story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

“تفرقنا وتفرقت ذكرياتنا”.. صرخة سكان المدينة القديمة بالدار البيضاء في وجه الجرافات

ص ص

“لم نستفد شيئا، ولا نملك تكاليف الكراء، مكتاب الله كيتصرف”.. كانت هذه الكلمات هي القاسم المشترك الذي يختزل معاناة عدد من سكان المدينة القديمة في الدار البيضاء، الذين استقت “صوت المغرب” شهاداتهم المختلفة اليوم الاثنين.

تأتي هذه التصريحات على هامش عمليات الهدم التي باشرتها السلطات المحلية في كل من “زنقة موحا أو سعيد” و”عرصة الحاج عبد السلام” بالمدينة القديمة، اليوم الاثنين 20 أبريل الجاري، وذلك في إطار مشروع “المحج الملكي” الرامي لإعادة تهيئة المدينة.

وبينما كانت الجرافات تشرع في هدم زنقة “موحا أو سعيد” والدروب المتفرعة لها، إلى جانب “عرصة الحاج عبد السلام”، كانت صورة أخرى ترتسم على تعابير بعض السكان الذين اضطروا لمغادرة منازلهم.

أكد بعضهم في تصريحات متطابقة، أنها ليست مجرد عملية هدم ضمن مشروع “المحج الملكي” لإعادة تهيئة العاصمة الاقتصادية، بل هي عملية انتزاع لجذور الذاكرة في المدينة القديمة وترك للأسر في مواجهة “المجهول” ولو بشكل مؤقت.

يصف أحد السكان، الذي اضطر لترك منزله بزنقة “موحا أو سعيد”، مشاعر الحزن التي خيمت على المكان قائلا “لا يمكن إلا أن نكون في حالة حزن، أشاهد عمليات الهدم، قلبي ينفطر وكنحبس الدموع”.

السلطات التي أخطرت السكان بضرورة الإخلاء، تركت خلفها مشهدا تتقاذفه التساؤلات، حيث اضطرت عائلات للتفرق؛ فالبعض لجأ إلى أقاربه، وآخرون استأجروا مساكن في مناطق أخرى، بينما لا يزال آخرون “معلقين” بلا وجهة معلومة، في انتظار وعودٍ لم ترَ النور بعد.

على هامش عمليات الهدم، تبرز صرخة جماعية ترفض “المقاربة” المعتمدة أكثر من رفضها للمشروع ذاته. شاب في مقتبل الثلاثينات يلخص الوجع بقوله: “فرقونا عن ذكرياتنا.. هذا المشهد يوجع القلب”.

ويجمع المتضررون على أنهم ليسوا ضد إعادة تأهيل المدينة القديمة أو مشروع المحج الملكي، بل يوجهون انتقادا لاذعا للطريقة التي تم بها التعامل مع ملفاتهم.

يطالب هؤلاء بـ”تعويض منصف” أو “بديل” يمكنهم من دفع تكاليف الكراء ريثما تتحقق الوعود الرسمية التي تلقوها، متسائلين بمرارة: ” ماعدناش فلوس الكراء.. البعض اضطر إلى بيع أغراضه”.

ولم تكن معاناة الشباب أقل وطأة من معاناة المسنين الذين شهدوا تحولات المكان على مدى عقود؛ سيدة تبلغ من العمر 61 عاما، تقف على أطلال ذكرياتها، تعبر عن شعورها بالظلم قائلة: “حياتي دمرت بمغادرة هذا المكان، أحس بظلم شديد.. لا أحد سيعوضني عن منزلي وجيراني وذكرياتي، أين سأذهب وكيف سأعيش؟”.

تترد تساؤلات في أزقة المدينة القديمة، وسط إحساس عام بالحيرة، حيث تتساءل أخرى بيأس: “ماذا كان سيقع لو تركونا؟، أخبرونا أنهم سيباشرون الهدم في شهر يونيو المقبل، لكنهم أعلمونا بالهدم قبل خمسة عشر يوماً فقط. وأمس، قطعوا عنا الماء والكهرباء”.

تقول إحدى السيدات، إن قائد المنطقة وعدها بأنها ستستفيد من سكن بديل، كما أنه تناهى إلى سماعها بأن بعض الأشخاص استفادوا من شيك يقدر بسبعة ألف درهم، لكن هي لم تحصل على هذا المبلغ بعد.

بين طموح “المحج الملكي” لإعادة هيكلة الدار البيضاء، ومرارة الواقع الاجتماعي للساكنة، تظل التساؤلات قائمة حول مصير مئات العائلات التي وجدت نفسها فجأة خارج جدران بيوتها، في انتظار حلول قد لا تأتي بالسرعة التي تقتضيها حاجتهم الماسة للاستقرار.

من جانب آخر، كانت نبيلة الرميلي، رئيسة جماعة الدار البيضاء، أفادت في شتنبر الماضي بعد المصادقة على مشروع إعادة تسريع المحج الملكي بأنه يعد خطوة تاريخية لتحويل المدينة إلى مدينة ميتروبولية، وذلك خلال كلمة لها أثناء أشغال الدورة الاستثنائية، من أجل الدراسة والتصويت على مشروع اتفاقية شراكة لتسريع إنجاز هذا المشروع.

ووصفت الرميلي الاتفاقية الخاصة بالمشروع بأنها جزء من رؤية أكبر للدولة المغربية لجعل الدار البيضاء مدينة متروبولية تضاهي كبرى المدن العالمية مثل نيويورك وبوسطن، التي تتميز بمشاريع استدامة ضخمة.

كما شددت العمدة، في ذلك الوقت، على أن المشروع يمثل لحظة فارقة أو طفرة في تاريخ المدينة، وقالت إنها تسجل بفخر أنه خلال هذه الفترة الانتدابية تم اتفاق على مشروع مهيكل، يحقق حلما طال انتظاره للملك الراحل الحسن الثاني.

ويقام مشروع المحج الملكي، الذي يعد أكبر متنزه في أفريقيا، بحسب العمدة، على مساحة 50 قنطارا، وبميزانية تقدر بـ 2 مليار درهم، ويشمل المشروع حي النسيم، والذي سيضم محطات للقطار الجهوي والقطار فائق السرعة، بالإضافة إلى مباني سكنية جديدة.

وأشارت الرميلي إلى أن بعض سكان منطقة المحج الملكي سيستفيدون من شقق جديدة في حي النسيم بالحي الحسني، ضمن إطار إعادة الإسكان.