلية لن تتأثر على المدى القصير.
ونحن في المغرب، بما أن المستوردين يتحكمون في السوق، فإنهم يحدّدون الثمن الذي يريدونه. وهذا هو الذي يقع الآن.
- ما هي الخيارات الواقعية المتاحة والمجدية أمام الحكومة اليوم من أجل التدخل؟ هل الدعم المباشر وتسقيف للأسعار أم مراجعة شاملة لسياسة التحرير؟
أهم خيار هو التدخل لمراقبة الأسعار.. ويمكن تخفيض الضريبة على المحروقات، وتحديد نسبة أرباح الشركات.
وأيضا لا بد من وضع حد للتنسيق أو الاتفاق بين شركات التوزيع، وهذا ما كان قد قاله له مجلس المنافسة سنة 2019، ودعا آنذاك إلى فرض ذعيرة على الشركات المعنية بقيمة 9 مليار درهم. لكن، مع الآسف، تم التخلي عن قرار مجلس المنافسة، ومن تمّ عادت السوق إلى حالها من جديد، وها نحن وصلنا إلى الوضع الحالي.
- هل الواقع حاليا يفرض مراجعة سياسة التحرير؟
معلوم.. إن الواقع يفرض ذلك.. كما قلت في البداية: أولا؛ لا بد من فتح “لاسامير” وتأميمها. ثانيا؛ لا بد من رفع إمكانياتنا فيما يتعلق بتخزين المواد البترولية، نظرا لما للمحروقات من أهمية استراتيجية، وارتباطها بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية. ثالثا؛ لا بد من وضع حد لتلاعبات شركات التوزيع؛ أي وضع حد للاحتكار الذي تُمارسه ثلاث شركات كبرى، وأبرزها إفريقيا.
المحفوظ طالبي