فاجعة فاس.. حقوقي: التغاضي عن البناء العشوائي وراء مآسي انهيار البنايات
أعاد انهيار العمارة السكنية بحي حنان الجرندي بمنطقة عين النقبي بمدينة فاس، والذي ارتفعت حصيلته إلى 14 قتيل وعدد من المصابين، الجدل مجدداً حول المسؤولية عن استمرار مآسي البنايات الآيلة للسقوط، في ظل تكرار حوادث مماثلة بعدد من الأحياء الشعبية والهامشية بالمدينة.
وفي خضم هذه الفاجعة، حملت أصوات حقوقية مسؤولية ما وقع لجهات قالت إنها “تغاضت عن الاختلالات المرتبطة بالبناء والتوسع غير القانوني”، محذرة من استمرار “نزيف الأرواح” ما لم يتم اعتماد مقاربة تقوم على المراقبة الصارمة، والمحاسبة، وتوفير بدائل حقيقية للسكان المهددين بخطر الانهيار.
وفي هذا الصدد، قال عبد الرحيم المرابط، عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن “المسؤولية تتحملها الجهات التي تغاضت عن الوضع”، معتبراً أن العمارة المنهارة “كما سابقاتها، أضيفت إليها طوابق إضافية دون مراعاة الشروط التقنية التي يجب احترامها في مثل هذه البنايات”.
وأوضح المرابط، وهو رئيس فرع الجمعية بفاس، أن المدينة تضم “أحياء عشوائية شُيّدت فيها عمارات في ظروف خاصة، وغالباً ما يكون ذلك مع اقتراب الانتخابات، حيث تغضّ السلطات الطرف عن هذه الاختلالات”، مضيفاً أن هذا التغاضي “هو ما يؤدي لاحقاً إلى مثل هذه الانهيارات”.
واعتبر المتحدث ذاته أن “الفساد المستشري داخل الجماعات المحلية، والتغاضي من طرف السلطات، هو ما يؤدي إلى هذه الكوارث”، موضحاً أن هذه البنايات “لا تتحمل إضافة طوابق جديدة”، قبل أن يضيف: “لو بقيت العمارة على حالها، أعتقد أن احتمال الانهيار كان سيكون أقل”.
وأشار المرابط إلى أن المشكل لا يرتبط فقط بالبناء غير القانوني، بل أيضاً بـ”غياب المراقبة”، مضيفاً أن المراقبة “حتى إن وُجدت فإنها تكون شكلية فقط”، إلى جانب “غياب المحاسبة”، بحسب تعبيره.
وأضاف أن السكان “يشتكون كثيراً، وتكون الاختلالات واضحة، لكن في النهاية يتم فتح ملفات وتحقيقات دون أن تصل المحاسبة إلى أقصى حدودها، وغالباً ما يُكتفى ببعض أكباش الفداء في المستويات الدنيا”.
وبخصوص سبل الحد من تكرار هذه الفواجع، شدد عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان على أن الدولة “تتوفر على الإمكانيات التي تمكنها من الحد من هذه الكوارث”، معتبراً أن “الحل الأول هو إفراغ العمارات المهددة بالانهيار مع إعادة إسكان سكانها”.
وأكد أن معالجة الملف لا يمكن أن تقوم فقط على الإفراغ، “لأنه لا يمكن ترك الناس يواجهون مصيرهم في ظروف صعبة”، داعياً إلى توفير بدائل حقيقية، خاصة للفئات الهشة والمتضررة.
وفي هذا الإطار، أشار إلى وجود مشاريع للسكن الاقتصادي بمدينة فاس، معتبراً أنه “يمكن اعتماد بعضها كحلول مؤقتة لإيواء المتضررين والحد من هذه المآسي”، محذراً من أن المدينة “قد تفجع مستقبلاً بحوادث أخرى إذا استمرت الأوضاع على هذا الحال”.
كما لفت إلى أن “هناك أحياء كاملة تعيش وضعاً هشاً ومقلقاً”، مضيفاً أن السلطات “ما تزال تتغاضى عن وضعية عدد من الأحياء، فلا يوجد إفراغ ولا حتى تنبيه حقيقي للسكان”.
وختم المرابط تصريحه بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تستوجب، إلى جانب التوعية والتحسيس، “توفير بدائل حقيقية للسكان مع فرض مراقبة صارمة”، معتبراً أن غياب هذه المقومات هو ما يساهم في استمرار خطر البنايات الآيلة للسقوط وما تخلفه من خسائر بشرية متكررة.
وارتفعت حصيلة ضحايا حادث انهيار عمارة سكنية مكوّنة من خمسة طوابق، الذي وقع في الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس بمنطقة عين النقبي بمقاطعة جنان الورد بفاس، إلى 14 قتيلاً و6 مصابين بإصابات متفاوتة الخطورة.
وتعد فاجعة اليوم الثانية من نوعها في ظرف نصف عام، إذ شهدت مدينة فاس، خلال شهر دجنبر الماضي، انهيار بنايتين سكنيتين متجاورتين مكوَّنتين من أربعة طوابق، ما أسفر عن مقتل أكثر من 22 شخصاً وإصابة آخرين، في واحدة من أسوأ الكوارث العمرانية التي شهدتها المدينة في السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه الوقائع الدامية في ظل تحذيرات متواصلة من خبراء ومهنيين بشأن “غياب المراقبة الصارمة على جودة البناء، وعدم الالتزام بالمعايير التقنية المعتمدة، وغياب تحيين قواعد المعطيات الخاصة بالمنازل الآيلة للسقوط”، في وقت سبق لوزارة إعداد التراب الوطني والإسكان أن أقرت بوجود عشرات الآلاف من الأسر التي تقيم في مساكن مصنفة ضمن الوضعيات الخطرة.