story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

المغرب في قلب التحول العالمي.. مجلس ترامب للسلام وصراع الشرعيات الدولية

ص ص

لم يعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيس “مجلس السلام” في يناير الجاري مجرد إجراء تكتيكي لاحتواء أزمات الشرق الأوسط، بل أضحى مؤشرا على قطيعة إبستيمولوجية مع منظومة “وستفاليا” التقليدية وهياكل ما بعد 1945. فنحن نشهد اليوم صعودا لنموذج جيوسياسي بديل يستبدل “المؤسساتية الدولية” بـ “الفعل التنفيذي المباشر”، ويُحل منطق “تسليع النفوذ”محل الدبلوماسية المعيارية.

ويعكس هذا التحول قناعة ترامبية راسخة بأن النظام الدولي لم يعد يُدار عبر مواثيق الأمم المتحدة المترهلة، بل من خلال “صفقات سيادية” عابرة للأطر القانونية الكلاسيكية، مما يضع العالم أمام صراع محتدم بين شرعية المؤسسات الآفلة وشرعية الإنجاز الصاعدة.

وفي قلب هذا المخاض العالمي، يبرز المغرب كفاعل استراتيجي يتجاوز دور “المراقب” ليمارس هندسة التموقع في مراكز القرار الجديدة. فانخراط الرباط في هذه المعادلة يعكس قراءة دقيقة للتحولات البنيوية في النظام الدولي، حيث أدركت الدبلوماسية المغربية أن الحفاظ على المصالح العليا في عصر “ما بعد المؤسسات” يتطلب مرونة في التحالفات وقدرة على اختراق التوازنات الكبرى.

  1. “مجلس ترامب” وسوسيولوجيا الإزاحة: من شلل القواعد إلى سطوة النتائج

يمثل “مجلس السلام” الترامبي ذروة الانقلاب البرادغمي على “اليوتوبيا المؤسساتية” التي ميزت نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فهو ليس مجرد بديل وظيفي للأمم المتحدة، بل هو إعلان رسمي عن “موت سريري” لمجلس الأمن الذي تحول إلى ساحة للعجز الهيكلي والمناجزة بالفيتو. وقد بدأت الرؤية الترامبية منذ ولايته الأولى حين سعى إلى “تفكيك المظلات التمويلية” والضغط البيروقراطي، بينما نضجت في ولايته الثانية لتنتقل من استراتيجية “الإصلاح القسري” إلى استراتيجية “الإزاحة الكلية”. فالمجلس الجديد ينهي عصر “المساواة السيادية” الوهمية، ليؤسس لمنطق “تجاوز المؤسسة”لصالح كيانات موازية تمتلك مرونة الحركة وسرعة التنفيذ، متحررة من قيود الإجماع الدولي المعطل.

وتتجلى الخطورة الجيوسياسية لهذا التحول في استبدال “الشرعية القانونية” بـ “شرعية الكفاءة المالية”؛ حيث لم يعد “الميثاق” هو مرجع الاستقرار، بل “الصفقة” هي الضامن الوحيد له. ومن خلال اشتراط “المليار دولار” كعتبة للعضوية الدائمة، يقوم ترامب بـ “خصخصة الجيوسياسة”، محولا النظام الدولي من فضاء للقيم السياسية والمواثيق إلى سوق للنفوذ الممول. إنها “شرعية القوة المنتجة” التي ترى في السيادة الوطنية أصلا استثماريا، وفي السلام سلعة عالمية لا تُمنح كحق قانوني، بل تُنتزع كحق مكتسب لمن يمتلك القدرة على التمويل والنتائج، مما يعيد رسم خارطة الولاءات الدولية.

  • “مجلس السلام” كصدع جيوسياسي: استقطاب القوى حول تعريف الشرعية

أطلق “مجلس السلام” شرارة حرب باردة من نوع جديد، لا تتمحور حول الإيديولوجيا، بل حول “مصدر المشروعية” في تدبير الشأن العالمي؛ حيث وضع القوى الكبرى أمام مأزق الاختيار بين “الشرعية التعاقدية” المستمدة من ميثاق 1945، و”الشرعية الإنجازية” التي يفرضها النموذج الترامبي. وبذلك يتجاوز هذا الانقسام الجغرافيا السياسية للأزمات الميدانية ليلامس فلسفة النظام الدولي: فهل ستظل الشرعية حكرا على المؤسسات المتعددة الأطراف التي تضمن حضور القوى “المتوسطة” كفرنسا وبريطانيا، أم تنتقل إلى “نادي الفاعلين الممولين” حيث تُقاس القوة بالقدرة على التحويل المالي والتنفيذ المباشر؟ هذا الصراع حوّل المنظومة الدولية من كتلة صلبة من القواعد إلى حالة من “السيولة المعيارية”، حيث تتنازع تعريفات متناقضة لماهية النظام والاستقرار.

وفي هذا الفضاء المتشظي، تعكس ردود الأفعال الدولية استراتيجيات “البقاء الجيوسياسي”؛ فباريس تستميت في الدفاع عن “الأمم المتحدة” كآخر معاقل نفوذها الرمزي، بينما ترى بكين في “تسليع السياسة” الترامبي تهديدا لنموذج “التعددية القطبية” الذي تقوده. وفي حين تناور موسكو بالصمت الاستراتيجي لتحويل “المجلس” إلى ورقة مقايضة كبرى، تبرز المقاربة التركية كنموذج لـ “البراغماتية الجيو-اقتصادية”التي لا تعترف بشرعية لا تُترجم إلى مكاسب ميدانية. أما الصمت الأوروبي (الألماني-البريطاني)، فيكشف عن “يتم استراتيجي” بين الولاء للقيم الأممية والتبعية للمظلة الأمريكية. إننا، باختصار، أمام لحظة تفكك “الإجماع الكوني”، حيث أصبح العالم ساحة لمنافسة شرسة بين دبلوماسية المبادئ المتآكلة ودبلوماسية النتائج العنيفة.

  • من سراب الإصلاح إلى تجاوز المؤسسة: موت “اليوتوبيا الأممية

لقد طوى “مجلس السلام” الترامبي صفحة العقود الضائعة من أدبيات “إصلاح الأمم المتحدة”، معلنا نهاية الحقبة التي كان يُنظر فيها إلى توسيع مجلس الأمن كحل سحري للاختلالات الدولية. فالتراجع الراهن لهذا الخطاب لا يعود لانتفاء الحاجة للإصلاح، بل لترسخ قناعة جيوسياسية مفادها أن المنظمة الأممية بلغت مرحلة “الاستعصاء الوظيفي”. فالمشاريع التي قُدمت طويلا كترميم للبناء العالمي باتت تُصنف اليوم كـ “تمارين إنشائية” تصطدم بصلابة الفيتو الجيوسياسي، مما حول الأمم المتحدة من أداة لصناعة الاستقرار إلى منصة لـ “تدوير الأزمات” وإدارة العجز، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار الإيمان بجدوى التغيير من داخل “السيستم” القائم.

ويتجسد هذا العجز الهيكلي في إخفاق المنظومة الأممية في حسم النزاعات المزمنة، حيث تحولت القضية الفلسطينية إلى رصيد أخلاقي معطل يفتقر لآليات التنفيذ، بينما تسببت مقاربة “إدارة النزاع” في ملف الصحراء المغربية في تكريس الجمود عوض الحسم؛ مما عزز القناعة بضرورة البحث عن مسارات تنفيذية أكثر واقعية وحزما خارج الأطر التقليدية. هذا العجز دفع القوى الصاعدة والفاعلين الإقليميين نحو تبني برادغم “الشرعية التنفيذية”؛ فالمقترح الترامبي لا يسعى لتقديم بديل أخلاقي، بل “بديل إجرائي” يستبدل سؤال “كيف نصلح؟” بسؤال “كيف نُنجز؟”. إنه انتقال راديكالي من شرعية النصوص التي لا تُطبق إلى شرعية “الفعل الميداني”، حيث يتم تجاوز الهياكل المتصلبة لصالح كيانات مرنة قادرة على فرض واقع جيوسياسي جديد خارج عباءة المواثيق التقليدية.

  • المغرب في قلب التحول: براغماتية التموقع المبكر في عالم متغير

لا يُعد انضمام المغرب لـ “مجلس السلام” في “دافوس” كعضو مؤسس مجرد استجابة لمتغير ظرفي، بل هو تجسيد لـ “براغماتية التموقع”التي تنهجها الرباط كقوة إقليمية صاعدة تُجيد قراءة التحولات البنيوية في موازين القوى. فالمغرب، ومن خلال خبرته التراكمية مع “العطالة الأممية”، أدرك مبكرا أن الانتظار على هوامش النظام القديم هو مقامرة بالزمن الاستراتيجي؛ لذا اختار سياسة “التكيف الاستباقي”عبر الانخراط في “مجلس السلام” كمنصة تنفيذية موازية. وإن كانت هذه الخطوة لا تعني القطيعة مع الشرعية الدولية الكلاسيكية، بل هي محاولة ذكية لتوسيع “هوامش المناورة” والتموقع في قلب مراكز القرار التي تعيد تعريف قواعد اللعبة الدولية بعيدا عن الجمود البيروقراطي لنيويورك.

في العمق، يمثل هذا التموقع آلية لتحصين “الوضوح السيادي” الذي تحقق بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء عام 2020، ونقله من حيز “الموقف الدبلوماسي” إلى حيز “الواقع الجيوسياسي المحمي” داخل هندسة دولية جديدة تقدس النتائج. ومن خلال هذا “المجلس”، يرسخ المغرب دوره كـ “مهندس استقرار” في ترتيبات ما بعد الأزمات الإقليمية، مستثمرا رصيده الرمزي في “لجنة القدس” لتحقيق توازن دقيق بين الواقعية السياسية والالتزام التاريخي. ورغم مخاطر “شخصنة” النظام الجديد المرتبط بترامب، إلا أن الرباط تراهن على “استراتيجية الازدواجية المعيارية”؛ أي البقاء داخل المنظومة الأممية مع استثمار “فرص الصفقات” الكبرى، إيمانا بأن السيادة في عالم 2026 لا تُحمى بالبيانات، بل بالتموقع في المطابخ التي تُصاغ فيها الخرائط الجديدة.

عالم “ما بعد القواعد”.. والتموضع كضرورة وجودية

لا يمثل “مجلس السلام” مجرد بديل هيكلي للأمم المتحدة، بل هو إعلان رسمي عن انتقال العالم من عصر “المعيارية القانونية” إلى عصر “السيولة التنفيذية”. نحن نشهد اليوم تحولا بنيويا في تعريف “الشرعية الدولية”؛ حيث لم تعد تُستمد من توافقات الجمعية العامة، بل من “قدرة التأثير” و”كفاءة الإنجاز” على أرض الواقع. وفي هذا المنعطف الجيوسياسي الحاد، أدرك المغرب أن الحياد لم يعد ترفا استباقيا بل أصبح “مخاطرة استراتيجية” قد تفضي إلى العزلة عن مراكز صياغة القرار. لذا، فإن انخراط الرباط في هذا الحراك يعكس وعيا بأن إعادة تشكيل النظام العالمي لا تُنتظر نتائجها، بل تُصنع من داخل مطابخها، وهو ما يفرض الانتقال من “دبلوماسية التوازن” إلى “دبلوماسية التموقع النشط”في قلب التحولات الكبرى.

ومع ذلك، فإن هذا النظام الناشئ المحكوم بمنطق “الصفقات” والمصالح المتغيرة يطرح تساؤلات قلقة حول استدامة الاستقرار العالمي؛ فما هي ضمانات الاستمرارية في مجلسٍ يرتكز على إرادة الأفراد وقدرة رأس المال أكثر من ارتكازه على مؤسسات راسخة؟ وهل يمكن لشرعية “النتائج السريعة” أن تحل محل “العدالة الدولية” دون أن تؤدي إلى تعميق الفوارق الجيوسياسية بين الدول القادرة على الدفع وتلك المفتقرة للموارد؟ إن التحدي الحقيقي أمام المغرب والفاعلين الجدد لا يكمن فقط في الانخراط في هذا المجلس، بل في كيفية الحفاظ على السيادة الوطنية داخل منظومة قد تتحول في أي لحظة من “نادي للسلام” إلى “سوق للمساومات السياسية” المتقلبة.