بيدرو سانشيز الأيوبي
منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية الأخيرة على غزة، ظل الموقف الإسباني يثير اهتمامي بشكل كبير، لتجاوزه كل الحدود المألوفة للموقف الأخلاقي الذي يمكن أن تعبّر عنه الدول المنبثقة عن مجتمعات ديمقراطية.
وكانت اللغة الإسبانية، التي لا أتقنها، تقف حاجزا بيني وبين الفهم العميق لهذا السلوك، ما جعلني أمرّ عبر مصادر وكتابات وسيطة لم تقنعني يوما بأنني أمسكت بخيط الفهم الواضح لهذا الموقف الإسباني الذي لم يكن تعبيرا ظرفيا، ولا موقفا رمزيا، ولا مجرد رفع للعتب، بل تأكد مع الوقت أنه موقف رسمي لحكومة تعتبر نفسها امتدادا لرأي عام وطني وتيار وازن في المجتمع.
التقيت قبل أسابيع بدبلوماسي إسباني مجرّب، وجمعت بيننا أحاديث تنمّ عن احترام متبادل، خلافا لذلك السلوك “الخبيث” الذي يطبع أداء بعض الدبلوماسيين أحيانا. وانطلاقا من ذلك طلبت منه أن يفسّر لي هذا الموقف الإسباني كما يُرى من الداخل.
لم يخرج حديث الرجل عن البعد الديمقراطي باعتباره عنصرا مفسّرا، مع حرصه على تذكيري بطبيعة الحلفاء اليساريين للاشتراكي بيدرو سانشيز داخل الائتلاف الحكومي، والذين يحملون مواقف قديمة وراسخة تجاه القضية الفلسطينية.
ورغم أنني حاولت جرّ محاوري إلى ساحة التفسير بالمصالح، لاكتشاف معنى آخر لهذا السلوك، وسألته عن مدى تأثير الموقفين المختلفين لكل من المغرب وإسبانيا على العلاقات الثنائية، في وقت كانت مدريد تستعمل ورقة قطع شريان الصناعات العسكرية عن دولة الاحتلال وتحظر السفن المتوجهة إليها من الرسو في موانئها، في مقابل إمكانية استفادة المغرب، المنخرط في مسار تطبيعي وتعاون عسكري وتجاري متزايد مع إسرائيل؛ فإن هذا الدبلوماسي قلّل من أهمية ذلك، معتبرا أن موقف حكومة سانشيز مما يجري في فلسطين لا يرتبط بالمصالح بقدر ما يرتبط بالبعد السياسي والديمقراطي الداخلي، أي بالالتحام مع مواقف شعبية مساندة للحقوق الفلسطينية.
جواب هذا الدبلوماسي، على وجاهته، لا يفسر وحده ثبات الموقف الإسباني أكثر من جل الدول العربية والإسلامية التي يُفترض أن تكون في صدارة المدافعين عن الحقوق الفلسطينية والرافضين للعربدة والطغيان الإسرائيليين. لهذا بدا لي أن فهم الموقف الإسباني مما يجري في الشرق الأوسط، مع غزة سابقا ومع إيران حاليا، لا يمكن أن يُستخرج من صندوق واحد. بل ينبغي البحث عنه في الداخل الإسباني بكل معانيه، السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والتاريخية، والحضارية.
فإسبانيا، منذ العدوان على غزة، لم تكتف بالكلام الذي تجيد العواصم الأوروبية إنتاجه عند اشتداد المجازر، وتوظف فيه قاموس القلق، والأسف، والدعوة إلى ضبط النفس، والمناشدة البائسة لاحترام القانون الدولي… مدريد ذهبت أبعد، واعترفت بدولة فلسطين، ورفعت خطابها الموجه لإسرائيل إلى مستوى اتهامي واضح، ثم انتقلت من الرمزية إلى الفعل، ومن التعاطف إلى سياسة دولة، ومن الاستنكار إلى محاولة بناء محور أوروبي ودولي يضغط في اتجاه وقف الإبادة وربط السلام بالعدالة.
وحين اندلعت الحرب الحالية على إيران، لم تنخرط إسبانيا في الجوقة الغربية التي ترى في كل حرب أمريكية إسرائيلية فرصة لإعادة ترتيب المنطقة بالقصف، كما فعلت فرنسا بكل صفاقة وانتهازية، بل وقفت في موقع مختلف، رافضة منطق التصعيد، ومحذرة من إعادة إنتاج حالة العراق باسم ضرورات الأمن، متمسكة بالدبلوماسية والقانون والتهدئة.
وما يجعل الموقف الإسباني مميزا فعلا، كونه يتجاوز المستوى الإنساني لينتج حالة مركّبة. إنه موقف تتعانق فيه المبادئ مع الذاكرة، والمصلحة مع الجغرافيا، والديمقراطية مع المخيلة التاريخية، والطموح إلى دور أوروبي خاص مع الإحساس العميق بأن ما يقع في الضفتين الجنوبية والشرقية للمتوسط، ليس شأنا بعيدا عن مدريد.
من هنا، فإن أول مفتاح لفهم هذا السلوك يوجد في جرح إسباني لم يندمل تماما اسمه غزو العراق سنة 2003. في تلك اللحظة المؤسسة، تشكل وعي سياسي واجتماعي إسباني شديد الحساسية تجاه الحروب الغربية في الشرق الأوسط.
ولم تعد عبارة “لا للحرب” في إسبانيا مجرد شعار تعبوي. بل صارت جزءا من ضمير سياسي جماعي يرى في الحروب الوقائية وتغيير الأنظمة وصفة للفوضى، لا للاستقرار.
غير أن ذاكرة العراق، رغم أهميتها، لا تفسر كل شيء. هناك أيضا الجغرافيا التي تتحول في حالة إسبانيا إلى قدر سياسي. فبالنسبة إلى مدريد، لا يشكل المغرب الكبير والمشرق العربي مجرد بند في نشرة الأخبار الدولية، بل هما جزء من جوارها المباشر، ومن أمنها الطاقي والبحري، ومن حساسياتها الاجتماعية والسياسية، ومن صورتها عن نفسها بوصفها دولة متوسطية أكثر منها ضلع أوروبي ملحق بالشمال الأطلسي.
شعرت بذلك بوضوح قبل أشهر عندما حضرت قمة في برشلونة، خصصت لإحياء مسار الشراكة المتوسطية عبر إنعاش جسد الاتحاد من أجل المتوسط واستدعاء مصر وسوريا ومجلس التعاون الخليجي للمشاركة…
ثم هناك البعد القانوني المؤسساتي الذي يبدو أقل إثارة، لكنه حاسم. فإسبانيا الحديثة بنت لنفسها، بعد الانتقال الديمقراطي، هوية خارجية تحب أن تقدمها في صورة القوة الأوروبية القانونية، لا القوة الجيوسياسية الغليظة. هي ليست برلين، ولا باريس، ولا لندن. وزنها العسكري محدود نسبيا، ولهذا وجدت في الشرعية الدولية، والأمم المتحدة، والوساطة، والعمل متعدد الأطراف، لغة تمنحها حضورا أكبر من وزنها الصلب.
هذا ما يفسر أن خطابها حول غزة كان قانونيا وإنسانيا في آن، وأن خطابها في إيران كان قانونيا وتفاوضيا، يرفض الحرب ليس لأنه غافل عن طبيعة النظام الإيراني، بل لأنه يرى أن الحرب نفسها تقويض إضافي لفكرة النظام الدولي الذي تحتاجه الدول المتوسطة كي تعيش وتؤثر.
لكن من الخطأ أن نتصور أن سانشيز يتحرك في فراغ، أو أن شجاعته ثمرة عبقرية فردية صافية. فالرجل ابن بيئة حزبية معيّنة. وحكومته تعتمد على يسار مضطر دائما إلى الإصغاء لحلفاء أكثر جذرية في الموقف من فلسطين والحروب الإمبريالية.
هذا العامل الداخلي مهم جدا، لأنه يفسر لماذا أخذ الموقف الإسباني هذا النّفَس الواضح والحاد، ولماذا لم يتراجع عند أول ضغط من جانب ترامب. فالقضية الفلسطينية، داخل قطاعات واسعة من اليسار الإسباني، ليست ملفا خارجيا تقنيا، بل جزء من سردية سياسية وأخلاقية متماسكة عن العدالة، والاستعمار، وحقوق الشعوب، وحدود النفاق الغربي.
فالحكومة الإسبانية لا تبدو في ملف فلسطين وكأنها تسبق مجتمعها بكثير، بل كأنها تعبّر عنه وتستثمر في مزاجه الأخلاقي والسياسي. وهذا ما يفسر أن الاعتراف بفلسطين، ورفع سقف النقد لإسرائيل لدرجة سحب السفير هذا الأسبوع، والمواقف الحادة من الإبادة… لم تظهر في إسبانيا كمجرد نزوات سلطوية أو استعراض دعائي، بل كترجمة رسمية لاتجاه وازن في المجتمع.
ومع ذلك، فإن اختزال الموقف الإسباني في الديمقراطية والرأي العام الداخلي وحدهما سيكون تبسيطا مخلا. فالمصالح موجودة أيضا، وإن لم تعجب الدبلوماسي الذي تحدثت إليه.
مدريد تعرف أن حربا واسعة على إيران تعني مزيدا من الاضطراب في أسواق النفط والغاز، وأن استمرار المجزرة في غزة يعني تعميق الفجوة الأخلاقية والسياسية بين أوروبا والعالم العربي والإفريقي والإسلامي، ويعني أيضا دفع المنطقة كلها نحو مزيد من الراديكالية والفوضى.
لذلك فإن الموقف الإسباني مبدئي، نعم، لكنه ليس منزّها عن حسابات المصلحة. وهذه ليست نقطة ضعف فيه، بل عنصر قوة. لأن الموقف الذي تسانده الأخلاق وحدها قد يتعب سريعا، أما الذي تسانده الأخلاق والمصلحة معا فيصير أكثر صلابة واستدامة.
ثم هناك ذلك الخيط القديم الذي يمكن العثور عليه، بحذر، في تاريخ إسبانيا نفسه، خصوصا في ما كان يسمى “السياسة الإسلامية” خلال فترة الحماية بالمغرب. لا يمكن إنكار أن تلك المرحلة ساهمت في تكوين مخيلة إسبانية عن نفسها وعن المجال العربي الإسلامي المحيط بها. فإسبانيا تعلمت يومها، كيف تدير علاقتها بالمجال المغربي والعربي عبر الرموز، والوسائط، والشرعية، وخطاب القرب الحضاري، واستدعاء الأندلس، والادعاء بأنها أقرب إلى هذا العالم من غيرها من القوى الأوروبية.
من هنا يبدو أن طموح مدريد اليوم إلى لعب دور “قوة متوسطة” في الجنوب المتوسطي ليس منفصلا تماما عن هذا التاريخ البعيد. إنها ليست قوة عظمى، وتعي ذلك بوضوح، ولذلك تحتاج إلى مجال تتميز فيه. وفلسطين، كما إيران وعموم ملفات المتوسط، تقدم لها هذا المجال، أي فرصة لتقول لأوروبا إنها تملك صوتا مختلفا، وأن للجنوب المتوسطي من يفهمه من داخل التجاور، لا من أبراج الأطلسي وحدها.
إذا جمعنا كل هذه الطبقات، لا يبقى الموقف الإسباني لغزا بالمعنى الساذج. فهو ليس صحوة ضمير، ولا مجرد مناورة حزبية، ولا حنين أندلسي، أو حسابات غاز وموانئ. إنه تركيب معقد من ذاكرة العراق، والتحول الديمقراطي، والرأي العام الداخلي، والجغرافيا المتوسطية، والنزعة القانونية الأوروبية، والطموح إلى استقلالية نسبية عن واشنطن، والمصلحة الاقتصادية، ثم ذلك القاموس التاريخي القديم الذي يجعل إسبانيا ترى نفسها، عن حق أو عن وهم، أقرب إلى فهم الضفة الأخرى من غيرها.
لهذا لا ينبغي أن يُقرأ الموقف الإسباني بوصفه بطولة فردية لرئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز، ولا حتى مجرد استثناء أخلاقي. إنه تعبير ناضج عن تاريخ سياسي معين، وعن مجتمع لا يزال يحتفظ بشيء من مناعته ضد تسويق الحروب، وعن دولة أدركت، بحسابات القيم والمصالح معا، أن أمن الشرق الأوسط لا يُبنى بتوسيع رقعة الفوضى، بل بتقييدها، وأن فلسطين ليست هامشا إنسانيا في دفتر العالم، بل امتحانا لصدقية القانون الدولي كله، وأن إيران ليست مشروع حرب سهلة، بل احتمال عراق جديد لا يريد الإسبان أن يشاركوا في صناعته مرة أخرى.
هكذا يصبح سانشيز “أيوبيا” جديدا على طريقته، ليس لأنه حرّر القدس أو يسعى إلى ذلك، بل لأنه رفض أن يساهم في وضع الختم على صك البراءة لقتلة هذا الزمن.