تعذر البت في قانون المحاماة.. قانونيون يناقشون مسؤولية الإحالة وتدبير النقص المسطري
أثار قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بمطابقة القانون رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، نقاشاً قانونياً بعدما اعتبرت المحكمة أن الجهة المحيلة لم ترفق طلبها بالنسخة النهائية من القانون كما صادق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية.
ووفق القرار، فإن الإحالة اقتصرت على تقرير عن أعمال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، تضمن مشروع القانون في إطار القراءة الثانية، إلى جانب وثائق من بينها النص الذي وافق عليه مجلس النواب، دون إرفاق النص الذي صادق عليه مجلس المستشارين في صيغته النهائية.
وفي قراءة للقرار، يرى المحامي وعضو الجبهة الوطنية للدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة، محمد أغناج، أن تعليل المحكمة “فتح نقاشاً قانونياً ودستورياً عميقاً” حول كيفية تدبير النواقص المسطرية أمام القضاء الدستوري، متسائلاً عما إذا كان بإمكان المحكمة الاستعانة بالقواعد العامة الواردة في قانون المسطرة المدنية لسد الفراغات الإجرائية التي لا تنظمها النصوص الخاصة بها.
في المقابل، ذهبت المحامية والبرلمانية السابقة أمينة ماء العينين إلى طرح مجموعة من التساؤلات بشأن مسؤولية رئيس مجلس النواب عن الإحالة، وكذلك بشأن طريقة تعامل المحكمة الدستورية مع النقص في وثائق الملف والمدة التي استغرقتها قبل التصريح بتعذر البت.
أغناج: كان يمكن تدارك نقص الوثائق
ويركز أغناج، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، على نقطة مسطرية يعتبرها أساسية، مفادها أن المحكمة الدستورية عللت قرارها بكون الإحالة لم تُرفق بنسخة رسمية من القانون بالصيغة التي صادق عليها مجلسا النواب والمستشارين في القراءة الثانية.
وقال: “لست هنا في معرض نقد العبثية التي رافقت هذا المشروع في مساره غير الطبيعي منذ بداية مسلسل تشريعه”، مشيراً إلى أن الأمر بتعلق بـ”نقطة مسطرية” يعتبرها مهمة في مسار الفقه الدستوري والقضائي المغربي.
وبحسبه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بوجود نقص في وثائق الإحالة، وإنما بما إذا كانت المحكمة الدستورية ملزمة، في مثل هذه الحالة، بالتصريح بتعذر البت، أم كان بإمكانها اعتماد آلية إجرائية تسمح باستكمال الوثائق الناقصة.
وطرح في هذا السياق سؤالاً حول ما إذا كانت المحكمة الدستورية “لا يمكنها أن تسترشد بالقواعد المسطرية المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية عند نظرها في القضايا المعروضة عليها”، موضحاً أنه يقصد القواعد التي لا تتعارض مع القواعد الخاصة المنظمة للمحكمة، سواء تلك المنصوص عليها في قانونها التنظيمي أو نظامها الداخلي أو القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية.
ويعتبر أغناج أن قانون المسطرة المدنية يمكن أن يشكل “شريعة عامة” للإجراءات والمساطر القضائية في القانون الوطني، موضحاً أن الرجوع إلى قواعده يمكن أن يتم عندما “يوجد فراغ إجرائي في النصوص الخاصة بالمحكمة الدستورية، شريطة ألا تتعارض القاعدة المستعان بها مع طبيعة القضاء الدستوري”.
واستند، في هذا الإطار، إلى المادة 77 من قانون المسطرة المدنية، ولا سيما فقرتها السادسة، التي تنص على “إنذار رئيس الهيئة أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية، عند الاقتضاء، كل طرف أو وكيله أو محاميه بتدارك البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها، أو بالإدلاء بالنسخ الكافية والمستندات المعتمدة، داخل أجل يحدده، تحت طائلة الحكم بعدم القبول”.
ويرى أن إعمال هذا المقتضى “كان يمكن أن يجنب مؤسسات دستورية مسؤولة حرج صدور مثل هذا القرار”، معتبراً أن القرار، في هذه الحالة، يثير التباساً ويخلق، بحسب تعبيره، “سابقة غير مفهومة”.
شروط الرجوع إلى القواعد العامة
ويؤكد أغناج أن إمكانية الاستعانة بقواعد المسطرة المدنية لا تعني تطبيقها بشكل مطلق أمام المحكمة الدستورية، وإنما “تظل مشروطة بغياب نص خاص ينظم المسألة وبألا تتعارض القاعدة المدنية مع خصوصية القضاء الدستوري”.
ويشير في هذا السياق إلى أن القواعد العامة يمكن الاستعانة بها عندما “يسكت القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية أو نظامها الداخلي عن تنظيم مسألة إجرائية معينة”، كما يشترط ألا تتنافى القاعدة المراد تطبيقها مع طبيعة المنازعة الدستورية وآجال البت الملزمة للمحكمة.
وفي المقابل، يميز المتحدث بين القواعد التي يمكن الاستعانة بها وتلك التي لا يمكن تطبيقها بسبب تعارضها مع خصوصية القضاء الدستوري.
ويورد ضمن القواعد التي يرى إمكانية إعمالها، القواعد المتعلقة بأهلية التقاضي والصفة والمصلحة، وإصلاح الأخطاء المادية، وبعض وسائل التحقيق، فضلاً عن قواعد تجريح الأعضاء وتنازع المصالح، بينما يستبعد طرق الطعن العادية وغير العادية، باعتبار أن قرارات المحكمة الدستورية نهائية، كما يستبعد الآجال والقواعد المسطرية التي تتعارض مع الآجال الخاصة بالمحكمة الدستورية.
ويستحضر محمد أغناج، في هذا الصدد، أمثلة من القضاء الدستوري المقارن، من بينها المجلس الدستوري الفرنسي والمحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية والمحكمة الدستورية الإيطالية، للقول إن بعض الأنظمة الدستورية تتيح، بدرجات مختلفة، الاستعانة بقواعد إجرائية عامة عند وجود فراغ في النصوص الخاصة.
ماء العينين: لماذا أحيل القانون بهذه الطريقة؟
من جهتها، تطرح أمينة ماء العينين، المحامية والبرلمانية السابقة، مجموعة من التساؤلات حول ظروف إحالة القانون على المحكمة الدستورية، معتبرة أن رئيس مجلس النواب “أخل بأبسط شكليات الإحالة على المحكمة الدستورية”.
وتقول ماء العينين إن رئيس مجلس النواب أحال تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، متضمناً مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه مجلس النواب، “دون إرفاقه بنسخة نهائية من القانون كما صادق عليه مجلس المستشارين في صيغته النهائية”، وهو ما أدى إلى قرار المحكمة بتعذر البت بعد مرور شهر على إحالة القانون.
وتطرح في هذا السياق سؤالاً حول سبب إحالة القانون بهذه الطريقة، معتبرة أن رشيد الطالبي العلمي، بحكم تجربته الطويلة في رئاسة مجلس النواب، يفترض أن يكون مطلعاً على هذه المسائل ذات الطبيعة المسطرية.
كما تتساءل عن سبب عدم الاستعانة بالأطر القانونية الموجودة داخل مجلس النواب، والتي راكمت خبرة في المساطر التشريعية وشكليات الإحالة بين المؤسسات.
وتطرح ماء العينين كذلك احتمالين بشأن طبيعة هذا الإخلال: هل كان مقصوداً رغم حساسية القانون والاحتجاجات المهنية التي رافقت مساره، أم أن الأمر يتعلق بخطأ غير مقصود تعتبره “جسيماً وغير مقبول من مؤسسة بحجم مجلس النواب؟”
كما تطرح سؤالاً آخر حول ما إذا كان رئيس مجلس النواب سيعيد إحالة القانون على المحكمة الدستورية بعد تصحيح المسطرة ومعالجة الإخلال الذي أشارت إليه المحكمة.
“انتقائية إجرائية”
ولا تقتصر تساؤلات ماء العينين على مؤسسة البرلمان، إذ تطرح أيضاً أسئلة بشأن طريقة تعامل المحكمة الدستورية نفسها مع الإخلال الذي حال دون بسط رقابتها على النص.
وتتساءل، على وجه الخصوص، عن سبب انتظار المحكمة شهراً كاملاً قبل التصريح بتعذر البت بسبب نقص مسطري، معتبرة أنه كان بالإمكان “تدارك هذا النقص من خلال الأمر باستحضار نسخة القانون كما صادق عليها مجلس المستشارين”.
وتربط ماء العينين هذا التساؤل بما تقول إنه وقع في مناسبة سابقة عند فحص المحكمة الدستورية لدستورية قانون المسطرة المدنية، إذ “وقع نفس الخطأ المتعلق بنقص الوثائق، قبل أن تأمر المحكمة باستحضار النسخة الناقصة ثم تواصل فحص جوهر القانون”.
ومن هنا تتساءل: “ماذا تغير بين الأمس القريب واليوم؟”، وتطرح ما تصفه بـ”الانتقائية الإجرائية” للمحكمة الدستورية.
كما تتساءل عما إذا كان ممكناً مراسلة رئيس مجلس النواب وإنذاره لتصحيح المسطرة، بدل الانتظار إلى حين التصريح بتعذر البت.
وتعتبر ماء العينين أن القضاء المغربي تجاوز إصدار أحكام بعدم القبول لمجرد الإخلالات الشكلية، بما فيها نقص الوثائق والبيانات الإلزامية، قبل إنذار الأطراف بتصحيح المسطرة، معتبرة أن ذلك يرتبط بالحرص على “الزمن القضائي ومصالح الأطراف”.
وترى أن هذا المقتضى حمله قانون المسطرة المدنية الجديد الذي سبق للمحكمة الدستورية نفسها أن فحصته، وهو ما تعتبره سبباً إضافياً لطرح سؤال حول كيفية تعامل المحكمة مع النقص المسطري في النازلة الحالية.
انتقادات تتركز على المسطرة
وتشدد ماء العينين على أن التساؤلات التي تطرحها “لا تتجاوز الجانب القانوني والمسـطري، ولا تدخل في ما هو أدبي سياسي” بالنظر إلى حساسية القانون موضوع النقاش.
وترى، مع ذلك، أن ما حدث “يسيء للمؤسسات ومصداقيتها والجدية والكفاءة التي يجب أن تتسم بها وهي تباشر مهامها الدستورية الجسيمة”، معتبرة أن طبيعة هذه المهام لا تسمح بهذا النوع من الارتباك.
وتربط ماء العينين النقاش المسطري بمآل القانون نفسه، مشيرة إلى أن النص موضوع الإحالة يأتي في سياق قانون “تسبب في شلل كبير في المحاكم وأضر بمصالح المتقاضين”، بحسب تعبيرها. وذكرت أن هذه المصالح كان يفترض أن تكون في صدارة الأولويات “لبعدها الحقوقي والأخلاقي”.
وتحمل، في هذا السياق، الحكومة الحالية “المسؤولية عن هذه الحقوق المهدورة”، وتربط ذلك بمصالح المتقاضين وذويهم.