السياسة داء النموذج التنموي
طرح تقرير أصدره مركز بحثي يرأسه علي الغنبوري، العضو في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سؤال ما آل إليه النموذج الاقتصادي “الجديد” إلى الواجهة، من خلال وقوفه على بقاء العديد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، بعيدة عن الأهداف التي وضعها التقرير النهائي للجنة التي أشرفت على وضع هذا النموذج، برئاسة شكيب بنموسى.
وبما أن هذا النموذج كان نتيجة لمبادرة ملكية صريحة، مما يعني توفّر أعلى مستويات الدعم لمخرجات المبادرة، فإن فهم عدم تنزيل أهدافها، أو تنزيلها الجزئي والمتعثر، إلا من زاوية سياسية، قبل أية محاولة للتقييم والفهم بأدوات تقنية أو مالية.
فالنموذج التنموي الجديد لم يولد في فراغ، بل جاء بعد تشخيص ملكي واضح بأن النموذج السابق لم يعد قادرا على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة، ولا على الحد من الفوارق والتفاوتات المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
كما أن اللجنة كُلّفت بصياغة نموذج يحدد الأهداف وسبل التنزيل، مع دعوة ملكية إلى الحزم والإقدام وروح المسؤولية في تنفيذ الخلاصات، ولو كانت صعبة أو مكلفة.
المفارقة إذن ليست في غياب الرؤية والآليات، بل في عجز السياسة عن تحويل الرؤية إلى سياسات عمومية نافدة. النموذج التنموي قدّم نفسه كـ”ميثاق وطني”، لكنه لم يتحول إلى تعاقد سياسي حاكم لسلوك المدبّر العمومي، وبقي أقرب إلى نص مرجعي، محترم في الخطاب، وحاضر في التقديمات الرسمية؛ لكنه غير مُلزم بما يكفي في صناعة القرار، ولا في ترتيب الأولويات، ولا في مراقبة السياسات العمومية.
هنا يمكننا العثور على السبب الأول لعدم تنزيل النموذج التنموي، وهو سبب سياسي خالص، حيث كان يفترض، من الناحية السياسية، أن يشكل النموذج الجديد نوعا من البرنامج “فوق الحكومي”، أي تلك المرجعية الوطنية العابرة للولايات الحكومية، لأن لحظة إنتاجه أُحيطت بضمانات استثنائية، من تكليف ملكي، ولجنة رفيعة، ومشاورات وطنية واسعة، وتشخيص صريح، وأفق واضح يصل إلى العام 2035.
ويرتبط السبب الثاني بطبيعة الحكومة التي كان عليها أن تحمله. فتنزيل نموذج تنموي جديد يتطلب فاعلا سياسيا مؤمنا بفلسفته، ومستعدا لدفع ثمن الإصلاح الذي يتطلبه، وقادرا على مواجهة شبكات الريع والمصالح.
وما حدث هو أن منطق التدبير غلب منطق التغيير. والحكومة اشتغلت بمنطق الأوراش القطاعية والإجراءات المتفرقة، بدل بمنطق القطيعة الهادئة التي كان يقترحها النموذج مع اختلالات عميقة مثل ضعف الإدماج، وأزمة الثقة، وهشاشة الخدمات العمومية، وتفاوت الفرص، وضعف الحكامة، وتحول الامتياز إلى قاعدة غير معلنة في الاقتصاد والسياسة…
سوء “حظ” النموذج أنه وُضع بين أيدي نفس البنية التي شخّص قصورها، من إدارة مترددة، وأحزاب ضعيفة، ونخب اقتصادية مستفيدة من الريع والامتيازات، ومركز قرار متعدد المستويات، وآليات محاسبة غير كافية. لذلك تحوّل من مشروع لتغيير قواعد اللعب إلى مجرّد تعديلات طفيفة داخل قواعد اللعب القديمة.
السبب الثالث هو غياب آلية قيادة استراتيجية ذات قوة سياسية وتنفيذية، تكون في مستوى الأداة التي أنتجت النموذج، أي الإشراف الملكي المباشر. فالنموذج نص بوضوح على أن التنفيذ الفعلي يتطلب قيادة استراتيجية، وتتبعا، لأن كل تغيير صعب ويحتاج إلى التزام قوي، واستمرارية، ومثابرة، وتحمل للمخاطر، وتدبير دائم للمقاومة البديهية.
وما وقع أن هذه القيادة، في ظل الحكومة الحالية وعدم قيام آلية إشراف جديدة بعد انتهاء أشغال لجنة شكيب بنموسى، لم تتجسد في مؤسسة تنفيذية واضحة تملك سلطة التحكيم والتتبع والمساءلة. لم يظهر ما يشبه “غرفة قيادة” خاصة بالنموذج التنموي، تقوم بقياس أداء الحكومة والقطاعات والجماعات والمؤسسات العمومية وفق المؤشرات التي وضعها النموذج، وتعلن بانتظام ما تحقق وما تعثر، ومن يتحمل المسؤولية. وبالتالي راح كل قطاع يواصل أجندته، وكل مؤسسة تعيد تأويل النموذج حسب إمكاناتها ومصالحها.
ويتعلّق السبب الرابع بأن النموذج كان يتطلب إعادة توزيع للسلطة والموارد، وهو ما لم يحدث. فعندما يتحدث النموذج عن دولة قوية وعادلة ومجتمع قوي ودينامي، وعن الثقة والمسؤولية، وعن تحرير الطاقات، وعن اقتصاد منتج ومنافس، فهو لا يقترح إجراءات تقنية، بل يطلب تعديلا في علاقة الدولة بالمواطن، والإدارة بالمبادرة، والاقتصاد بالمنافسة، والسياسة بالمحاسبة. وكلها مناطق احتكاك مع مصالح قائمة.
لقد تعثّر النموذج الجديد لأنه كان يهدد، ضمنيا، “الاقتصاد السياسي” القائم. فهو يستدعي تقليص الريع، وتوسيع المنافسة، وإصلاح الإدارة، وتحرير المبادرة، وربط المسؤولية (حقا) بالمحاسبة، وتقوية المدرسة والمستشفى، وإعادة الاعتبار للمناطق المهمشة، وفتح المجال أمام كفاءات وطاقات لا تنتمي بالضرورة إلى الدوائر المستفيدة… أي أنه كان يحاول تنزيل ما يشبه نتائج صراع سياسي كبير، لكن بطريقة إرادية.
أما السبب الخامس فهو أن منطق الأوراش الكبرى طغى على منطق الأثر المباشر على المواطن، وهو من بين ما حذر منه التشخيص الذي سبق طرح النموذج. فقد اعتبر التقرير النهائي أن المغرب حقق مكاسب وبنيات ومشاريع، لكن الإشكال يكمن في ضعف الأثر الملموس على الحياة اليومية، وفي تعميق الفوارق وتدهور جودة الخدمات العمومية.
الخلاصة أن النموذج التنموي الجديد لم يفشل لأنه كان ضعيفا من حيث التشخيص، بل لأنه لم يتحول إلى سلطة سياسية وبقي وعدا دون أداة ملزمة. لقد جرى التعامل معه كمرجع فوقي وليس كتعاقد موجب للمحاسبة. وتعثر لأنه اصطدم بالبنية نفسها التي شخّصها كسبب للعطب، أي ضعف الثقة، وغياب الالتقائية، والخضوع لمقاومة التغيير، وتعميق تضارب المصالح، والمزيد من هشاشة الوساطة السياسية…
يقودنا كل هذا إلى استنتاج يفيد أن عدم تنزيل النموذج أكبر من مجرّد “تقصير حكومي”، رغم أن الحكومة تتحمل مسؤولية مركزية في ذلك. إن هذا الفشل تعبير عن مأزق التدبير العمومي في المغرب، والذي ينتج تشخيصا متقدما لكنه لا يقوم سوى بإعادة إنتاجه.
لذلك، لا يحتاج تنزيل النموذج إلى إعادة إحياء الوثيقة فقط، بل إلى تسييسها بالمعنى النبيل للسياسة. أي جعلها موضوع تعاقد ومحاسبة، وليس شعارا رومانسيا.
دون ذلك، سيبقى النموذج التنموي الجديد واحدا من أفضل النصوص التي أنتجتها الدولة عن أعطابها، ووعدا مغريا بالإصلاح والتغيير، وذكرى جميلة سنتذكرها بالكثير من الحنين في 2035.