story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
المؤسسة الملكية |

السياسة الخارجية في عهد محمد السادس.. من إرث التوازنات إلى المغرب الأطلسي

ص ص

ضمن عددها الخاص بالذكرى 27 لعيد العرش، والذي خصصته لقراءة تطوّر بعض المفاهيم والمواضيع في خطب الملك محمد السادس، خصصت مجلة “لسان المغرب” ورقة لقراءة تطوّر السياسة الخارجية للمغرب في هذا المتن، هذا نصّها:

أمانة جسيمة خلفها الحسن الثاني للمغرب ولخليفته فوق عرش المملكة، على صعيد العلاقات الخارجية والتأثير الإقليمي؛ فقد كان الملك الراحل يجيد نسج علاقات الجوار الأوروبي والصداقة الأمريكية والأخوة العربية، وجمع المتناقضات واللعب على التوازنات.

زاد الوضع تعقيدا في مستهل «العهد الجديد» بوصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض، ثم أحداث 11 شتنبر وما أعقبها من حروب وتغييرات في مفهوم الأمن والتحالفات.

كانت آمال التغيير المعقودة على الملك الجديد تتجاوز الحدود، إلى تصور انخراط أكبر للمغرب في قضايا الشرق الأوسط ومواجهة الهيمنة الأمريكية. ففي القمة العربية الطارئة لسنة 2000، دعا محمد السادس إلى تجاوز التعبير عن المواساة مع الفلسطينيين نحو دعم كفاحهم وقيادتهم، محذرا بعد ذلك من أن يسجل التاريخ أن القادة العرب أوهموا شعوبهم بتحقيق الوحدة، بينما لا تزيدها مواقفهم إلا تمزيقا.

لكن اللحظة الأكثر حساسية جاءت مع انطلاق الحرب الأمريكية على العراق سنة 2003، وترقب المغاربة لما سيقدم عليه ملكهم. دان الخطاب مأساة الشعب العراقي، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى التعقل والانضباط، ورفض استغلال القضايا القومية والمشاعر الشعبية للمس بالاستقرار الداخلي.

كانت الأولوية واضحة: إبداء الموقف من الحرب، دون السماح بأن تتحول تداعياتها إلى تهديد للدولة في الداخل.

غير أن السياسة الخارجية للعهد الجديد لم تبق أسيرة قضايا الشرق الأوسط ولا التوازنات التقليدية بين أوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي. فقد بدأت، تدريجيا، في إعادة تعريف موقع المغرب انطلاقا من إفريقيا، وربط التحرك الدبلوماسي بالمصالح الاقتصادية والأمنية والوحدة الترابية.

لم تكن العودة إلى إفريقيا مجرد تصحيح لغياب المغرب عن منظمة الوحدة الإفريقية منذ سنة 1984، بل كانت انتقالا من سياسة المقعد الفارغ إلى العمل داخل المؤسسة القارية. فخلال سنوات الغياب، وسع المغرب حضوره الثنائي عبر الزيارات الملكية والاتفاقيات والاستثمارات وتكوين الأئمة وإلغاء ديون عدد من الدول، قبل أن يقرر أن هذه العلاقات لا تغني عن الحضور داخل الاتحاد الإفريقي نفسه.

وأصبح التعاون جنوب–جنوب عنوانا مركزيا لهذا التوجه. لم يعد المغرب يقدم نفسه باعتباره جسرا تعبر منه السياسات الأوروبية نحو إفريقيا، بل شريكا إفريقيا يستثمر في البنوك والاتصالات والأسمدة والتأمين والبنيات الأساسية، ويربط التعاون بمشاريع قابلة للقياس. وفي هذا السياق، لم تعد الجولات الملكية مجرد زيارات بروتوكولية، بل آلية مباشرة لصناعة المجال الحيوي المغربي في القارة.

خدم هذا التوجه ملف الصحراء، لكنه لم يقتصر عليه. فالسياسة الإفريقية منحت الاقتصاد المغربي أسواقا جديدة، ورسخت حضوره الديني والأمني، ووسعت شبكات التحالف مع الدول التي ظلت لعقود مجالا مفضلا للدبلوماسية الجزائرية والبوليساريو. وهكذا أصبح الدفاع عن الوحدة الترابية جزءا من عرض أشمل يقوم على الاستثمار والتكوين والتعاون الأمني والديني.

بلغ هذا المسار محطة حاسمة في يناير 2017، حين عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي. لم يقدم الملك العودة باعتبارها طلبا للقبول داخل فضاء غريب، بل رجوعا إلى «البيت». وهي عبارة تلخص تحولا في العقيدة الدبلوماسية: إفريقيا ليست امتدادا ثانويا للسياسة الخارجية، بل عمق استراتيجي وهوية ومجالا للمصالح والنفوذ.

وفي موازاة العمق الإفريقي، حافظ المغرب على علاقاته التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، لكنه اتجه إلى تنويع الشركاء وتجنب الارتهان لمحور واحد. فالشراكة مع أوروبا ظلت مركزية اقتصاديا، والتحالف مع واشنطن استمر أمنيا واستراتيجيا، بينما توطدت العلاقات مع الصين وروسيا ودول إفريقية وآسيوية، في محاولة لبناء هامش أوسع للحركة.

هذا التنويع لا يعني الحياد بين القوى الدولية، بل ممارسة سياسة مصالح تتكيف مع عالم متعدد الأقطاب. فالمغرب لا يقطع مع الغرب، لكنه لا يريد أن تبقى علاقاته الخارجية رهينة الشركاء التقليديين؛ ولا يتخلى عن روابطه العربية والإسلامية، لكنه لم يعد يحصر حضوره الإقليمي فيها.

أما القضية الفلسطينية، فظلت ثابتا معلنا في الخطب والرسائل الملكية، بحكم رئاسة الملك للجنة القدس. وقد ازدادت حساسية الموقف بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل في دجنبر 2020، إذ أصبح الخطاب الرسمي مطالبا بالتوفيق بين علاقة ثنائية معلنة مع إسرائيل والالتزام بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

قُدم استئناف العلاقات باعتباره قرارا سياديا لا يلغي الموقف المغربي من فلسطين، لكن التطورات اللاحقة، ولا سيما الحرب على غزة، جعلت هذا التوازن أكثر صعوبة. فالدولة حافظت على علاقتها بإسرائيل، في الوقت الذي واصل فيه الملك، بصفته رئيس لجنة القدس، التأكيد على رفض تهجير الفلسطينيين والدعوة إلى وقف الحرب وإيصال المساعدات واحترام حل الدولتين.

وبذلك انتقلت السياسة الخارجية المغربية من تضامن عربي تقليدي مع فلسطين إلى إدارة مركبة لعلاقة تجمع التزاما تاريخيا بالقضية الفلسطينية، ومصالح استراتيجية وأمنية مع إسرائيل، وشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة. وهو توازن لا يخلو من الكلفة السياسية داخليا، لكنه يعكس المنهج نفسه القائم على جمع العلاقات المتعارضة بدل الاختيار النهائي بينها.

وفي الخليج، حافظ المغرب على علاقاته التاريخية مع الملكيات الخليجية، من دون أن يتحول إلى تابع كامل لاستقطاباتها. ظهرت هذه المسافة خلال الأزمة الخليجية سنة 2017، حين اختار الحياد الإيجابي وعرض وساطة بين قطر والدول المقاطعة لها، رغم علاقاته الوثيقة بالسعودية والإمارات. كان ذلك إعلانا بأن «العلاقة العائلية» لا تعني التفريط في استقلال القرار.

غير أن التحول الأبرز في السنوات الأخيرة تمثل في إعادة اكتشاف الواجهة الأطلسية للمغرب. فبعدما تمحورت السياسة الخارجية طويلا حول أوروبا والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي، أصبح الأطلسي مجالا استراتيجيا يصل المغرب بإفريقيا الغربية والساحل والأمريكيتين.

يندرج مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب ضمن هذه الرؤية؛ فهو ليس مشروع طاقة فقط، بل أداة لربط اقتصادات غرب إفريقيا، وتعزيز موقع المغرب بوصفه ممرا نحو أوروبا. كما جاء إنشاء إطار للدول الإفريقية الأطلسية ليمنح هذا التوجه بعدا مؤسساتيا يجمع الأمن البحري والطاقة والاستثمار والتجارة.

في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2023، اكتملت ملامح هذه الرؤية بإطلاق مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي. فالمشكلات التي تعانيها المنطقة، وفق الخطاب، لا تحل بالمقاربات الأمنية والعسكرية وحدها، بل بالتنمية وفك العزلة وفتح طرق التجارة والاستثمار.

تمنح المبادرة المغرب موقعا يتجاوز حدود الجوار المباشر؛ إذ يعرض بنياته الطرقية والمينائية والسككية لتكون منفذا لدول حبيسة مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد. وبذلك يتحول الموقع الجغرافي من معطى طبيعي إلى مشروع نفوذ: المغرب بوابة للساحل، ومركز للربط بين الأطلسي وعمق القارة.

كما تتقاطع المبادرة الأطلسية مع ملف الصحراء. فالأقاليم الجنوبية لم تعد تقدم باعتبارها أرضا ينبغي تثبيت السيادة عليها فقط، بل قاعدة للانفتاح على إفريقيا ومركزا للمشاريع الأطلسية. وهكذا تخدم التنمية والدبلوماسية واللوجستيك هدفا واحدا: جعل الاعتراف بمغربية الصحراء منسجما مع مصالح اقتصادية وإقليمية أوسع.

كخلاصة، ومنذ بداية العهد الحالي، تغيرت خريطة الأولويات الخارجية. كان الشرق الأوسط يحتل واجهة الخطاب، وكانت أوروبا والولايات المتحدة تحددان القسم الأكبر من علاقات المغرب الدولية. أما اليوم، فأصبحت إفريقيا والأطلسي في قلب الرؤية، فيما تحولت الدبلوماسية إلى امتداد مباشر للمشاريع الاقتصادية والأمنية والوحدة الترابية.

لم يتخل المغرب عن سياسة التوازنات التي ورثها عن الحسن الثاني، لكنه أعاد بناءها. فبدل الاكتفاء بالجمع بين صداقات متعارضة، أصبح يسعى إلى إنتاج أوراق قوته الخاصة: الاستثمار في إفريقيا، والأمن الديني، والتعاون ضد الإرهاب، والطاقات المتجددة، والموانئ، وأنبوب الغاز، والربط الأطلسي.

هكذا لم تعد السياسة الخارجية مجرد تدبير للعلاقات مع القوى الكبرى أو تعبير عن المواقف في القمم العربية، بل صارت جزءا من بناء موقع المغرب نفسه.

وبين الدعوة إلى دعم ياسر عرفات سنة 2000، والعودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، ثم المبادرة الأطلسية سنة 2023، انتقلت السياسة الخارجية من التفاعل مع أزمات الإقليم إلى محاولة صناعة إقليم جديد يكون المغرب في مركزه.

*هذا المقال جزء من العدد الخاص بالذكرى 27 لاعتلاء الملك محمد السادس عرش المغرب، لمجلة “لسان المغرب”. لقراءة العدد كاملا، يرجى الضغط على الرابط