اِلعب حتى أراك
يقال إن العبارة الشهيرة المنسوبة إلى الفيلسوف اليوناني سقراط، “تكلّم حتى أراك”، انتظرت أكثر من اثنين وعشرين قرنا لتأتيها إجابة من عبارة مأثورة أخرى منسوبة إلى الأديب الروسي دوستويفسكي: “قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة؛ إياك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أنني تحدثت إليك”.
لكن المدرّب المغربي محمد وهبي لم يحتج سوى ساعات قليلة بعدما قال إنه لا يمكن مقارنة لاعبي منتخبنا باللاعبين الفرنسيين، ليأتيه الجواب من أقدام منتخب إسبانيا، معززا بنجمه الصاعد المغربي الأصل لامين يامال.
لم تكن إسبانيا في حاجة إلى ندوة طويلة لتشرح أن فرنسا ليست كائنا أسطوريا، ولا قوة خارقة للطبيعة، ولا منتخبا يستحيل الاقتراب منه. دخل الإسبان أرضية الملعب، احترموا خصمهم دون أن ينبهروا به، وأداروا المباراة بواقعية وانضباط وثقة، ليأتينا الرد من حيث ينبغي أن يأتي دائما في الرياضة: من الميدان.
لم يصدم كثيرين أن يخسر المغرب أمام فرنسا. فكرة القدم لا تمنح أحدا حقا مكتسبا في الفوز، وفرنسا تملك بالفعل واحدا من أغنى الأرصدة البشرية في العالم، ومنتخبا يستطيع تعويض الغائب بنجم آخر دون أن ينهار بناؤه. الصدمة جاءت من الطريقة التي لعب بها المنتخب، ثم من الطريقة التي شرح بها محمد وهبي الهزيمة، ومن مستوى التفكير الذي ظهر خلف بعض عباراته، حتى تمنينا لو أنه بقي صامتا، عوض أن يمنح التفوق الفرنسي طابعا أقرب إلى القدر الذي لا يرد.
حين يقول مدرب منتخب بلغ ربع نهائي كأس العالم إن لاعبيه لا يمكن مقارنتهم بلاعبي الخصم، فإنه لا يقدم وصفا لفارق في الجودة أو عمق دكة البدلاء، بل يكشف، من حيث يدري أو لا يدري، عن ترتيب ذهني سابق للمباراة، مفاده أن هناك منتخب مثالي، ونحن حاولنا مقاومته فقط.
المشكلة ليست في الاعتراف بالفوارق، لأن إنكارها سذاجة، بل في تضخيمها إلى حد الاستسلام لها. وظيفة المدرب ليست أن يعدد لنا أسماء نجوم فرنسا وأنديتهم وقيمتهم السوقية، فذلك يعرفه الجمهور واللاعبون. وظيفته أن يبحث عن الوصفة التي يصبح معها هذا التفوق أقل تأثيرا، وعن الخلل الذي يسمح لفريق أقل غنى بالنجوم بأن يصبح أفضل خلال تسعين دقيقة.
لا يعني هذا أن المغرب كان سيفوز حتما لو فكر مدربه بطريقة أخرى، ولا يجوز اختزال مباراة كاملة في عبارة قيلت بعد نهايتها. لكن الكلمات، خصوصا حين تصدر عن المدرب، تكشف شيئا من البنية الذهنية التي ينطلق منها في تفسير القوة والضعف، وتحدد سقف المساءلة الذي يقبله لنفسه.
في المقابل، لا ينبغي أن يقودنا نقد وهبي إلى السقوط في الخزعبلات التي انتشرت بعد الإقصاء. لا توجد حاجة إلى نظرية مؤامرة لتفسير هزيمة المغرب. لم يسقط المنتخب لأن جهة ما قررت منعه من بلوغ النهائي، ولا لأن القوى الكبرى لا تريد له الذهاب بعيدا، ولا لأن العالم اجتمع على إقصائه.
خسر المغرب لأن فرنسا كانت أفضل في لحظات الحسم، ولأنها استغلت أخطاءه، وامتلكت سرعة أكبر في التحول وتهديد المرمى، بينما افتقد المنتخب المغربي إلى الاستمرارية الهجومية وإلى الحلول بعد تعطل الخطة الأصلية.
هناك أسباب كروية واضحة، من بينها سوء التقدير، وضعف البدائل، وصعوبة تعويض غياب عناصر مؤثرة، وربما الإفراط في الحذر أمام أسماء الخصم. وهذه التفسيرات أكثر احتراما للعقل من المؤامرة، لأنها تسمح بالتعلم والتصحيح.
لكن لماذا عجزنا نحن بينما استطاعت إسبانيا؟
الجواب ليس في الشجاعة وحدها، ولا في عبقرية لحظة منفصلة. إسبانيا ليست منتخبا وُلد ليلة مواجهة فرنسا، بل نتيجة صناعة كروية ممتدة، وقاعدة ممارسة واسعة، وأندية تملك تكوينا حقيقيا، ومدربين يتشربون تصورات متقاربة للعبة، ولاعبين يكبرون معا عبر المنتخبات السنية قبل الوصول إلى المنتخب الأول.
اللاعب الإسباني لا يصل إلى المنتخب الأول ليكتشف لأول مرة كيف تريد بلاده أن تلعب. بل يتعلم أسلوب “لاروخا” منذ الفئات الصغرى، ويكتسب قيمة التمركز واللعب تحت الضغط وصناعة التفوق والتحرك الجماعي. قد يتغير المدرب وتتغيّر بعض التفاصيل، لكن اللغة الأساسية تظل مفهومة للجميع.
أما المغرب، فعلى الرغم من التقدم الكبير الذي حققه، فما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على جمع لاعبين تكونوا داخل منظومات أوروبية مختلفة. لدينا مواهب استثنائية، ومنشآت حديثة، واستثمار متزايد في الفئات السنية، لكننا لم نبن بعد قاعدة ممارسة بالحجم والكثافة والاستمرارية التي تجعل إنتاج البديل عملية عادية لا حدثا استثنائيا.
لهذا ينبغي ألا نظلم وهبي أيضا. الرجل لم يصنع وحده ضيق قاعدة الاختيار، ولا يستطيع في أشهر قليلة أن ينتج مهاجمين ومدافعين ولاعبي وسط لم تنتجهم المنظومة خلال سنوات.
لقد سبق للمغرب أن أقصى إسبانيا في مونديال 2022، وتعادل معها في 2018. وهي نتائج عظيمة، لكنها لا تعني أن المنظومتين متساويتان. تستطيع مباراة واحدة أن تقلب موازين القوة، لكن الاستمرارية تكشف من يملك البنية ومن يصنع اللحظة.
لقد أصبح منتخبنا الوطني قادرا على هزم الكبار والوصول إلى الأدوار المتقدمة وفرض احترامه عالميا. لكنه لم يصل بعد إلى المرحلة التي يصبح فيها تعويض الغائب سهلا، وإنتاج اللاعب الرفيع متواصلا، والهوية الكروية موزعة على آلاف الأندية والمدارس والمدربين.
الفارق بيننا وبين إسبانيا ليس أن لاعبيها أكثر شجاعة، ولا أن مدربها ألقى خطابا حماسيا أفضل. الفارق أن وراء المنتخب الإسباني نظاما ينتج الجودة بكميات تسمح له بأن يفقد لاعبا فيجد غيره، وأن يواجه فرنسا دون أن يشعر بأنه دخل إلى عالم أسمى منه.
لقد كانت فرنسا أفضل من المغرب، لكنها لم تكن أكبر من منطق كرة القدم. وقد أثبتت إسبانيا أنها منتخب يمكن إرباكه وهزمه، دون مؤامرة ولا معجزة. وهذا لا يعني أن المغرب كان سيفعل الشيء نفسه بالضرورة، بل يعني أن السؤال الصحيح هو كيف نجعل الفوارق الموجودة بيننا أقل حسما خلال تسعين دقيقة؟
أما الجواب، فلا يقدم في قاعة الندوات، ولا في السير الذاتية للنجوم، ولا في القيمة السوقية للاعبين. بل يقدمه الفريق حين يلعب.
تكلّم حتى أراك، نعم. لكن في كرة القدم: اِلعب حتى أراك.