story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

غرفة العمليات10.. ارتباك الدولة في غياب القيادة

ص ص

لا أحد في واشنطن كان يتوقع أن يتحول يوم عادي من مارس 1981 إلى يوم أسود في ذاكرة البيت الأبيض.

كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف ظهرا تقريبا، حين خرج الرئيس رونالد ريغان من فندق “واشنطن هيلتون” بعد إلقاء خطاب، قبل أن تنفجر طلقات نارية في سماء رمادية.

هرع رجال الأمن، استلقت أجساد على الأرض، وانطلقت الفوضى. لم تُصب الطلقات الأولى ريغان مباشرة، لكن رصاصة ارتدت من هيكل سيارته المصفحة لتخترق صدره. وفي دقائق معدودة، كان الرئيس الأميركي يُنقل إلى مستشفى جامعة جورج واشنطن، يمشي على قدميه في البداية، قبل أن ينهار أخيرا.

فبينما كان الرئيس يغادر الفندق بعد إلقائه خطابا أمام منظمة نقابية، تعرّض لمحاولة اغتيال مفاجئة. أطلق جون هينكلي جونيور، الذي كان يقف بين الحشود، ست رصاصات من مسدسه باتجاه الرئيس ومرافقيه الأمنيين. أصيب أربعة أشخاص في الحادث، من بينهم ريغن نفسه. وعلى الرغم من خطورة الموقف، تمكّن عناصر الخدمة السرية من السيطرة على المهاجم بسرعة، ونُقل ريغن على الفور إلى المستشفى، حيث خضع لعملية جراحية ناجحة أنقذت حياته.

في تلك اللحظات العصيبة، تحولت غرفة العمليات (Situation Room) إلى مركز ارتباك، مشحون بالقلق والجهل بما يجري. ولأول مرة، لدينا تسجيل صوتي كامل لما دار بداخلها، بفضل ريتشارد ألين، مستشار الأمن القومي، الذي وضع مسجّلا صغيرا على الطاولة ودوّن التاريخ كما هو، بلا تجميل.

دخل المستشارون تباعا: ديفيد غيرغن، ألكسندر هيغ، كاسبار واينبرغر، فريد فيلدينغ… لكن نائب الرئيس، جورج بوش الأب، كان في الجو، عائداً من دالاس، ولا يوجد خط آمن ليتواصل مع البيت الأبيض.

في غياب رأس السلطة التنفيذية، تصاعد التوتر: من يمسك بزمام الحكم؟ من يُمسك بـ”الحقيبة النووية”؟ هل الرئيس ما يزال قادرا على اتخاذ القرار؟

هنا، سيقفز اسم “هيغ” إلى الواجهة.

الجنرال المتقاعد، وزير الخارجية القوي، الذي اعتاد على إعطاء الأوامر في حلف الناتو، جلس على الكرسي وأطلق جملته الشهيرة: “الدفة هنا، في هذا الكرسي!!”.

لكن ترتيبه الدستوري لم يكن ثالثا كما زعم أمام الصحافة، بل رابعا بعد نائب الرئيس ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ المؤقت. ومع ذلك، اندفع إلى قاعة الإعلام ليعلن أمام الأميركيين: “أنا المسؤول هنا في البيت الأبيض إلى حين عودة نائب الرئيس”.

خطأ جسيم، زاد الطين بلة، وأدخل البلاد في ارتباك عميق.

في الخلفية، كانت الأخبار تتوالى: إصابة الناطق الرسمي جيمس برادي في رأسه، ومخاوف من تورط السوفيات في عملية الاغتيال، وورود تقارير عن غواصات سوفياتية تقترب بشكل مقلق من السواحل الأميركية.

في الداخل، كان النقاش يتخبط بين الإجراءات الأمنية والاتصال بالإعلام، وصولا إلى قضايا غريبة مثل: هل يستطيع الرئيس، وهو تحت التخدير، توقيع مشروع قانون الألبان حتى لا ينهار قطاع بكامله؟ لحظة عبثية تعكس هشاشة المؤسسات في قلب العاصفة.

بعد ساعات، وصل نائب الرئيس جورج بوش، بهدوئه البارد، لينهي هذا الاضطراب: “فلنخرج من هذه الغرفة، ولنعد إلى الحياة الطبيعية قدر المستطاع”.

جملة أعادت بعض الانضباط إلى البيت الأبيض. لكن التسجيلات التي بقيت شاهداة ستظل تذكيرا مريرا بأن غياب وضوح دستوري، واندفاع غرور الأشخاص، قد يفتح الباب لفوضى خطيرة.

غير أن دروس هذا الفصل من كتاب “غرفة العمليات”، لم تتوقف عند محاولة اغتيال ريغان. فبعد عام، سيجلس الرئيس نفسه في غرفة العمليات ليشارك في تمرين “Ivy League” الذي يحاكي حربا نووية شاملة.

على الشاشة أمامه، كانت النقاط الحمراء تتكاثر، تمحو المدن الأميركية، وتحصد ملايين الأرواح. رأى نفسه “مقتولا” افتراضيا، ورأى بلاده تتبخر في دقائق.

غيّرت تلك اللحظة رؤيته إلى السلاح النووي، وجعلت هاجس “إنهاء الحرب الباردة” يتحول من شعار انتخابي إلى عقيدة رئاسية.

مع تصاعد التوتر العالمي مطلع الثمانينات، من خطاب “إمبراطورية الشر” سنة 1983، إلى إطلاق مشروع الدرع الصاروخي، إلى رعب فيلم The Day After الذي شاهده مئة مليون أميركي، بدا العالم على شفا محرقة نووية.

كان ريغان، مدفوعا بمزيج من القناعة الدينية والحدس السياسي، قد اختار أن يمد يده إلى ميخائيل غورباتشوف. ومن قلب الجدل حول خطابه في برلين سنة 1987، حيث تحدى معارضيه في البيت الأبيض وصرخ: “سيد غورباتشوف، اهدم هذا الجدار!”، فتح صفحة جديدة غيّرت مسار التاريخ.

لقد أظهرت أزمة 1981 أن المؤسسات الأميركية، حتى في لحظات الخطر، ليست محصنة من الانفعال أو الصراع على السلطة. لكن الأهم أن هذه اللحظات الكارثية رسخت لدى ريغان قناعة واضحة: الرئاسة ليست مجرد إدارة يومية، بل مسؤولية أخلاقية كبرى أمام مصير الإنسانية.

من هنا، سيتحول الرجل الذي كاد يُقتل في ربيع 1981 إلى الرئيس الذي سيشهد العالم في عهده سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة.

والدرس الأهم من هذه اللحظة التاريخية هو أن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل أيضا بقدرتها على تجنّب الانزلاق إلى الفوضى في غياب القيادة المباشرة.

ففي ذلك اليوم من مارس 1981، تَكشّف أن غياب وضوح آليات الخلافة، واندفاع بعض المسؤولين لملء الفراغ بأي ثمن، قد يفتح الباب أمام أزمة شرعية تضاعف الخطر بدل احتوائه.

في المقابل، أثبتت تجربة ريغان أن القيادة الرئاسية الحقيقية لا تختزل في إصدار الأوامر، بل في إدراك ثقل المسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسانية.

ومن قلب غرفة العمليات، التي شهدت لحظة فوضى كبرى، تولدت لدى الرئيس قناعة جعلته يبحث عن طريق يجنّب العالم الكارثة النووية. إنها المفارقة التي تذكّرنا دائما أن الفشل والارتباك قد يصبحان، في لحظة ما، الشرارة التي تغيّر مسار التاريخ.