story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

بين غضب الماء والكهرباء وأزمة الثقة.. إلى أين تتجه احتجاجات تونس؟

ص ص

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها تونس تقتصر على التنديد بانقطاع الكهرباء والمياه أو المطالبة بتحسين الخدمات العامة، بل بدأت تأخذ منحى سياسياً مع اتساع رقعة التحركات في عدد من المدن، ورفع شعارات تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد وإسقاط النظام، في ظل اتهامات المعارضة بأن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية باتت مرتبطة مباشرة بطريقة إدارة السلطة للبلاد.

وتزامنت هذه الاحتجاجات مع الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية، والذكرى الخامسة لما يعرف بـ”مسار 25 يوليوز”، الذي أطلقه الرئيس قيس سعيّد سنة 2021، في وقت تواجه فيه تونس أزمة معيشية متفاقمة، تجلت في اضطرابات متكررة في خدمات الكهرباء ومياه الشرب، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وسط اتهامات للسلطات بالعجز عن معالجة الأوضاع، مقابل اتهامها أطرافاً سياسية باستغلال الاحتقان الاجتماعي وتأجيج الشارع.

وبينما ترى المعارضة أن ما يجري هو نتيجة سنوات من تراجع المسار الديمقراطي، تشدد الرئاسة على أن الإجراءات الاستثنائية كانت ضرورية لإنقاذ الدولة ومحاربة الفساد. وبين هذا وذاك، تتجاوز الاحتجاجات الحالية بعدها الاجتماعي لتعيد فتح النقاش حول مستقبل النظام السياسي في تونس، وحدود قدرة السلطة على احتواء موجة غضب جديدة.

بماذا يطالب التونسيون؟

في هذا الصدد، يقول الصحافي التونسي عائد عميرة إن ما تعيشه تونس اليوم عبارة عن أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، مؤكداً على أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه عمّقت هذا الوضع، وأن الدولة “التزمت الصمت لأيام طويلة ولم تقدم أسباباً مقبولة تفسر هذه الانقطاعات”، وهو ما دفع فئات من المواطنين إلى الخروج للمطالبة، وفق تعبيره، بـ”أبسط الحقوق، وهي التمتع بالكهرباء والمياه”.

ويرى عميرة، ، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن السلطات تُرجع الأزمة إلى موجة الحر، غير أنه يعتبر أن السبب الرئيسي يعود إلى الأزمة المالية التي تعيشها الدولة، وعدم توفر الموارد الكافية لشراء الغاز والطاقة، مضيفاً أن الأزمة الاقتصادية انعكست بشكل مباشر على سير المرافق العمومية.

من جانبها، ترى رجاء شعباني أن اختزال الاحتجاجات في أزمة الكهرباء لا يعكس الصورة الكاملة، معتبرة أن ما يجري هو امتداد لموجة احتجاجية بدأت منذ أواخر سنة 2025، وشملت مطالب اجتماعية واقتصادية وبيئية، قبل أن تتقاطع في 25 يوليوز مع احتجاجات ذات بعد سياسي، تزامنت مع الذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد سنة 2021.

وتقول الصحافية التونسية، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن ما يجري اليوم في تونس “لا يمكن اعتباره حدثاً معزولاً أو مجرد رد فعل على أزمة الكهرباء، بل هو امتداد لموجة احتجاجية أخذت تتصاعد تدريجياً خلال الأشهر الماضية”، مشيرة إلى أن البلاد شهدت تحركات اجتماعية متكررة، وثقها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خلال الأشهر الماضية “تنوعت بين المطالبة بالحق في العمل، وصرف الأجور، وتحسين الخدمات العامة، إلى جانب الاحتجاجات البيئية المستمرة في مدينة قابس ضد التلوث الصناعي”.

وترى شعباني أن احتجاجات 25 يوليوز جمعت مختلف هذه المطالب في لحظة سياسية ورمزية واحدة، معتبرة أنه رغم أن حجم المشاركة لا يزال أقل من الزخم الذي عرفته تونس خلال ثورة 2011، فإنها تمثل “واحدة من أبرز التحركات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة”.

وتلفت إلى أن أهمية هذه الاحتجاجات لا تكمن فقط في عدد المشاركين، وإنما في طبيعة الفئات التي نزلت إلى الشارع، حيث برز حضور واسع للشباب، إلى جانب عائلات المعتقلين السياسيين، والحقوقيين، ونشطاء المجتمع المدني، في مقابل حضور محدود للأحزاب السياسية التقليدية، وهو ما تعتبره مؤشراً على أن الشارع “لم يعد ينتظر المبادرة من الفاعل الحزبي التقليدي، بل بدأ ينتج ديناميكيته الخاصة”، مشيرة إلى أنه “تطور قد تكون له انعكاسات مهمة على المشهد السياسي التونسي”.

وبحسب الصحافية التونسية، فإن أزمة انقطاع الكهرباء والمياه، التي أثرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين خلال موجة الحر، كانت الشرارة المباشرة للاحتجاجات، لكنها لم تكن السبب الوحيد.

وتوضح أن ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار البطالة، واتساع الفوارق بين الجهات، وضعف الخدمات العمومية، “راكمت شعوراً واسعاً بالإحباط”، قبل أن يتقاطع ذلك مع “تراجع الثقة في المؤسسات، وانكماش المجال العام، وضعف آليات الرقابة والمساءلة”، وبالتالي فإن “الفصل بين الاقتصادي والسياسي في الحالة التونسية لم يعد ممكنًا”، بحسب تعبيرها.

وترى أن الاقتصاد “هو ما دفع الناس إلى الشارع”، لكن االسياسة هي التي جعلت الاحتجاجات “تتجاوز المطالب المعيشية لتتحول إلى نقاش أوسع حول طبيعة الحكم ومستقبل المؤسسات وحق المواطنين في المشاركة في صنع القرار”.

غير أن الصحافي عائد عميرة يؤكد على أن الأزمة الاقتصادية هي ما دفع المواطنين إلى الخروج للمطالبة بحقوقهم الأساسية، وقال: “لم نطالب اليوم بإسقاط النظام أو غيره، بل نطالب بأبسط الحقوق وهي التمتع بالكهرباء والماء”، معتبراً أن المطالب الاجتماعية كانت المحرك الأساسي للتحركات في عدد من المناطق.

وقد تكون “بعض الاحتجاجات قد طالبت بإسقاط نظام قيس سعيد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفتح الفضاء العام”، بحسب الصحافي عائد عميرة في إشارة إلى المظاهرة التي شهدتها العاصمة يوم 25 يوليوز، والتي وصفها بأنها “حاشدة مقارنة بالمظاهرات السابقة”، إلا أن النظام يضيف المتحدث: “يواجه هذه الاحتجاجات بالصمت واللامبالاة؛ لأنه يعلم جيداً أن الشارع التونسي لم تعد تحركه هذه المظاهرات، إد أنها تبقى مظاهرات فئوية صغيرة”.

“لم يكن اختيار يوم 25 يوليوز اعتباطياً”. تقول رجاء شعباني، مشيرة إلى أنه بالنظر إلى ما يحمله هذا التاريخ من رمزية، فهو يوافق ذكرى إعلان الجمهورية سنة 1957، كما يصادف مرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، والتي يعتبرها تونسيون نقطة تحول “أنهت المسار الديمقراطي الذي انطلق بعد الثورة، وأدت إلى تركيز السلطة التنفيذية وإضعاف المؤسسات المنتخبة وتراجع التعددية السياسية”.

وتضيف أن تزامن هذه الذكرى مع أزمة الخدمات الأساسية منح الاحتجاجات زخماً إضافياً، معتبرة أن “تقاطع أزمة الخدمات مع أزمة الثقة في المؤسسات يجعل قدرة الشارع على التعبئة أكبر بكثير مما لو تعلق الأمر بملف اقتصادي منفصل”، وهو ما جعل الاحتجاجات تحمل، في نظرها، رسالة سياسية تتجاوز الاحتجاج على سوء الخدمات.

وترى المتحدثة أن الاختلاف بين احتجاجات اليوم وتلك التي عرفتها تونس بعد الثورة لا يكمن في حجم الغضب، بل في طبيعة البيئة السياسية التي تتحرك فيها.

وتوضح أنه بعد سنة 2011 كانت الأحزاب والبرلمان ومنظمات المجتمع المدني تشكل قنوات للتفاوض والوساطة، بينما تقلص دور جزء كبير من هذه المؤسسات اليوم، الأمر الذي أعاد للشارع مكانته باعتباره الفضاء الرئيسي للتعبير السياسي.

كما تشير إلى أن الجيل الذي يقود جزءاً مهماً من الاحتجاجات الحالية أقل ارتباطاً بالاستقطاب الحزبي التقليدي، وأكثر تركيزاً على قضايا الحقوق، والعدالة الاجتماعية، والحريات العامة، معتبرة أن التحركات الحالية تعيد طرح أسئلة تتعلق بطريقة إدارة الدولة والعلاقة بين السلطة والمجتمع ومستقبل المشاركة السياسية.

كيف واجهت السلطات غضب الشارع؟

وفي حديثه عن تعامل السلطات مع الأزمة والاحتجاجات، يقول عائد عميرة إن الدولة التونسية لم تكتفِ بعدم معالجة أسباب الأزمة، بل اختارت، وفق تقديره، سياسة “الصمت والهروب إلى الأمام“.

وأشار إلى أن السلطات “ظلت صامتة لأيام طويلة، ولم تقدم أي أسباب مقبولة تفسر الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه”، مضيفاً أن تبرير الأزمة بموجة الحر “لا يعكس السبب الحقيقي”، الذي يربطه بـ”عدم امتلاك الدولة الموارد المالية الكافية لشراء الغاز والطاقة”.

وفي ما يتعلق بتعاطي الدولة مع الاحتجاجات، يرى المتحدث أن السلطات انتقلت من أسلوب القمع المباشر الذي كان يطبع تعاملها مع المظاهرات في السابق، إلى سياسة تقوم على تجاهل التحركات والامتناع عن التفاعل معها.

ويعزو ذلك إلى ما يصفه بحالة من التكيف القسري لدى شريحة من التونسيين مع تدهور الأوضاع المعيشية، إلى درجة أن بعضهم بات، وفق تعبيره، “يطالب بالمساواة في البؤس”.

سيناريوهات الحراك

وبخصوص مآلات الحراك الحالي، ترى رجاء شعباني أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار الاحتجاجات بصورة متقطعة ومتفاوتة من منطقة إلى أخرى، بالنظر إلى أن العوامل التي دفعت المواطنين إلى النزول إلى الشارع ما تزال قائمة، سواء تعلق الأمر بالأزمة الاقتصادية، أو تراجع الخدمات العمومية، أو حالة الاحتقان السياسي.

وتوضح الصحافية التونسية أن تحول هذه التحركات إلى موجة وطنية أوسع سيظل مرتبطاً بعدة عوامل، من بينها “قدرة القوى المدنية والسياسية على بناء أرضية مشتركة، واستمرار الضغوط المعيشية، وطبيعة تعامل السلطة مع المحتجين”، سواء عبر فتح قنوات الحوار والاستجابة للمطالب، أو اعتماد المقاربة الأمنية.

وترى شعباني أن مستقبل المشهد التونسي لن تحدده الاحتجاجات وحدها، بل أيضاً قدرة مختلف الفاعلين على تقديم أفق سياسي مقنع، مشيرة إلى أن “التجارب السابقة أظهرت أن الغضب الشعبي قادر على إطلاق موجات احتجاجية، لكنه يحتاج إلى مشروع سياسي قادر على تحويل هذا الغضب إلى مسار إصلاحي مستدام”.

في المقابل، يستبعد الصحافي عائد عميرة حدوث تغييرات سياسية قريبة في تونس، معتبراً أن النظام الحالي “أحكم السيطرة على مفاصل الدولة”، وأن جزءاً كبيراً من المجتمع أصبح منشغلاً أساساً بتدبير ظروفه المعيشية اليومية.

ويرى عميرة أن السيناريوهات الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة تتمثل في “عودة الشارع إلى الصمت، أو استمرار حالة التكيف مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة”، محذراً في الوقت نفسه من أن زيادة الضغوط الأمنية قد تؤدي إلى تعميق الأزمة بدل احتوائها.

ويقول الصحافي التونسي إن الأولويات الاجتماعية والاقتصادية أصبحت تطغى على انشغالات جزء واسع من المواطنين، مضيفاً أن “الشعب أصبح يبحث عن قوت يومه”، وأن المطالب المرتبطة بالحريات أو الشأن السياسي لم تعد، بحسب تقديره، “في صدارة اهتمامات كثير من التونسيين مقارنة بالمطالب الأساسية المرتبطة بالماء والكهرباء والقدرة على العيش”.

اختبار لذاكرة الربيع

في قراءتها للأبعاد الإقليمية للاحتجاجات الحالية، ترى رجاء شعباني أن ما تعيشه تونس اليوم يعكس تحديات اجتماعية واقتصادية لا تقتصر على الحالة التونسية، بل تشترك فيها مع عدد من بلدان المنطقة، موضحة أن ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الخدمات العامة، إضافة إلى أزمات الطاقة والمياه، “كلها تحديات تواجه مجتمعات عربية عديدة بالمنطقة، وبالتالي فإن البعد الاجتماعي للأزمة ليس تونسياً خالصاً”، حسب تعبيرها.

غير أنها تؤكد أن خصوصية تونس لا تكمن فقط في طبيعة الأزمة الاقتصادية، وإنما في تاريخها السياسي. وتوضح أن تونس تحتل موقعاً مختلفاً في الوعي السياسي العربي باعتبارها البلد الذي انطلقت منه شرارة الربيع العربي سنة 2011، والتجربة التي “ارتبطت، ولو لفترة، بأكبر الآمال في إمكانية تحقيق انتقال ديمقراطي في المنطقة”.

ورغم ما تعرض له ذلك المسار لاحقًا من انتكاسات داخل تونس، وما شهدته المنطقة من حروب وصراعات وإخفاقات أدت إلى إخماد كثير من مطالب الربيع العربي أو تعطيلها، فإن الذاكرة السياسية العربية، تضيف الصحافية التونسية “ما زالت تربط أي تحول كبير في تونس بإمكانات تتجاوز حدودها الوطنية”.

وتضيف الصحافية رجاء شعباني أن الأنظار تتجه اليوم إلى تونس باهتمام يتجاوز حجم الاحتجاجات نفسها، موضحة أن ذلك “لا يعني الجزم بموجة جديدة من التغيير”، وإنما يعود إلى أن كثيرين يرون أن أي تحول في تونس قد يعيد فتح النقاش حول المطالب التي رفعتها شعوب المنطقة قبل أكثر من عقد، وفي مقدمتها “الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، ودولة القانون”.