رغم تحسن الوعي.. تقرير رسمي يحذر من استمرار تحديات النظافة والعنف والتحرش في الفضاء العام
في تشخيص وطني معمق لواقع العيش المشترك في الفضاءات العمومية، كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن صورة مركبة تجمع بين مؤشرات إيجابية في الوعي العام واستمرار مظاهر سلوكية سلبية تؤثر على جودة الحياة اليومية.
وأبرز رأي المجلس حول “السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة”، أن التحديات المرتبطة بالنظافة والعنف الطرقي والتحرش وضعف احترام الفضاء العام ما تزال حاضرة بقوة، رغم تحسن نسبي في إدراك المواطنين لأهمية السلوك المدني، داعيا إلى اعتماد تحول مؤسساتي شامل يرتكز على التنسيق بين السياسات العمومية، وتحديث الإطار القانوني، وإطلاق ميثاق وطني للسلوك المدني، ليمثل مدخلا نحو تعزيز التنمية والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى التي يستعد المغرب لاحتضانها وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
مفارقة في إدراك السلوك اليومي
اعتمد رأي المجلس، والذي قدمه أمس الأربعاء 10 يونيو 2026 على بحث ميداني شمل عينة ممثلة من 1012 مواطنا، وكشفت عن مفارقة لافتة في تقييم السلوك المدني، إذ يعتبر 59 في المائة من المستجوبين أن الوضع العام يشهد تحسنا نسبيا، غير أن التفاصيل الميدانية تعكس استمرار مظاهر سلبية بارزة في الحياة اليومية.
وتتصدر هذه المظاهر رمي النفايات وتخريب الممتلكات العمومية بنسبة 77 في المائة، تليها أشكال العنف اللفظي والجسدي والتحرش بنسبة 74 في المائة، ثم الفوضى وعدم احترام قانون السير بنسبة 40 في المائة، وتبرز هذه السلوكيات بشكل أوضح في الطرقات والفضاءات الحضرية ووسائل النقل والمرافق العمومية، باعتبارها أكثر الفضاءات حساسية لضعف ثقافة العيش المشترك.
معطيات تعمق حجم الإشكال
استند التقرير إلى مؤشرات رسمية تعكس تصاعدا مقلقا في عدد من الظواهر المرتبطة بالعنف في المجال الحضري، حيث ارتفعت قضايا العنف من 46,553 حالة سنة 2023 إلى 60,054 حالة سنة 2024، فيما تضاعفت تقريبا قضايا التحرش لتصل إلى 2,657 حالة خلال الفترة نفسها.
وفي ما يتعلق بالسلامة الطرقية، سجل التقرير معدل وفيات بلغ 10.5 لكل 100 ألف نسمة سنة 2024، وهو مستوى مرتفع مقارنة بعدد من الدول المرجعية، كما أظهرت المعطيات أن الراجلين ومستعملي الدراجات النارية يشكلون أكثر من 66 في المائة من ضحايا حوادث السير، ما يعكس هشاشة واضحة في شروط السلامة داخل الفضاء الطرقي.
وأفرد التقرير حيزا خاصا للفضاءات الرياضية، مبرزا أنها تشكل في آن واحد مجالا للتعبير والإبداع، وفضاء يواجه تحديات مرتبطة بالشغب، ونقل المعطيات القضائية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة والتي سجلت 643 قضية شغب وعنف داخل الملاعب سنة 2023، توبع على إثرها 1030 شخصا، قبل أن تنخفض إلى 353 قضية سنة 2024. ويربط التقرير هذه الظاهرة بسياقات اجتماعية ونفسية، ترتبط أساسا بفئات شابة تعاني من الهشاشة وضعف الاندماج المدرسي والاجتماعي.
اختلالات بنيوية تحد من فعالية السياسات العمومية
يرى المجلس أن التدخلات العمومية الحالية ما تزال محكومة بمنطق قطاعي غير منسق، وهو ما يحد من فعاليتها في ترسيخ السلوك المدني بشكل مستدام. ويعزى ذلك إلى تحولات عميقة في منظومة التنشئة الاجتماعية، نتيجة تراجع أدوار الأسرة والمدرسة أمام تأثير الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
كما سجل التقرير محدودية أداء الشرطة الإدارية الجماعية، التي تظل متمركزة في المدن الكبرى وتعاني من نقص في الموارد البشرية والإطار القانوني، إضافة إلى ذلك، أشار إلى تعثر تفعيل بعض النصوص التشريعية، من بينها قانون منع التدخين في الأماكن العمومية الذي ظل دون نصوص تطبيقية منذ سنوات طويلة، مع غرامات اعتبرت غير رادعة.
توصيات استراتيجية نحو ترسيخ مواطنة مسؤولة في أفق 2030
قدم المجلس حزمة من التوصيات الهادفة إلى إرساء تحول عميق في ثقافة السلوك المدني، في أفق الاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030.
وتشمل هذه التوصيات إطلاق مشروع وطني وميثاق مرجعي للسلوك المدني يعتمد مقاربة تشاركية مندمجة، مع إمكانية ربطه بالتحضيرات المرتبطة بمؤسسة “المغرب 2030″، كما أوصى بإصلاح منظومة العقوبات عبر اعتماد بدائل تربوية وتأهيلية مثل العمل للمصلحة العامة والبرامج الإصلاحية.
ودعا التقرير أيضا إلى إعداد مدونة وطنية للسلوك داخل المرافق العمومية، ترسخ ثقافة القدوة وجودة الاستقبال، إلى جانب تحديث الفضاءات الرياضية من خلال الرقمنة وتعميم التذاكر الذكية واستخدام تقنيات المراقبة لتعزيز الأمن والانضباط.
كما شملت التوصيات إعادة هيكلة قطاع النقل العمومي، خاصة سيارات الأجرة، وتقنين التطبيقات الذكية للنقل، مع رفع جودة التأطير والتكوين لضمان خدمات أكثر أمانا واحترافية.
ويخلص التقرير إلى أن السلوك المدني لم يعد مجرد مسألة قيمية، بل أصبح رافعة أساسية للتنمية والتنافسية، لكون الدول التي حققت مستويات متقدمة في هذا المجال ربطت بين احترام الفضاء العام وجودة الحكامة، ما يجعل من محطة 2030 فرصة مفصلية لترسيخ نموذج حضري أكثر انضباطا وتوازنا.