غياب “السيتكوم” الرمضاني.. أزمة الكوميديا التلفزيونية بين ضعف الكتابة وضغط الإنتاج
جرت العادة في السنوات الماضية أن تعج قنواتنا التلفزيونية، مع حلول شهر رمضان، بسلسلات “السيتكوم” (Sitcom) وما يصاحبها من جدل وانتقادات حادة، بسبب عدم استجابتها لذوق وانتظارات المغاربة، خاصة في ظل الميزانيات الضخمة التي تخصص لهذا النوع من الكوميديا دون أن يكون لذلك أثر لدى المتلقي.
غير أن هذه السنة، يبدو أن القنوات التلفزيونية المغربية قد ودعت قالب “السيتكوم”، وهو ما اعتبره البعض تلبية لرغبة المشاهد المغربي، الذي ظل يطالب بإلغاء هذا النوع من الانتاجات التلفزيونية، في حين اعتبر البعض الآخر أن هذا التوقف يمكن أن يكون فرصة لعودة أقوى.
“السيتكوم” هو اختصار لعبارة Situation Comedy، أي الكوميديا المبنية على المواقف، تدور أحداثه حول مجموعة ثابتة من الشخصيات في مكان أو بيئة محددة (مثل بيت، مكتب، مقهى)، وتُبنى الفكاهة على المواقف اليومية والتفاعلات بينهم.
وفي هذا الشأن، اعتبر الناقد السينمائي والفني، مصطفى الطالب، أن “السيتكوم” المغربي ظل يواجه “معضلة حقيقية” على مدى سنوات، ملخصا ذلك في “غياب المتخصصين” كتابة وإنتاجا وأداء، الشيء الذي دفع بهذا النوع من الإنتاجات “إلى التفاهة والسخافة”.
ويرى مصطفى الطالب، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن غياب “السيتكوم” عن القنوات التلفزيونية الوطنية هذه السنة، “دليل على المستوى الضعيف” الذي وصل إليه، مشيرا إلى أن “الكوميديا تحتاج إلى وقت طويل للتفكير والكتابة، من أجل التجديد وتجاوز التكرار والضعف وغياب العمق”.
وأوضح المتحدث أن الكوميديا التي ترافق هذا القالب في الإنتاجات المغربية، تعتمد على “الصراخ والقفشات والحركات الجسدية الخالية من أي معنى”، الأمر الذي يخالف بنية “السيتكوم”، الذي يفرض كتابة معينة وأسلوبا كوميديا يعتمد على الكلمة والموقف.
وأضاف الناقد الفني أنه “من الممكن أن نستفيد من التجارب الأوروبية التي سبقتنا لهذا المضمار الفني المتميز، وإذا تعذر ذلك فيمكننا استبدال السيتكومات بأعمال درامية تاريخية أو أدبية أو دينية التي تستقطب جمهورا واسعا متعطشا لتراثه وتاريخه وإرثه الروحي عوض التفاهة التي وصلنا إليها”.
ومن جهته، لخص أحد الممثلين المغاربة، الذي طلب عدم ذكر اسمه، عدم استحسان المشاهد للسيتكوم المغربي، في الظروف العامة التي يتم فيها إنتاج هذا النوع من البرامج، سواء على مستوى ضغط الوقت، أو على مستوى العراقيل التي تحد من إبداع الممثلين.
وكشف المتحدث، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن السيناريو يكتب في غالب الأحيان “خلال أقل من عشرين يوما”، والعمل يصور كاملا بعد ذلك في أسابيع قليلة، “مما يجعل فرص النجاح ضعيفة بالرغم من الميزانية المهمة التي تتجاوز أحيانا ميزانية المسلسلات الدرامية”.
واعتبر، في هذا الصدد، أن توقف القنوات المغربية عن عرض “السيتكومات” خلال هذه السنة، هو فرصة لمراجعة مواقع الخلل وإعادة النظر في عملية إنتاج هذا النوع من الكوميديا.
وتجدر الاشارة إلى أن “السيتكوم” تأثر في بداياته ببرامج الراديو الكوميدية والمسرح، بحضور الجمهور الحي أثناء التصوير والذي بدوره، حسب التجربة الأمريكية، ساهم في نجاح هذا الصنف من الكوميديا. بحيث يتفاعل مع الممثلين ويساهم في محافظة الممثل على الإيقاع الجيد أثناء التشخيص، كما يمنح للمخرج والسيناريست فرصة التعديل من أجل تقديم منتوج أفضل.
إلا أن الناقد مصطفى الطالب اعتبرا أن تواجد الجمهور الحي أثناء التصوير، “ليس ضمانا لنجاح السيتكومات المغربية”، وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه، مشيرا في نفس الوقت إلى أن “هذه الصيغة الكلاسيكية التي تفرض تواجد الجمهور وصلت إلى المغرب بعد أن تخلت عنها أمريكا”.
وفي مقابل ذلك، أشاد مصطفى الطالب ببعض الأعمال المغربية السابقة في فن “السيتكوم”، من قبيل سلسلة “لالة فاطمة”، و”ياك حنا جيران”، معتبرا هذين النموذجين فرصة للاستفادة مع التطوير والتجديد.
ومن جانب آخر، لخص بعض الممثلين الشباب، الذين فضلوا هم كذلك عدم نشر أسمائهم، هذا “الفشل” في إنتاج “سيتكومات” بجودة عالية، في “الرقابة التي تفرضها التلفزة المغربية والتي لا تتماشى مع كوميديا الموقف المبنية أساسا على ثلاث عناصر هي الدين، الجنس والسياسة”.
واعتبروا أن “هذه العناصر تمسّ الهوية والقيم والمعتقدات، وبالتالي أيّ مفارقة أو تضاد فيها يولّد توترًا دراميًا قويًا… وهذا التوتر هو الوقود الأساسي للكوميديا”.
وفي غضون ذلك، أجمع المتحدثون على أن صنف “السيتكوم”، يعتمد على إثارة الضحك التي تتطلب توقيتا دقيقا، ونبرة صوت معينة، وإيقاعا في الحوار، وأداء محسوبا، مشددين على أن “أي خلل بسيط في التوقيت قد يفسد النكتة بالكامل ويصيب المشاهد بالملل”.
*أميمة بابلية