story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

عبد الهادي بلخياط.. قمرنا الأحمر

ص ص

رحيل عبد الهادي بلخياط أكبر من “خبر” وفاة ندرجه على عجل ونمضي إلى ملاحقة باقي الإخبار، وأوسع من سيرة تُختزل في سطرين، وأبعد من معركة صغيرة تتنازعها الكلمات لحظة الجنازة: أهو الفنان الذي غنّى للحب والإنسان، أم “المعتزل” بلحيته الكثّة والمنشد للقصائد الدينية؟

كأننا لا نحتمل أن يجتمع في المغربي الواحد صوتان دون أن نتخاصم على أيهما “حقيقي”، مع أن الحقيقة غالبا لا تأتي مفردة، بل تأتي مركّبة مثل أرغفة البادية: فيها من طين الأرض، ومن هواء السماء، ومن نار التجربة ما يطيب به الخبز ويكتمل.

جلستُ قبل أيام قليلة في الرباط، بدعوة من السفارة المصرية، لمشاهدة فيلم “الست”، وخرجتُ وأنا أفكر لا في الفيلم وحده، بل في تلك “الآلة” التي تصنع بها الشعوب رموزها وتُحكم إغلاقها على المعنى. الإخوة المصريون لا يتركون الرمز على الرصيف؛ ولا يدعونه يتآكل بالتصنيف والتشاجر وحرائق التفاصيل؛ بل يضغطون صورته حتى تُصبح كثيفة وذات وزن ثقيل، وقابلة للترويج، ثم يدفعونها في العالم كقوة ناعمة تسبق الجغرافيا، وتنفذ إلى ما وراء التاريخ والسياسة.

أما نحن، وكلما مُدّ إلينا رمز، فتحنا عليه بابين دفعة واحدة: باب التبخيس وباب التفكيك. نُصرّ أن نُحوّل السيرة إلى أجزاء متباعدة، ثم نتقاتل عليها، وننسى أن البناء لا يقوم من الأجزاء المتناحرة بل من صورة جامعة تُحسن الإشارة إلى العمق.

لهذا تبدو وفاة عبد الهادي بلخياط لحظة كاشفة، ليس لأنها موت جسد، بل لأنها اختبار لقدرتنا على تحويل الرحيل إلى فرصة “رسملة” رمزية، تُقوي الإنسية المغربية وتُحسن تلخيص معنى النبوغ المغربي في شخص واحد، دون أن تُصادره فئة، أو تحرقه أخرى.

عبد الهادي بلخياط ليس سيرة فنية فقط؛ هو سيرة مجتمع صعد من الهشاشة إلى المجد. عمل سائقا، وجرّب المهن البسيطة، وذاق طعم الورشة والكدح، قبل أن يقرر أن يقتحم عالما لا يفتح أبوابه إلا لمن يحمل داخله قَدرا من العناد النبيل.

وُلد سنة 1940 في فاس، العاصمة العلمية، في بيئة محافظة ومشبعة بالتقاليد، فتشرّب مبكرا رنة المديح والسماع وتأثر بكبار المقرئين؛ لذلك لم يكن صوته يوما تمرينا “عضليا” فقط، بل كانت فيه روحٌ خفية ونقية، حتى وهو يغني للحب.

من فاس إلى الدار البيضاء كانت هجرته الأولى نحو الحلم، التقى بأسماء صنعت معه مجد زمن كامل، أمثال عبد السلام عامر، وأحمد الطيب العلج، وعبد الرفيع الجواهري… ثم تحوّل صوت الطفل الذي خرج من عباءة راعي المواهب عبد النبي الجراري إلى وعد جماعي بأن المغرب قادر على أن يُنجب صوتا يساوي المغرب.

عاش عصره الذهبي في الستينيات والسبعينيات، فلم يكن يملأ المسارح فقط، بل كان يملأ مسافة داخل المغاربة اسمها الذائقة الجماعية. جمع بين قوة أداء تُشبه الأوبرا وعذوبة تذكّر بالطرب الأندلسي، وبين شجن المشرق وأصالة المغرب، وبين العربية الفصيحة والزجل المهذب، وبين الغناء الوطني والعاطفي والإنساني.

سافر إلى مصر بين 1965 و1967، ليس ليُذيب نفسه في سوق أوسع، بل ليعود إلى المغرب أكثر يقينا بأن لكل بلد نبرته الخاصة، وأن الفنان لا يكتمل حين يصير نسخة من غيره، بل حين يصبح أصلا في بلاده. وهذا هو عين النبوغ، أي أن تُغريك القاهرة، ثم تختار الرباط والدار البيضاء وفاس بوعي من يعرف أن الشجرة إن فقدت تربتها ماتت، ولو صفق لها العالم كله.

عبد الهادي ليس مجرد صوت شجيّ، بل هو أيضا درس في الأخلاق العامة. كثير من المغاربة لم يعاملوه كمغن فقط، بل كقريب لهم. عمٌّ أو خالٌ مؤدب لدرجة الخجل، يسلم وينصرف تاركا أثرا طيبا. حتى عندما نافس صديقه عبد الوهاب الدكالي سنة 1993، بادر إلى تهنئته حين فاز، فكان يعلّمنا دون خطبة أن التنافس الشريف جزء من جمال الفن، وأن الرموز لا تكبر بالضغينة بل بالكرم.

ثم جاءت نقطة التحول التي يحب الناس أن يجعلوها قطيعة مطلقة. سنة 1987، الآية التي سمعها في المستشفى عند زيارة أم صديق، فهزته من الداخل. وكأن القلب، حين يبلغ سنا معينة، يطالب صاحبه بأن يُعيد ترتيب المعنى. ثم حدثت قصة مشهد المطار، خلال رحلته إلى بلجيكا لإحياء حفلات غنائية، واعتراضه هناك جمعات مختلفان: “أصحاب ربطة العنق” و”أصحاب العمائم”، فكان اختياره أن يرافق الدعاة إلى لندن، ثم “الخروج” والدعوة إلى تعمير المساجد.

يمكن أن يختلف الناس في تفسير هذا المنعطف، لكن لا يملكون حق تحويله إلى محكمة تُبطل ما قبلها. لأن الرجل نفسه لم يكن حتى آخر أيامه يتبرأ من مساره الفني، ولم يكن يتأفف منه، بل ظل يتحدث عنه باعتزاز، وكان يرى الفن رؤية من الأعماق، ويشبّه الفنان بإمام وخطيب لا يحق له أن يخطب من برج عاجي؛ بل عليه أن يختلط بالناس، ويتجول بينهم، ويعرف حاجياتهم وأحوالهم، ثم يكتب بناء على ذلك.

عبد الهادي لم يُلغِ الإنسان في داخله حين اقترب من التدين، ولم يُلغِ الروح حين كان يغني للحب. كان يرى الطريقين طريقا واحدا، خدمة للمعنى، وتطهيرا القلب من الكذب، ولو بوسيلتين مختلفتين. وهكذا جاءت قصيدة “المنفرجة” لتكون جسرا بين ضفتين في الوعي المغربي. ضفة الطرب وضفة التصوف.

يُحكى أن الملك الراحل الحسن الثاني كان شغوفا بالسماع والمديح، وأنه حمل بلخياط على أداء “المنفرجة” ليمثّل بها المغرب في ملتقى دولي، كما تُروى تلك الحكاية الأخرى في جلسة بالصخيرات حين طُلِب من بلخياط أن يؤدي “ست الحبايب” أمام موسيقار العرب محمد عبد الوهاب، فانبهر الضيف، وطلب ضمّه إلى القاهرة، لكن الملك همس للفنان: “مكانك هنا.. هو عبد الوهاب في بلاده وأنت عبد الهادي في بلدك”.

سواء أخذنا هذه الحكايات باعتبارها شهادةات حقيقية أو باعتبارها “أسطورة” جميلة، فهي تكشف أن المغرب كان يمتلك رمزا يليق به، وكان يعرف ذلك. ثم جاء زمنٌ صار فيه الرمز عبئا على بعضنا، فصرنا نبحث له عن صندوق نحبسه فيه، واحترنا بين صندوق الفنان العاطفي فقط، وصندوق “المنشد التائب”، وكلاهما خيانة للحقيقة.

الواقع أن عبد الهادي بلخياط، رحمه الله، قدّم للمغاربة نموذجا نادرا لما يمكن أن يكون عليه الرمز حين ينضج. أي أن يتسع للتناقضات دون أن يتشقق، ويعبر الأعمار دون أن ينكسر، ويُثبت أن النبوغ المغربي ليس في الصوت وحده، بل في القدرة على حمل الهوية بأكثر من طريقة.

صوته الذي صنع “القمر الأحمر” ووسّع أفق الأغنية المغربية خارج الحدود، هو نفسه الذي جعل نصا صوفيا عسيرا في متناول الناس. وحنجرته التي حملت أغان عاطفية واجتماعية ووطنية، هي نفسها التي ختمت الحياة بالتسبيح والابتهال.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس “أيُّ بلخياط نختار؟”، بل: هل نملك الشجاعة لنعترف بأن القوة الرمزية في المغرب لا تأتي من التطهير الإيديولوجي، بل من قبول التعدد داخل الشخص الواحد.

لقد نال الراحل تكريمات ملكية وأوسمة وجوائز، من الأسطوانة الذهبية إلى الرباب الذهبي، ومن وسام العرش إلى توشيحات أخرى، لكنه، في الحقيقة، نال وساما أكبر لا تمنحه الدول، هو أن يصبح جزءا من ذاكرة الناس اليومية، وأن يصير صوته مثل جملة يتوارثها البيت المغربي دون أن يكتبها في وصية.

حين يرحل رمز كهذا، لا يكفي أن نقول “رحمه الله” ثم ننصرف، لأننا بذلك نكرر عادتنا القديمة: ندفن الرمز مرتين، مرة في التراب ومرة في النسيان.

الرثاء الذي يستحقه عبد الهادي بلخياط هو قدرتنا نحن على أن نستثمر رموزنا كما يجب. أن نحول سيرته إلى درس في الهوية، وأن نجعل من اسمه مؤسسة للمعنى، لا سببا للخلاف. أن نعلّم أبناءنا أن المغربي يمكن أن يكون عاشقا وعابدا دون أن ينقص أحدهما من الآخر، وأن الفن حين يكون صادقا فهو ضربٌ من العبادة، وأن العبادة حين تكون رحيمة فهي ضربٌ من الفن.

عبد الهادي بلخياط كان إشارة من إشارات النبوغ المغربي، في غنائه العاطفي كما في أناشيده الدينية، وكان مفخرة لا لأن صوته عظيم فقط، بل لأن سيرته تقول للمغاربة إنهم قادرون على إنتاج رمز بقيمة عالية لكينونتهم الجماعية، إذا أحسنوا النظر إليه، وأحسنوا حمله، وأحسنوا تكثيفه بدل تبديده في المعارك الصغيرة.

رحم الله الحاج عبد الهادي بلخياط… وليرحمنا الله من عادتنا التي تجعل الرموز تموت أكثر من مرة، لأننا لا نعرف كيف نحولها إلى قوة، وكيف نجعلها جزءا من إنسيتنا المغربية، لا مجرد ذكرى عابرة.