story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

غدا نستعيد القرار..

ص ص

عشية يوم 23 شتنبر 2026 الموعود، لا يحتاج المغربي إلى خطبة جديدة حول “الواجب الوطني”، ولا إلى من يشرح له أن السياسة جميلة وأن الأحزاب بخير وأن المؤسسات تعمل كما ينبغي.

يعرف الناس، وربما أكثر منا جميعا، حجم ما تراكم من خيبات، وما جرى من إضعاف للسياسة، وما أصاب الأحزاب والوسائط والمجال العمومي من إنهاك. وقد كتبنا في هذا الركن، مرارا، عن هذه التراجعات ولم نتعامل معها يوما باعتبارها تفاصيل يمكن القفز فوقها بالشعارات.

لكن الإنصاف يقتضي أيضا ألا يتحول نقد الخراب إلى عجز عن رؤية ما بقي حيا وسطه.

طوال الأيام الأخيرة، لم تكن الحملة مجرد تراشق بين قيادات، ولا سوقا حصرية للترحال والتزكيات، ولا حفلة متواصلة لتبادل الاتهامات. إلى جانب كل ذلك، ظهرت أمامنا مشاهد تستحق أن نتوقف عندها، لشباب يدخلون السياسة بدل أن يديروا ظهورهم لها، ومرشحون يطرقون الأبواب ويشرحون أفكارهم، ونساء ورجال لا يملكون شبكات المال والنفوذ لكنهم يقاتلون من أجل مقعد يمنحهم فرصة الدفاع عن تصور للمدينة أو المدرسة أو المستشفى أو العدالة الاجتماعية.

رأينا، وسط الضجيج، أحزابا ما تزال تحاول أن تفعل ما يفترض أن تفعله دائما، أي أن تصوغ برامج، وتختلف حول الضرائب والأجور والاستثمار والتعليم والصحة، وتنتج خطابا سياسيا، وتقترح على المغاربة صورا مختلفة لما يمكن أن يكون عليه المغرب.

ليست كل البرامج جيدة، ولا كل الوعود قابلة للتنفيذ، ولا كل الوجوه مقنعة. لكن مجرد وجود الاختلاف الحقيقي يعني أن السياسة لم تمت تماما. وربما كانت هذه هي الفكرة التي تستحق أن نحملها معنا خلال 24 ساعة التي تفصلنا عن فتح مكاتب التصويت.

الفساد ليس قدرا، والرداءة ليست صفة وراثية في المجتمع، والسمسرة الانتخابية لم تصبح قانونا طبيعيا، فقط لأنها تتكرر. في كل دائرة جهوية أو محلية تقريبا، توجد إلى جانب الأسماء التي اعتدنا الشك فيها، أسماء أخرى يمكن أن نختلف معها، أو لا نتقاسم معها المرجعية نفسها، لكنها دخلت المنافسة بأيد نظيفة وسير يمكن فحصها وبرامج يمكن مناقشتها. وفي النهاية، لن تصل هذه الأسماء إلى المؤسسات بقوة فضيلتها وحدها؛ بل ستصل بالأصوات التي تحصل عليها، أو ستبقى خارج السباق إن نحن خذلناها.

حتى على مستوى ضمانات العملية الانتخابية، توجد إشارات ينبغي تسجيلها دون مبالغة في معناها. فقد ذكّر وزير الداخلية، في دورية وجهت إلى الولاة والعمال، بحق ممثلي لوائح الترشيح في مراقبة التصويت والفرز والإحصاء والحصول فورا على نسخ من المحاضر، وهي نسخ لها الحجية نفسها التي للأصول. كما ذكّر بأن الامتناع عن تسليمها جريمة يعاقب عليها القانون.

هذه ليست شهادة مسبقة بنزاهة العملية الانتخابية، لكنها إحدى الضمانات العملية التي تسمح بالرقابة والتحقق ومساءلة أي اختلال. والمهم هنا ليس أن نقنع أنفسنا بأن كل شيء بخير. الأهم ألا نقع في خطأ التصرف كما لو أن كل شيء فاسد إلى الدرجة التي يصبح معها كل اختيار مساويا لغيره.

اللوائح المرشحة ليست واحدة. ولا سير المرشحين متشابهة. ولا الأحزاب في خانة “عبد الواحد كلهم واحد”. حتى البرامج والوعود الانتخابية، ليست نسخا من بعضها.

بين شخص وآخر، وبين مشروع وآخر، وبين من يريد المقعد لخدمة مسار عام ومن يريده لخدمة شبكة مصالح، توجد فروق واختلافات واضحة. قد تكون المسافة أحيانا صغيرة، لكنها في السياسة كافية لتغيير قرار أو ميزانية أو قانون أو موقف.

غدا الأربعاء 23 شتنبر 2026، سيفتح المغرب مكاتب الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب. وبعد انتهاء الفرز، ستعود السياسة إلى إيقاعها المعتاد. ستتفاوض الأحزاب، وستُبنى التحالفات، وستُشكل الأغلبية، وستبدأ المؤسسات في إنتاج قراراتها.

ستصبح مواقع القوة موزعة من جديد بين حكومة وبرلمان وأحزاب وإدارات ومصالح مختلفة.

أما اليوم، فما يزال الباب مفتوحا. وهو ليس باب من سيحكم فقط، بل باب أي نوع من الأشخاص سنجدهم داخل المؤسسة التشريعية حين سيبدأ اتخاذ القرارات، وأي قدر من الاختلاف والرقابة والنزاهة والكفاءة سنسمح له بأن يجد مكانا هناك.

قد لا يستطيع صوت واحد تغيير الواقع وحده. لكنه يدخل في الحساب الذي يحدّد من يملك المقاعد ومن يفقدها، ومن تصبح لديه أغلبية ومن يحتاج إلى التفاوض، ومن ينجح ومن يسقط.

السياسة لا تعطينا ضمانات، ولا تمنحنا دائما الاختيار الذي نحلم به. لكنها تمنح، في لحظات محددة، فرصة فعلية لإعادة توزيع القوة. وغدا واحدة من هذه اللحظات النادرة.

بعدها يمكن أن نعود إلى النقد والغضب والمحاسبة والاحتجاج، يمكننا أن نركن إلى شاشاتنا، وكلها حقوق وأدوار لا تقل أهمية. لكن يوم الاقتراع مختلف بطبيعته. إنه اليوم الذي تصبح فيه الخيارات الفردية، مجتمعة، أرقاما ومقاعد وموازين داخل المؤسسات.

لهذا، ومهما كان مقدار الخيبة التي يحملها كل منا، يبقى من المفيد ألا ننظر فقط إلى ما خسرناه من السياسة، بل ننظر أيضا إلى ما لا يزال ممكنا إنقاذه منها.

فالأوطان لا تتغير دائما باللحظات العظيمة. يبدأ الفرق أحيانا من فعل صغير جدا، كأن يبحث الإنسان جيدا، وأن يميز، وأن يختار عن معرفة، ثم يتحمل مسؤوليته في ما اختار.

وغدا، أمام المغاربة فرصة جديدة لفعل ذلك.