جذور الصدام ومآلات التوافق
قراءة في ثنائية العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة
تطورت العلاقة بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة عبر ثلاث محطات تاريخية فاصلة، انطلقت من الصدام الوجودي الشرس لتصل مؤخرا إلى فرز برلماني جديد أعاد رسم الخريطة السياسية في المغرب عقب انتخابات شتنبر.
أولا: التطور التاريخي للعلاقة والمحطات الانتخابية
- مرحلة الصدام الوجودي والتأسيس (2008 – 2011)
تأسس حزب الأصالة والمعاصرة (البام) عام 2008 في سياق سياسي مشحون، حيث أعلنت قياداته الأولى صراحة أن الهدف المحوري للمشروع هو مواجهة المد الأيديولوجي للإسلاميين. في المقابل، اعتبر حزب العدالة والتنمية (البيجيدي) هذا الكيان الجديد محاولة “للهيمنة والتحكم” الإداري في المشهد الحزبي. تفاقم الشرخ بعيد أحداث 16 ماي الإرهابية بالدار البيضاء (2003)، عندما واجه “البيجيدي” اتهامات بالمسؤولية المعنوية ومطالب بالحل من وجوه ارتبطت لاحقا بتأسيس “البام”. - الاستقطاب الحاد والثنائية القطبية (2011 – 2016)
عقب حراك 2011 وإقرار الدستور الجديد، تصدر العدالة والتنمية الانتخابات التشريعية. بلغت التنافسية ذروتها في انتخابات 2016، حيث تحول المشهد إلى قطبية ثنائية حادة بين الحزبين. قاد عبد الإله بنكيران خطاً هجومياً صارماً رافضاً لأي تقارب، معتبراً الخلاف مبدئياً يتعلق بالهوية والديمقراطية. - مرحلة البراغماتية والمهادنة (2017 – 2021)
شهدت هذه الفترة تراجع حدة الاستقطاب نسبيا مع قيادة سعد الدين العثماني لـ”البيجيدي”، حيث فرضت التوازنات المجالية والبرلمانية تنسيقات موضعية في بعض المجالس الترابية والبلديات، مما كشف عن قدرة الحزبين على ممارسة “الواقعية السياسية” عند الضرورة.
ثانيا: تجارب مقارنة لتعامل الإسلاميين مع الخصوم الأيديولوجيين
تتنوع النماذج الإقليمية لكيفية تعاطي الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية مع خصومها العقائديين في محطات التحول:
- التجربة التونسية (حركة النهضة): اختارت “النهضة” مسار التوافق التاريخي وعقد تحالفات سياسية مباشرة مع خصومها الأيديولوجيين (مثل حزب “نداء تونس”) لتأمين الاستقرار الدستوري وتفادي الاستئصال، وهو ما عرضها لانتقادات داخلية حادة اتهمتها بتقديم تنازلات مبدئية مجانية.
- التجربة المصرية (حزب الحرية والعدالة): تبنى التنظيم هناك استراتيجية المواجهة والاستئثار السياسي دون صياغة توافقات متينة مع القوى العلمانية والليبرالية، مما عمّق الاستقطاب المجتمعي الحاد وأدى في النهاية إلى مشهد الإقصاء التام والحظر القانوني.
- النموذج التركي (حزب العدالة والتنمية التركي): اعتمد في بداياته على تفكيك بنية الخصوم تدريجياً عبر صناديق الاقتراع والتحالف مع قوى قومية (مثل حزب الحركة القومية)، مستنداً إلى الإنجازات الاقتصادية والمراجعة الفكرية لخطابه القديم ليتحول من حزب إسلامي تقليدي إلى “ديمقراطي محافظ”.
ثالثا: زلزال سبتمبر 2026 ومستقبل التحالفات
أعادت الانتخابات التشريعية الأخيرة في 23 شتنبر 2026 ترتيب الأوراق بشكل جذري:
الحزب البيجيدي البام
المقاعد (2021) 13 86
المقاعد (2026) 54 97
التموقع الحالي اصطفاف بالمعارضة مكلف بقيادة الحكومة
مؤشرات رسم معالم المرحلة المقبلة:
- رفض التموقع الحكومي المشترك: فور تكليف الملك محمد السادس للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، قطع عبد الإله بنكيران الشك باليقين معلنا رفض حزبه المطلق للمشاركة في حكومة يقودها “البام”. وصادق المجلس الوطني لـ”البيجيدي” بالإجماع على التموقع في المعارضة الوطنية المسؤولة القوية.
- شروط التواصل المؤسساتي: تجسد التوتر بوضوح في “الخلاف البروتوكولي” الأخير؛ حيث رفض بنكيران الانتقال إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة للقاء المنصوري في إطار المشاورات العادية، معتبرا أن مكان استقبال رئيسة الحكومة المعينة يجب أن يكون في بيته تكريسا للمقامات السياسية والاعتبارية، ومشددا على أن اللقاء “من باب الصواب” لا يغير الموقف العقائدي للحزب.
- توازن برلماني جديد: يرى مراقبون أن تموقع “البيجيدي” السريع في المعارضة بجانب قوى أخرى سينهي عهد “التغول العددي” ويمهد لميلاد معارضة شرسة متعددة المرجعيات تعيد الحيوية للمؤسسة التشريعية وتقود مساءلة حقيقية للسياسات الحكومية المرتقبة.
تبرهن التطورات الحالية أن الخلاف بين الطرفين تجاوز الطابع العابر ليظل محكوما بـ”فيتو التاريخ والمبادئ” من جانب العدالة والتنمية، مما يجعل أي تحالف حكومي بينهما مستحيلا في الأفق المنظور، ويؤسس لمرحلة جديدة من الصراع البرلماني والسياسي الواضح المعالم.
- محمد سالم البيهي