“برميل بارود” في مضيق هرمز.. هل تقترب ساعة الصفر بين واشنطن وطهران؟
دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مرحلة “حافة الهاوية” مع مطلع هذا الأسبوع، حيث تحوّل مضيق هرمز من ممر حيوي للتجارة العالمية إلى ساحة استعراض للقوة العسكرية تُعد الأضخم منذ عقود.
ومع استمرار المناورات الإيرانية “التحكم الذكي”، التي أدت إلى إغلاق أجزاء من المضيق، تواصل واشنطن حشدها البحري غير المسبوق بقيادة حاملتي طائرات، ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين انفجار عسكري شامل أو التوصل إلى “صفقة كبرى” تحت ضغط التهديد.
بدأت التطورات الميدانية تأخذ منحى تصعيديًا خطيرًا بعد أن أعلن الحرس الثوري الإيراني، يوم الثلاثاء، إغلاق مناطق محددة في مضيق هرمز لإجراء مناورات بالذخيرة الحية. هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها “رسالة سياسية مغلفة بالبارود”، جاءت ردًا على تحركات الأسطول الخامس الأمريكي وتمركز حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد” قبالة السواحل.
كما بدأت سفن من روسيا والصين المشاركة إلى جانب إيران في مناورات “الحزام الأمني 2026” في بحر عُمان، في رسالة واضحة إلى واشنطن بشأن وجود حلفاء دوليين لطهران في هذا الممر المائي الحيوي.
التقارير الواردة من بحر عُمان تشير إلى أن السفن التجارية وناقلات النفط باتت تسلك مسارات ضيقة وحذرة، وسط تحليق مكثف للطائرات المسيّرة من الجانبين، في مشهد يعيد إلى الأذهان “حرب الناقلات”، ولكن بأدوات تكنولوجية أكثر تطورًا وفتكًا.
في البيت الأبيض، يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابًا يتسم بالشدة، إذ هدّد علنًا بأن “كل الخيارات، بما فيها تغيير النظام، مطروحة على الطاولة” إذا لم تتراجع طهران عن برنامجها النووي وتوقف ما وصفه بقمع الاحتجاجات الداخلية التي اندلعت مطلع العام.
وصرّح مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بأن الجيش الأمريكي جاهز لتنفيذ عملية “مطرقة منتصف الليل” (Midnight Hammer)، وهي خطة هجومية واسعة النطاق تستهدف البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية. وتؤكد واشنطن أن هدفها هو “انتزاع اتفاق شامل” ينهي التهديدات الإيرانية، معتبرة أن سياسة “الضغط الأقصى” في نسختها الثانية هي السبيل الوحيد لإخضاع طهران.
في المقابل، لا تبدو القيادة الإيرانية مستعدة للتراجع بسهولة. فقد أطلق المرشد الأعلى علي خامنئي تصريحات قوية حذّر فيها من أن “أقوى جيوش العالم قد تتلقى صفعة تجعلها لا تقوى على الوقوف مجددًا”، في إشارة إلى قدرة إيران على إغراق حاملات الطائرات.
ومن جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من جنيف أن بلاده “لن تفاوض تحت التهديد”، مشددًا على أن أي اعتداء عسكري سيُقابل بـ”رد يبعث على الندم”. وتستخدم طهران ورقة إغلاق المضيق لتذكير العالم بأن تكلفة أي حرب قد تعني انهيارًا في إمدادات الطاقة العالمية وتعطّل شحنات النفط التي تغذي المصانع في آسيا وأوروبا.
في خضم هذا التصعيد، برز موقف إقليمي يرفض الانجرار إلى صراع مسلح قد يحرق المنطقة بأكملها. إذ تتبنى المملكة العربية السعودية سياسة “تصفير الأزمات”، إذ أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ضرورة خفض التصعيد وحماية البنية التحتية النفطية، مشددًا على أن “رؤية 2030” تتطلب استقرارًا إقليميًا لا توفره الحروب. كما تقود قطر وسلطنة عُمان وساطات مكثفة خلف الكواليس لتقريب وجهات النظر ومنع وقوع “الخطأ القاتل” الذي قد يشعل مواجهة لا يمكن احتواؤها.
وفي السياق ذاته، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على رفض بلاده أي تصعيد عسكري ضد إيران، مؤكدًا أن المنطقة “لا تحتمل حربًا جديدة” في ظل الأزمات المتراكمة. ودعا إلى تغليب الحلول الدبلوماسية واستئناف المسار التفاوضي، معتبرًا أن أي مواجهة مفتوحة ستؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله، وتهدد أمن الطاقة والتجارة الدولية، لا سيما في ظل حساسية الممرات البحرية مثل مضيق هرمز.
ومن جانبها، رفعت إسرائيل حالة التأهب هجومًا ودفاعًا خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، وسط تقارير إعلامية عن تكثيف الاستعدادات العسكرية “الدفاعية” تحسبًا لاحتمال ضربة أمريكية مكثفة قد تمتد لأسابيع.
لم تكن الأسواق المالية بمعزل عن هذا التوتر؛ فقد سجلت أسعار النفط قفزات حادة فور إعلان إغلاق أجزاء من المضيق. ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار حالة “اللا حرب واللا سلم” يرفع تكاليف التأمين البحري والشحن، ما يهدد بموجة تضخم عالمية جديدة.
وبات مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، اليوم “الترمومتر” الذي يقيس مدى اقتراب العالم من كارثة اقتصادية، إذ لا توجد بدائل حقيقية قادرة على تعويض تعطل هذا الشريان الحيوي بالكامل.
ويعيش العالم حالة من الترقب المشوب بالحذر، مع وصول التوتر في منطقة الخليج إلى ذروته. فبين “مناورات استعراض القوة” الإيرانية في مضيق هرمز، والحشود العسكرية الأمريكية الضخمة، تبدو المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم الخرائط السياسية والاقتصادية.
وفي العاصمة السويسرية جنيف، تجري جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي، بدعم وساطة عمانية. تسعى الأطراف إلى إحياء اتفاق نووي جديد يمكن أن يخفّض مستوى التوتر ويحدّ من المخاطر، غير أن التقدم لا يزال هشًا ومشروطًا بحسابات الميدان.
ويرى موقع أكسيوس أن المنطقة باتت أقرب إلى “حرب شاملة” قد تستمر لأسابيع، في ظل تقديرات داخل دوائر صنع القرار الأمريكي بارتفاع احتمالات العمل العسكري، مقابل تحذيرات من أن أي شرارة غير محسوبة في مضيق هرمز قد تشعل صراعًا تتجاوز تداعياته حدود الإقليم إلى الاقتصاد العالمي بأسره.