story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

لحسن الحظ هناك نبيل!

ص ص

قد تكون الحلقة الأولى من برنامج “ساعة الصراحة” التي قدّمتها القناة الثانية هذا الأربعاء 25 مارس 2026 مستفزة، وقد يكون التوتر فيها أعلى مما ينبغي، وقد نسجّل فيها انزلاقات لفظية أو حتى حسابات سياسية ضيقة؛ لكن هذا كلّه لا يلغي حقيقة أن القناة نجحت، منذ البداية، في أن تفعل ما فشلت فيه منصات كثيرة صاخبة خلال السنوات الأخيرة، وهو أن تعيد السياسة إلى قلب الاهتمام، وإلى الاصطدام الحي بين المواقف والمعطيات والمسؤوليات، لا إلى مجرد فرجة فارغة.

ولحسن حظنا جميعا، وحظ الزملاء في القناة الثانية أيضا، كان هناك محمد نبيل بنعبد الله. وهذه ليست جملة منحازة للدفاع عن سياسي نحبه أو نتبنى مواقفه، بل خلاصة مهنية خالصة. لو لم يكن الضيف الأول لهذا البرنامج هو محمد نبيل بنعبد الله، لما خرجت الحلقة بهذا القدر من المعنى، ولا بهذا المستوى من كثافة المادة السياسية، ولا بهذا الحجم من الاشتباك الذي يتجاوز تبادل الجمل، إلى اختبار الأفكار والروايات والسير والحصائل.

سواء اتفقنا مع الرجل أو اختلفنا، فهو ليس مجرد ضيف يملأ الفراغ، بل واحد من آخر السياسيين المغاربة القادرين على الجلوس أمام الكاميرا للحديث دون لغة خشب، ودون استعارة قاموس شعبوي رخيص، ودون الاحتماء بمنطق “البوز” الذي أفسد قسطا واسعا من الكلام السياسي في المجال الرقمي.

من السهل جدا، في مناخنا العمومي الحالي، أن نشارك في حملة السخرية والتبخيس، ونردّد أن هذا رجل “معمّر” في السياسة، وكثير الظهور الإعلامي، وحاضر أكثر من اللازم، ويكاد يطل علينا من كل نافذة، ولا يترك مقعدا فارغا في أي نقاش…

لكن هذا النقد، على سهولته، يخفي كسلا ذهنيا واضحا. المشكلة في المغرب ليست أن لدينا سياسيين يكثرون الحضور، بل أن لدينا قلة نادرة من السياسيين القادرين على الحضور النوعي.

ونبيل بنعبد الله، شئنا أم أبينا، من الصنف الثاني. فهو لا يدخل البلاتوهات لينجو، بل ليلعب. وهو، فوق ذلك، لا يهرب من الملفات المحرجة، ولا من تاريخه الحكومي، ولا من الأسئلة الخشنة، بل يقبل أن يختبر ويستفز ويدفع إلى الزوايا الصعبة، ثم يرد بما لديه من معطيات وذاكرة سياسية ومهارة في الإمساك بخيط السجال.

لذلك بدا الهجوم الذي تعرّض له الرجل بعد الحلقة، كأنه عقاب على فضيلة لا على خطأ. فهو يهاجَم، في الجوهر، لأنه ما يزال موجودا حيث اختفى آخرون، ولأنه يقبل الاشتباك حيث فضّل كثيرون الانكفاء أو الاحتماء بخطابات معقمة، أو بلغة مترددة لا تقول شيئا حتى لا تغضب أحدا.

يكفي أن الحلقة فتحت، دفعة واحدة، ملفات تجديد النخب، والحصيلة الحكومية، والإعفاءات السابقة، وتدبير الصحة، وحدود خطاب الشباب الحزبي، ثم امتدت إلى نقاشات لاحقة حول التوظيف العمومي، والحزبية، والشفافية، وأسلوب النقاش نفسه… هذا ليس قليلا على حلقة أولى، بل هو دليل نجاح.

المثير هنا أن الانتقادات التي طالتها لم تنف هذا النجاح، بل أكدته، لأن البرنامج الذي لا يخلق أي نقاش هو برنامج ميت. أما البرنامج الذي يخرج من الشاشة إلى المجال العمومي بكل هذا الضجيج السياسي، فهو برنامج نجح قبل كل شيء في أن يثبت أن التلفزيون العمومي ما يزال قادرا، إذا أراد، على أن يصنع حدثا.

ومن الإنصاف أيضا أن يقال إن مهدي ياسيف لم يكن بذلك السوء الكاريكاتوري الذي رسمته بعض التعليقات المتسرعة. صحيح أن الشاب بدا في بعض اللحظات مندفعا أكثر من اللازم، وأن بناءه الحجاجي لم يكن دائما في مستوى الخصم الذي وضع أمامه، وأن بعض الملفات التي استحضرها انقلبت عليه أو كشفت محدودية الإحاطة بها.

لكن، مع ذلك، كان حضوره مفيدا في شيء أساسي، كونه استفز النقاش وحفّزه ودفع الضيف الرئيسي إلى الدفاع والشرح والتوضيح. هذا، في حد ذاته، دور مشروع داخل مناظرة سياسية. فالنقاش لا يحتاج دائما إلى محاور مهذّب، بل أحيانا إلى طرف يجرّ الأسئلة إلى مناطق التوتر.

حتى المعطيات التي أثيرت لاحقا حول توظيفه داخل قطاع حكومي يشرف عليه حزبه، مهما كانت ملابساتها، فإن مجرّد خروجها إلى العلن يندرج في صميم ما يجب أن يتيحه النقاش العمومي من رقابة على السلطة، ومساءلة سلوك الفاعلين السياسيين، وفحص العلاقة بين الخطاب والموقع والمصلحة.

أما القناة الثانية، فتستحق تهنئة صريحة. ليس لأن المشهد كان مثاليا لا تشوبه شائبة، بل لأنها تجرأت على إنتاج شكل تلفزيوني يثبت من جديد أن الإعلام المغربي، وخصوصا العمومي منه، قادر على أن ينجز نقاشات سياسية ذات قيمة حين ترفع عنه يد التقييد الزائد، وحين يترك للمهنيين أن يمارسوا عملهم الطبيعي.

الزميلان جامع كلحسن وسناء رحيمي قدّما، من خلال هذه الحلقة، دليلا إضافيا على أن العطب ليس في الأدوات ولا في الكفاءات، بل كثيرا ما يكون في السقف المنخفض المسموح به. وحين يرتفع هذا السقف قليلا، يتبيّن أن المؤسسات الإعلامية المغربية ما تزال قادرة على استضافة السياسة لإحيائها لا لقتلها، وعلى إدارة الحوار دون تحويله إلى بلاغ، وعلى إنتاج نقاش يخرج من دائرة “إسهال الكلام” الذي طبع جزءا واسعا من ظاهرة البودكاست، حيث صارت الإثارة، في كثير من الأحيان، بديلا عن التصور والمعنى.

حين نقول “لحسن الحظ هناك نبيل”، فليس المقصود هنا الرجل وحده، بل ما يمثله حضوره من مقاومة لكساد السياسة في المجال العام. في بلد صار فيه كثير من السياسيين يفضلون الصمت المحسوب، أو الخطاب المعلّب، أو التذاكي الرقمي المستند إلى “شكّارة” الترويج المدفوع، يصبح السياسي الذي يدخل النقاش بوجهه واسمه وتاريخه وحصيلته وانفعاله نفسه، جزءا من الصحة العمومية للنقاش.

يمكن للمرء أن يختلف مع بنعبد الله في نصف ما يقول أو أكثر، لكن سيكون من الجحود أن ينكر أنه من أكثر من يملكون اليوم القدرة على جعل النقاش السياسي المغربي قابلا للمشاهدة، بل وقابلا للفائدة أيضا. وحين تبلغ الساحة هذا القدر من الفقر في الوجوه القادرة على إنتاج معنى، لا يعود الظهور تهمة، بل يصير أحيانا خدمة.

المعنى الذي قدمته هذه الحلقة، رغم كل ما قيل عنها، هو أن السياسة حين تعود إلى الشاشة بقدر من الحيوية والاصطدام والمعنى، فإنها تزعج وتربك وتستفز، لكنها، مع ذلك، تخرجنا من موت بطيء كدنا نعتاده.

وهنا بالذات، كان نبيل بنعبد الله عنوانا موفقا للحلقة، كشخصية تثير الجدل، نعم، لكنها تحمل معها ما يكفي من المادة حتى لا يتحول الجدل إلى فراغ.