في هذا المغرب متّسع للفرح!
لم نعش ليلة أمس، تلك “القنطرة الصغيرة” الرابطة بين يومين، يوم الأربعاء الفاتح للسنة الأمازيغية الجديدة وهذا الخميس ال15 من يناير 2026، مجرّد أمسية كروية تُطوى مع الصافرة الأخيرة؛ بل كانت تلك اللحظة النادرة التي يخرج فيها المغرب من ضيق اليوميّ إلى سعة المعنى، ويخلع عن كتفيه أثقال الأسئلة القديمة ليرتدي فجأة قميصا واحدا بلون القلب: أحمرَ يرفرف في العيون قبل أن يرفرف في السماء.
أمس انكسر شيءٌ ما داخلنا، لا من الحزن أو الكمد، بل من شدّة الفرح. كأن القفل الذي ظلّ طويلا على باب الرجاء قد لان أخيرا تحت ضغط الهتاف.
لم نتابع أمس مباراة فحسب، بل كنا نتابع أنفسنا وهي تتعلّم كيف تثق من جديد، وكيف تتّسع لبعضها، وكيف تكتشف أن الالتحام ليس شعارا يُرفع في المسيرات وفي نشرات الأخبار، بل خبزٌ يوميّ إذا توفر شبع الوطن.
من ملعب مولاي عبد الله، حيث كانت الأنفاس تُعدّ بالدقيقة، إلى الشوارع التي انفجرت بالزغاريد والدموع والضحك، بدا المغرب كمن يعثر على صوته الضائع ويجربه بمكبّر صوت، ثم لا يعود قادرا على الصمت.
لم تكن ليلةُ أمس مباراة تُلعب بين فريق وآخر، بل كانت لحظة يُعاد فيها ترتيبُ القلب المغربي، قطعة قطعة، حتى يعود كما ينبغي له أن يكون: واسعا بما يكفي لاحتضان وطن كبير.
كأني بالرباط ليلة أمس، وهي تُولد من رحم ملعب الأمير مولاي عبد الله، لم تكن مدينة فقط. كانت نافذة مفتوحة على المعنى. وحين انتهت الحكاية إلى ركلات الترجيح، وتقدّم المغرب خطوة أخرى نحو النهائي، لم يفز فريقٌ وحسب؛ بل نهض شعبٌ بكامله من مقعد التعب، وأطلق في الهواء زغرودة طويلة تصلح لأن تكون نشيدا مؤقتا للحياة.
انتهت المباراة بالتعادل، ثم ابتسمت لنا ركلات الترجيح، وكان بونو.. ذاك الحارس الذي يعرف كيف يُطفئ حريق الخصم بيدين من يقين، قد أمسك بفرحنا من طرفه الصحيح، وأنقذه من السقوط.
حين تصدّى بونو لمحاولتين نيجيريتين، كان كأنه يصفع النحس صفعتين مهذبتين، ويقول له: ليس كلُّ باب يُغلق في وجهنا نعود من تحته منكسرين.
وحين جاءت الركلة التي ختمت الحكاية، تلك التي حوّلها يوسف النصيري إلى توقيع أخير في دفتر الليلة، انفلتت المدينة من قواعدها، وصار الهتاف أوسع من الشوارع، وصار الهواء نفسه يُصفّق.
كانت الرسالة الأولى واضحة مثل علم يرفرف فوق رأس طفل: المغرب يستطيع عندما يتّحد المغاربة.
هذه ليست عبارة إنشائية في خطبة مدرسية، بل حقيقةٌ سريعة المفعول رأيناها تركض على قدمين فوق الملعب، حيث تواطأ اللاعبون على التضحية، واتفقوا على الاقتصاد في “الأداح” لصالح الفوز.
لم يربح وليد الركراكي، وهو يُدير هذا الفريق كما يُدير ربّانٌ سفينة في بحر متقلّب، مباراة فحسب، بل ربح معركة أعمق: معركة الثقة. حين قال إن المجموعة “حمتْه”، كان يضع إصبعا على معنى مغربي نادر: القائد ليس من يعلو فوق الناس، بل من تُسنده الجماعة ساعة العاصفة، ثم يسندها ساعة الفرح.
إنها رسالة الالتحام بين أبناء الفريق. ذلك الالتحام الذي رأيناه في العيون قبل الأقدام. رأيناه حين بقيت الرؤوس باردة رغم طول الوقت، وحين لم ينهزموا داخليا أمام صمت الشباك.
نائل العيناوي.. هذا الاسم الذي جاء كصخرة جميلة في وسط الملعب، جاءنا من صلب بطل آخر اسمه يونس العيناوي، كأن المغرب يقول: نحن لا ننجب الحكاية مرة واحدة، بل نُسلّم المشعل جيلا عن جيل، ونصنع من الاستمرارية سلاحا ناعما لا يصدأ.
حكيمي ودياز وهما يتعانقان ويبكيان، كانا يمثّلان أولئك الذين تعلّموا أسماء المدن المغربية من رائحة الطبخ في بيوت أمهاتهم، ومن أغنيات قديمة تُسافر في السيارة، وكأنهما يكتشفان فجأة أن الدم ليس استعارة، وأن الأصل ليس جواز سفر، وأن حبّ الوطن يمكن أن يرثه الإنسان كما يرث لون العينين.
حين ترى لاعبا وُلد بعيدا، هناك حيث نعتقد أنه الملاذ والمراد، يضع روحه قربانا في كل التحام، و”يأكل” عشب الملعب، تفهم أن المغرب ليس جغرافيا فقط، بل ذاكرةٌ حيةٌ تسكن الناس حيثما كانوا.
ثم انظر إلى الشارع، إلى ذلك المشهد الذي يعجز عنه المنطق ويصنعه الفرح وحده: المغربي يعانق أخاه المغربي ويرقصان معا في الشارع العام دون سابق معرفة ولا اتصال.
تلك المصافحة السريعة بين غرباء هي رسالة اجتماعية عظيمة: ما زال في هذا البلد خيطٌ سريٌّ يربطنا ببعض، وما زالت الروح المشتركة قادرة على الظهور حين ندعها تخرج من مخبئها.
كأننا نكتشف، ولو لليلة واحدة، أن الحياة ممكنة حين نتوقف عن الشك في بعضنا، وحين نُصدّق أن الفرح حقٌّ جماعي لا امتياز فردي.
لم تكن فرحتنا أمس على الأرض فقط، بل رأينها تحلّق في السماء، إلى جانب أعلام وطنية تجتاح الأفق كسيل صهارة بركانية أحمر. تدفّق لا يُقاوَم، يكتسح الخجل ويترك المكان نظيفا من الرماد.
وإلى جانبها، كانت الأعلام الأمازيغية تزيّن المشهد بمناسبة رأس السنة الأمازيغية، فتضيف للفرح معنى آخر. كانت تلك الليلة درسا في الهوية يعني أنها ليست قفصا ضيقا، بل فسحةٌ واسعة تسمح للجميع أن يرقصوا داخلها.
من ملعب مولاي عبد الله إلى شارع النخيل، كان الجمهور يتدفّق كأنه نهرٌ من السعادة الحية؛ لا يصبّ ماء بل يحمل قلوبا خفيفة من ثقل الأيام.
كانت الرباط تُشبه مدينة خرجت لتوّها من صلاة جماعية طويلة، تتبادل فيها الوجوه نظرات الامتنان لأن الله منحها سببا للابتسام. حتى الذين كانوا بعيدين، في باريس مثلا، سمعوا النداء نفسه: زغاريد وأبواق على الشانزيليزيه، رغم المنع والحواجز، لأن الفرح المغربي لا يعرف كيف يستأذن كثيرا، بل يمرّ من حيث يجد ثغرة في الجدار.
وفي خلفية المشهد، كان يقف ولي العهد، الأمير الذي يُشبه فكرة المستقبل حين تتجسد في هيئة إنسان. حضوره ليس تفصيلا هامشيا، بل علامة على الاستقرار والاستمرارية، وعلى أن البلد لا يعيش لحظة معزولة، بل يمدّ خيطها نحو الغد.
بدا الأمير، رغم عدم حضوره بصفته الرسمية، مغربيا عاديا يتحرّق للهدف كما يتحرّق كل شاب في الأطراف والحَواضر.
لقد كان المغرب يحتفل بفكرة أقدم من كرة القدم وأجمل منها: أن الحلم مشروع، وأنه يستطيع. أن الوطن حين يضع يده في يد أبنائه لا يسقط بسهولة. وأننا، في لحظات نادرة مثل هذه، نكتشف أننا لسنا مجرد متفرجين على التاريخ، بل نحن قادرون أن نكتب سطرا منه بأقدام تركض، وقلوب لا تُهزم، وصوت واحد يقول: ما زال في هذا البلد متّسعٌ للفرح.