تصعيد جديد في اليمن وسط اشتباكات في حضرموت وقصف سعودي
تشهد الأزمة اليمنية منعطفا جديدا بعد اندلاع مواجهات عسكرية، يوم الجمعة 2 يناير 2025، في محافظة حضرموت، بين قوات تابعة للحكومة المعترف بها دولياً وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، في ظل تصعيد سياسي وعسكري غير مسبوق خلال الأيام الأخيرة.
وأعلن محافظ حضرموت سالم الخنبشي إطلاق عملية عسكرية تحت اسم “استلام المعسكرات”، تهدف إلى تسلّم المواقع العسكرية من القوات الانفصالية التابيعة للمجلس الانتقالي الجنوبي -المدعومة إماراتياً- بشكل “سلمي ومنظم”، مشددا على أن العملية لا تمثل إعلان حرب، بل إجراءً وقائيا للحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع انزلاق المحافظة نحو الفوضى.
ويأتي هذا التطور بعد قرار أصدره رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قضى بتكليف الخنبشي بالقيادة العامة لقوات “درع الوطن” -المدعومة سعودياً- في حضرموت، ومنحه صلاحيات عسكرية وأمنية وإدارية واسعة، في خطوة اعتُبرت محاولة لإعادة بسط سلطة الدولة على المحافظة الاستراتيجية.
اشتباكات وقصف جوي
ميدانيا، أفادت تقارير إعلامية يمنية نقلاً عن مصادر حكومية باندلاع اشتباكات داخل عدد من المعسكرات، أبرزها معسكر الخشعة بوادي حضرموت، إذ قالت قناة سبأ إن قوات “درع الوطن” تمكنت من السيطرة على نقاط عسكرية محيطة بالمعسكر.
وفي تطور لافت، أعلن مسؤول بوزارة الإعلام اليمنية أن مقاتلات التحالف العربي نفذت بقيادة السعودية غارات جوية استهدفت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد نصبها كمائن على طرق تحرك القوات الحكومية.
من جهته، أكد حلف قبائل حضرموت مشاركته في عملية استلام المعسكرات، ودعمه الكامل لقرارات مجلس القيادة الرئاسي، داعيا إلى حقن الدماء وتجنب التصعيد.
الانفصاليون يدعون للتعبئة
في المقابل، اتهم المجلس الانتقالي الجنوبي القوات الحكومية بشن “هجوم منسق” على حضرموت، واعتبر أن القوات التي دخلت المحافظة “قادمة من خارجها”، واصفا ما يجري بـ”العدوان المكتمل الأركان”.
ودعا نائب رئيس المجلس الانتقالي أحمد سعيد بن بريك إلى إعلان التعبئة العامة في حضرموت، مطالبا بدعم قوات “النخبة الحضرمية”، في حين اتهم المتحدث باسم قوات المجلس السعودية بتنفيذ غارات جوية ضد قواته.
موقف سعودي وانتشار بحري
على الصعيد الإقليمي، أعلن تحالف دعم الشرعية أن البحرية السعودية أكملت انتشارها في بحر العرب لتنفيذ عمليات تفتيش ومكافحة التهريب.
وفي لهجة غير مسبوقة، قال السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر إن جهود بلاده لاحتواء التصعيد وخروج قوات المجلس الانتقالي من حضرموت واجهت رفضا من رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، محمّلا إياه مسؤولية اتخاذ قرارات “أحادية” أخلّت بالوضع الأمني، من بينها إغلاق مطار عدن الدولي ومنع طائرة سعودية رسمية من الهبوط.
وتزامن التصعيد العسكري مع أزمة في حركة الطيران، بعد أن فرضت الحكومة اليمنية قيودا جديدة على الرحلات القادمة من الإمارات وإليها، بهدف خفض التصعيد، وهو ما رفضه المجلس الانتقالي.
وأصدر وزير النقل التابع للمجلس الانتقالي قرارا بوقف جميع الرحلات الجوية من مطار عدن وإليه، الأمر الذي نفته الحكومة اليمنية، مؤكدة أن الإجراءات المتخذة “تنظيمية ومحدودة” ولا ترقى إلى إغلاق المطار. وحملت الحكومة المجلس الانتقالي مسؤولية أي تداعيات إنسانية أو اقتصادية ناتجة عن تعطيل حركة الطيران.
وتأتي هذه التطورات في سياق أزمة سياسية متفاقمة، اندلعت منذ مطلع الأسبوع الجاري عقب مطالبة رئيس مجلس القيادة الرئاسي بانسحاب القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، إلى جانب الدعوة إلى انسحاب قوات المجلس الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة.
وفي ظل استمرار الاشتباكات وتبادل الاتهامات، يظل مستقبل حضرموت مفتوحا على كافة السيناريوهات، وسط مخاوف من اتساع رقعة الصراع داخل المعسكر المناهض لجماعة الحوثي.
خلفيات التصعيد
لا يمكن فصل التصعيد الجاري في شرق اليمن عن مسار توترات متراكمة بين السعودية والإمارات، الحليفين الرئيسيين في التحالف العربي منذ عام 2015. فخلال العامين الأخيرين، برز تباين واضح في الرؤى بين الطرفين حول مستقبل جنوب اليمن، خاصة في محافظتي حضرموت والمهرة ذواتي الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية.
ففي حين تدفع الرياض نحو تعزيز وحدة الدولة اليمنية، وتأمين سواحل بحر العرب باعتبارها عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي، تدعم أبوظبي قوى محلية، على رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتبنى مشروعاً انفصالياً ويسعى إلى بسط نفوذه على الموانئ والمواقع الحيوية في الجنوب.
وقد تصاعد هذا التناقض مع توسع نفوذ المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً في عدد من المحافظات الجنوبية، مقابل تحركات سعودية مضادة شملت تشكيل قوات “درع الوطن” ودعم قوى قبلية محلية، ضمن “حلف قبائل حضرموت”، الرافضة لفرض أمر واقع بالقوة.
ويرى مراقبون أن هذا الصراع المحلي تداخل مع تحولات إقليمية أوسع، خاصة في ظل التنافس المتزايد على الممرات البحرية الحيوية، من باب المندب إلى بحر العرب، وتنامي أدوار فاعلين إقليميين ودوليين في القرن الأفريقي. وقد زادت هذه المخاوف مع التطورات الأخيرة في الضفة المقابلة من خليج عدن، وما رافقها من حديث عن ترتيبات أمنية بعد الاعتراف الإسرائيلي باستقلال دولة “أرض الصومال” الإنفصالية.
وفي هذا السياق، اعتُبر التصعيد الأخير في حضرموت تتويجاً لمسار طويل من الخلافات غير المعلنة، وانتقالاً من إدارة التباينات خلف الكواليس إلى مرحلة “تسمية الأطراف” ورسم خطوط حمراء بشكل علني، بما ينذر بإعادة تشكيل موازين القوى داخل اليمن، وربما إعادة النظر في طبيعة التحالف الذي تشكل قبل نحو عقد من الزمن.