جبل طارق في مرآة هرمز
هل يستطيع المغرب إغلاق مضيق جبل طارق إذا دخل حربا تتطلّب نهجا تكتيكيا مشابها لما تقوم به إيران حاليا؟ وهل يمكن أن يؤدي الاتفاق الذي سيفضي إلى إعادة فتح معبر “هرمز”، مع احتمال فرض رسوم على السفن كما تطالب إيران، ويعبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية “تقاسم” العائدات؛ إلى تغيير القواعد المعمول بها في المعابر البحرية مثل مضيق جبل طارق، بما يحقّق عائدات مالية جديدة؟
هذه أسئلة وأخرى تبادرت إلى إذهان الكثيرين في الآونة الأخيرة، ولا شيء يمنع التفكير فيها، نظريا وقانونيا. وما يمكن أن يبدو للبعض “خياليا” يخبرنا التاريخ القريب أنه كان واقعا قائما، بما أن الاعتراف المغربي باستقلال الولاية المتحدة الأمريكية قبل قرنين ونصف، جاء مرتبطا بمنح السفن التجارية الأمريكية “الحماية” المغربية، في لحظة كانت فيها واشنطن خارجة لتوها من حرب الاستقلال، وقد فقدت حماية البحرية البريطانية، وأصبحت سفنها التجارية مكشوفة في المتوسط وشمال الأطلسي أمام تهديدات القرصنة والابتزاز السياسي-التجاري.
في هذا السياق، كان القرار المغربي بفتح الموانئ المغربية أمام السفن الأمريكية سنة 1777، ثم الانتقال لاحقا إلى معاهدة السلام والصداقة، خطوة منحت الدولة الجديدة اعترافا مبكرا وإطارا آمنا نسبيا للتبادل في غرب المتوسط والساحل الأطلسي المغربي.
صحيح أن التاريخ يعلّمنا إمكانية تغير القواعد، لكنه يعلمنا أيضا أن الجغرافيا والميزان الدولي والقانون يفرضون على كل مضيق قصته الخاصة، وأن القياس بين هرمز وجبل طارق لا يصح إلا بقدر كبير من التحفظ، فدعونا نجرّب القياس.
في “هرمز”، نحن أمام دولة واحدة تكاد تمسك بزمام الممر البحري، وإن كانت تقابلها فيها سلطنة عمان، وتملك أدوات تعطيل راكمتها لعقود، من ألغام بحرية، وزوارق سريعة، وصواريخ ساحلية، ومسيّرات، وشبكة اشتباك تسمح لها، حتى من دون أن تغلق المضيق منع استعماله، بأن تجعله باهظ الكلفة ومليئا بالمخاطر.
ثم إن “هرمز” نفسه يقع داخل نزاع قانوني وسياسي مفتوح حول مدى إلزامية القواعد الدولية لإيران، بما أنها وقّعت اتفاقية قانون البحار ولم تصادق عليها، وهو ما يترك الباب مفتوحا أمام تأويلات ومناورات لا تتوفر بالحدّة نفسها في مجالات أخرى.
أما جبل طارق، فقصته مختلفة. هو ليس ممرا تتقاسمه دولة مع أخرى على نحو ثنائي واضح، بل فضاء ثلاثي عمليا، مشترك بين المغرب وإسبانيا وبريطانيا عبر صخرة جبل طارق، ويقبع تحت مظلة غربية كثيفة الحضور سياسيا وعسكريا وملاحيا.
وحتى نأخذ فكرة عن طبيعة التوازن القائم في هذه المياه، يمكن العودة إلى تقرير كتبته قبل سنوات، يتضمن وصفا للاستنفار العسكري الذي حدث في المياه المحيطة بصخرة جبل طارق، وكاد يشعل حربا بين إسبانيا وبريطانيا، في سياق خروج هذه الأخيرة من الاتحاد الأوربي.
وإذا تركنا المغرب وإسبانيا بوصفهما الدولتين الأساسيتين المطلتين على المضيق جانبا، فإن قاعدة “روتا” الأمريكية توصف بكونها نقطة ارتكاز استراتيجية لواشنطن وحلفائها قرب المضيق، بينما تصف بريطانيا جبل طارق بأنه موقع استراتيجي الأهمية على بوابة المتوسط، وتعد قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في جبل طارق، منصة كبرى لدعم قوات حلف شمال الأطلسي وإجراء مناوراته.
كما أن مضيق جبل طارق يعدّ أكثر استقرارا من حيث نظامه القانوني، ويخضع لقواعد المرور العابر التي تمنع التعطيل والتعليق والجباية لمجرد المرور في مياهه، ولا تترك للدول المشاطئة إلا هامش التنظيم التقني والأمني والبيئي. أي أنه ليس ملكا لدولة بعينها حتى تتصرف فيه بمنطق السيادة المنفردة، بل شريان من شرايين الملاحة العالمية.
هكذا يصبح مجال التساؤل أضيق. وأقصى ما يمكن أن يُتصور في هذا السياق، وعلى افتراض في حدوث أزمة حادة جدا أو حرب مفتوحة، هو قدرة المغرب على الإرباك أو رفع الكلفة أو التشويش على استخدام المضيق لتهديد مصالحه الحيوية.
أما الإغلاق الفعلي، بالمفهوم الذي يجري في هرمز حاليا، فيحتاج إلى قوة نارية كتافية وذاتية الصنع، ومراقبة وتفوق بحري وجوي وفضائي، وقدرة على ردّ الردع…
الأمر نفسه ينطبق على فكرة الرسوم. كثيرون انبهروا، بمجرد الحديث عن فكرة فرض رسوم على العبور في “هرمز”، كما لو أن العالم يوشك على دخول عصر جديد تصبح فيه المضائق الدولية أكشاك جباية تابعة للقوى الساحلية.
لكن، وحتى لو انتهت أزمة مضيق “هرمز” إلى ترتيب استثنائي، أو مؤقت، أو ملفوف بلغة سياسية تسمح لإيران أو لغيرها بتلقي مقابل معين تحت أي اسم، فإن ذلك لن يعني تلقائيا تغير القواعد العامة للملاحة الدولية. بل قد يعني ذلك أن موازين القوة أنتجت استثناء سياسيا تحت الضغط.
تحويل الاستثناء إلى قاعدة يحتاج إلى ما هو أكبر من صفقة في لحظة توتر. يحتاج إلى قبول دولي واسع، وإلى إعادة تعريف نظام المضايق نفسه، وهو ما لا يبدو ممكنا في الأفق.
إذا أمكن لإيران، أو لغيرها، أن تجني شيئا من إعادة فتح ممر هددته بالقوة العسكرية، فإن ذلك لن يُقرأ في جبل طارق ولا في البوسفور (تركيا) ولا في ملقا (مضيق يقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغفورة) على أنه ترخيص عام بالاقتداء، بل سيُقرأ بوصفه ثمرة ميزان قوى خاص، ومأزق طاقي عالمي خاص، و”ابتزاز” نجح لأنه استند إلى وقائع لا تتكرر بسهولة.
ومع ذلك، يبقى في هذه الأسئلة شيء ثمين يجب ألا يضيع، كونها تذكرنا بأن البحر ليس فضاء قانون فقط، بل فضاء قوة أيضا، وأن القواعد التي تبدو لنا اليوم طبيعية ونهائية، كحرية المرور وعدم فرض الرسوم وتعليق المرور العابر، هي نفسها نتاج تاريخ طويل من الصراع والتفاوض وإعادة التوازن.
لهذا، فإن أفضل ما يمكن أن يخرج به المغرب من هذا النقاش، ليس توقّع إغلاق مضيق جبل طارق أو فرض “ضريبة عبور” على العالم، بل الوعي المتزايد بأن المضائق ليست معطى جغرافيا فقط، بل رافعة سيادية، حين تملك الدولة من القوة الاقتصادية والديبلوماسية واللوجستية ما يجعل وجودها على ضفّته قيمة مضافة لا مجرد معطى خرائطي.
وإذا كان المغرب لا يستطيع أن يخنق الممر إذا تعرّض للخطر، فإنه يستطيع أن يزيد من مركزيته حوله: عبر الموانئ، والخدمات، والأمن البحري، والربط الأطلسي، واللوجستيك، والشراكات، وتحويل موقعه من جغرافيا مهملة إلى جغرافيا مستثمرة… وهو ما يجري حاليا، بل يكاد يمثّل عنوانا لعهد الملك محمد السادس، من خلال مينائي طنجة والناضور، وتطوير كل من القوة العسكرية البحرية للمغرب، ومحاولة إنشاء صناعة وطنية خاصة بالسفن…
إذا كانت الجغرافيا لا تمنح حق “الابتزاز”، فلا شيء يمنع من تحويلها إلى مصدر نفوذ مشروع، دائم، وذكي. وهذا هو الأفق الممكن للمغرب.