الرباط على حافة الكأس.. قصة الأحد الذي نسي أن يزور الرباط
صباح هذا الإثنين 19 يناير 2026، كانت الرباط تبدو كمدينة خرجت من مباراة ولم تدخل بعد في يومها. صمتٌ ثقيل يغطّي الشوارع التي كانت تتهيأ للاحتفال، وأعلامٌ مبللة بالمطر تقف مثل شاهد على فرحة لم تكتمل، بينما يمشي الناس ببطء وكأنهم يعودون من حلم انكسر في آخر خطوة.
بعد ساعات قليلة، وداخل قصر الضيافة، استقبل الأمير مولاي رشيد، بتعليمات من الملك محمد السادس، أعضاء المنتخب الوطني الذين بلغوا نهائي “كان” المغرب 2025، في لحظة تحمل معنى التثبيت أكثر مما تحمل طقس التتويج.
اعترافٌ بمسار متميز وبدرس في المثابرة والروح الجماعية، كما ورد في برقية التهنئة الملكية، وإشارةٌ واضحة إلى أن ما وقع فوق العشب لا يُقاس فقط بالكأس، بل بما يرسخه من ثقة في الشباب، ومن رصيد في الطريق نحو استحقاقات أكبر.
وبين القصر والشارع، كانت صورة واحدة تفرض نفسها على الذاكرة: إبراهيم دياز يعتذر للجماهير، ويضع الخطأ في ميزان قلبه لا في شماعات الآخرين، والبلد كله يحاول أن يصدّق أن النهائي ضاع، لكن الحكاية لم تنته بعد.
الرباط تستعدّ للنهائي
قبل 24 ساعة من ذلك، لم يكن صباح الرباط في ذلك الأحد من يناير يشبه صباحات الرباط. كأن المدينة استيقظت قبل وقتها، أو كأنها لم تنم أصلا.
كانت السماء رمادية، والمطر يُجرب نزوله بالتقسيط، والهواء بارد بما يكفي ليجعل أيّة حركة صغيرة تبدو كتمرين على البقاء. ومع ذلك، كان هناك شيء آخر يتحرك تحت المعاطف والقبعات: نبضٌ مستعجل، وشهيّةٌ مفتوحة للفرح، وانتظارٌ لا يُدارى.
في محيط مركب الأمير مولاي عبد الله، كانت شاحنات النظافة وعمالها يشتغلون بنسق غير معتاد في يوم أحد. المكان يُكنس في كل الاتجاهات: الأرصفة، وممرات الراجلين، ومحيط السياج، والزوايا التي تعرف عادة ازدحام الباعة والوافدين. كانت المكنسات تُحدث صوتا حادا فوق الإسفلت المبلل، كأنها تُهيّئ الأرض لخطوات ستأتي بأعداد لا تقاس بالعين وحدها.
وبينما تُمسح بقايا الليل عن الشوارع الكبرى ومداخل المدينة، كان الاستنفار الأمني يكتب سطره الأول قبل التاسعة صباحا. وحدات من القوات المساعدة ترابط في محيط الملعب. وعناصر شرطة المرور منتشرة على غير العادة، والوجوه مُستيقظة أكثر مما ينبغي في يوم عطلة.
بين حين و/آخر، كانت تظهر “الواشمة” الجديدة التي ستستوقف انتباه كثيرين: سيارات تحمل عنوان “قوات خاصة”، وتُعلن انتسابها للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، نخبة الشرطة القضائية التابعة لجهاز المخابرات الداخلية. حضورها لا يحتاج إلى تفسير كثير؛ يكفي أن تراها لتفهم أن اليوم ليس يوما عاديا، وأن المدينة لا تُجرّب التنظيم، بل تُجرّب السيطرة على موجة بشرية قادمة.
هكذا بدأ النهار: تنظيفٌ يسبق الخطى، وأمنٌ يسبق الهتاف. لكن الرباط لم تكن فقط تحتضن مباراة. كانت تُعيد تشكيل نفسها استعدادا للحظة، كما لو أن العاصمة تتدرب على أن تكون “ملعبا كبيرا” لا مدينة.
تسخينات المدينة
في حدود الساعة التاسعة صباحا، بدأت أولى التدفقات البشرية تظهر بوضوح قرب محطة القطار “حي الرياض”، المقابلة للملعب. ثلاثة مغاربة يلفّون أكتافهم بالعلم الوطني، ويحملون شحنة من لوازم التشجيع: صفارات، وأعلام صغيرة، وربما شيء من تجارة المناسبات التي يعرفها هذا النوع من الأيام.
كانوا يبدون، في أعين المارة، جزءا من “بروفا” السوق الذي يولد كلما حضرت الكرة: بيعُ الفرح في شكل مادّي، وتغليفُ الانتماء في قماش أحمر.
بالقرب منهم، كان عددٌ من المشجعين السنغاليين يغادرون المحطة بحماس مبكّر، يتدثرون بأعلام بلادهم، ويتحركون ككتلة صغيرة لكنها واثقة. كل من صادفهم من المغاربة، يبادلهم التحية بنبرة فيها خليط من التحدي والدعابة. سيارات تمرّ بشارع الحسن الثاني، تطلق منبهاتها حين ترى الألوان السنغالية، والمارة الراجلون يتفاعلون مع المشهد بسرعة لافتة: نظرات، وابتسامات مترددة، وإشارات بالأصابع، وكلمات تُقال عادة في المواجهات الرياضية حين يصبح الاحتكاك بين الأعلام هو الشكل الأول من أشكال “الحرب المؤدبة”.
ما كان يحدث هنا ليس خصومة. بل كان تبادلا محسوبا لحقّ كل طرف في أن يحلم بصوته. وبين الحلم والحلم، تتكوّن الفرجة.
على مداخل الرباط الشمالية والجنوبية، بدا الاستعداد لتسهيل المرور واضحا. هناك توازنٌ صعب بين منطق المدينة التي تريد أن تتنفس، ومنطق النهار الذي يصرّ على أن يملأها دفعة واحدة. جماعات من الوافدين تتقاطر عبر القطار، وأجانب قضوا الليلة في فنادق وسط المدينة يتحركون في اتجاه القلب الرمزي للمشهد.
في الرباط، وخلال المباريات الكبرى، يتحول مركز المدينة التاريخي إلى نقطة التقاء ثم إلى نقطة عبور. لا أحد يأتي ليبقى طويلا. الجميع يأتي ليصعد موجة اليوم ثم يتركها تحملُه إلى حيث يجب أن يكون: الملعب، أو المقهى، أو شارع التظاهر أو الاحتفال.
“جامع الفنا” في الرباط
في قلب العاصمة، وعند المدخل الرئيس لمجلس النواب، حدثت لقطة صغيرة لكنها تختصر روح اليوم. مجموعة مشجعين سنغاليين تستوقف “لسان المغرب” لتسأل: “ما اسم هذا الشارع؟”. كان الجواب بسيطا: “إنه شارع محمد الخامس، أشهر شوارع المدينة”.
لكن ما جاء بعد الجواب كان أكثر دلالة من السؤال نفسه. راودتنا فكرة مزحة تُطلق دون بروتوكول: “وهنا سنحتفل الليلة بعد الفوز بالكأس”. انفجر السنغاليون ضاحكين، واعترضوا بالأسلوب ذاته.
لحظةٌ قصيرة، لكنها تشرح شيئا لا تتيحه التحليلات الطويلة: الكرة، حين تكون كبيرة، تفتح بابا للتماس الإنساني قبل التماس الرياضي. تُحوّل التحدي إلى لعبة، والخصومة إلى نكتة، والمدينة إلى فضاء واحد يتسع لرايتين دون أن ينهار أي نظام سياسي.
وبينما كان شارع محمد الخامس يمضي في يومه نحو الازدحام، كانت “السويقة”، قلب الفضاء الشعبي للمدينة العتيقة، تجهّز نفسها لمهمة أخرى: صناعة البؤرة الاحتفالية الأولى.
هناك، بجانب السوق المركزي، بدأت تتجمع أولى “حروف الهتاف” قبل أن تتجمع الجموع. محترفو التنشيط الجماهيري في مدرجات الملاعب يحولون المكان إلى نسخة مصغرة من فضاء “جامع الفنا” المراكشي. كل يبحث عن دائرة صغيرة كي يشعل شرارته. طبول تُقرع. أصوات تتداخل. أكتاف تهتز. وجوه تضحك قبل أن تعرف نتيجة المباراة أصلا. من يقودون هذا النوع من الفرجة يعرفون أن الحماس لا ينتظر صافرة البداية. الحماس يجب أن يولد قبلها بساعات، وإلا اعتُبر متأخرا.
من نهر محمد الخامس إلى نهر النخيل
مع تقدم الوقت، بدأ شارع محمد الخامس يتحول إلى ما يشبه مجرى نهر يصب في مدخل “السويقة”. حركة بشرية تتدفق بثبات، تلتقط كل من يقف على الهامش وتجرّه إلى الداخل.
من هناك ينطلق “الكرنفال” نحو المدينة العتيقة، ينتشر في اتجاه زنقة القناصل يمينا وسوق الجزاء في العمق. كأن الرباط العتيقة تستعيد وظيفتها التاريخية: ليست مجرد جدران قديمة وأسواق، بل جهازٌ اجتماعي يمتص الجموع ويعيد توزيعها في الأزقة.
كان للمشهد لونٌ واحد غالب هو الأحمر. سيلٌ هادر من الأعلام المغربية يغمر الزوايا الصغيرة ويغطي الأكتاف والرقاب، حتى بدا كأن الناس يمارسون استحماما جماعيا في الألوان الوطنية. ووسط كل هذا الانغماس، تظهر أقلية سنغالية تكسر رتابة اللون الواحد دون أن تفسده: أعلام خضراء وصفراء وحمراء تمرّ وسط بحر أحمر.
والأهم أن مرورها كان يتمّ بتسامح واضح، وبفضول متبادل، وبقبول يمتحن نفسه في يوم عصيب كهذا. وكان المعنى واضحا: المدينة تريد فرحا لا شغبا، تحديا لا كراهية.
ثم، مع مرور الساعات، بدا كأن مركز الثقل في الرباط يتحرك جنوبا، كأن المدينة كلها تهاجر في اتجاه واحد. المشجعون، راجلين وراكبين، يتدفقون تدريجيا نحو منطقة الملعب. من مقاطعة حسان في قلب المدينة، إلى حي الرياض وشارع النخيل، ذلك الشريان الذي صار “نهرا” موازيا لشارع محمد الخامس، لكنه يصب مباشرة في ملعب مولاي عبد الله، حيث سيُكتب فصل الحسم.
محج الرياض، الذي يُفترض أن يكون هادئا في عصر يوم أحد مطير، تحول إلى اسم على مسمى. لم يعد ممشى للنزهة فقط، بل صار ممشى للحلم.
المطاعم هناك بدت كأنها امتدادٌ لمدرجات الملعب: نفس القمصان، ونفس الألوان، ونفس الاستعداد النفسي. موائد تُرتّب بعجلة. نُدل يركضون بين الزبائن. رائحة طعام مغربي تختلط بروائح آسيوية وأوروبية وشامية. قائمة أطباق متنوعة لكن زبائنها متشابهون في شيء واحد: يأتون من أجل مباراة، ويأكلون كأنهم يتزودون لطريق طويل.
معسكر إعدادي للجماهير
كان هناك نوعٌ من “التربص الإعدادي” قبل النزول إلى الملعب. الناس لا يذهبون دفعة واحدة، بل يصعدون تدريجيا في مزاج اليوم: قهوة أولى، صورة تذكارية، نداء لصديق، قطعة حلوى، نظرة على الهاتف، ثم قرار الحركة. حتى الحماس له طقوس: لا يأتي عاريا، بل يرتدي مقدمات صغيرة.
وحين تبدأ المدينة بالتحرك نحو نقطة واحدة، ينهار قانون السير أمام قانون الجموع. تدريجيا راح الاختناق المروري يبسط سيطرته على شارع عبد الرحيم بوعبيد، الرابط بين وسط الرباط وشارع النخيل. الانعطافة الأخيرة نحو الملعب تحولت إلى امتحان صبر. دائرة بقطر بضع كيلومترات صارت موقفا مفتوحا للسيارات. من يبحث عن مكان يتصرف بعقلية “ما بعد المباراة”، ويستحضر سؤال “كيف سأغادر؟” و”من أين سأهرب من الزحام؟”، “هل أركن بعيدا وأمشي نصف ساعة بعد المباراجة؟”… كثيرون كانوا يقبلون بالمشي الطويل كضريبة مسبقة لتفادي الشلل بعد النهاية.
في هذا اليوم، لم يكن المشي عقوبة، بل كان جزءا من الطقس. وحين تمشي في الرباط نحو الملعب، تتعلم معنى آخر للمدينة: أنها لا تُرى فقط من داخل السيارة، بل تُقرأ على الرصيف. تُرى في وجوه الناس، وفي الباعة، وفي الأطفال الذين يلوّحون بعلم أكبر من أجسادهم، في شاب يحمل طبلا كأنه يحمل قلبه النابض.
حي الرياض، الهادئ عادة في نهايات الأسبوع، حين ترتاح الإدارات والمؤسسات العمومية من ضجيجها، بدا أشبه بسوق أسبوعي مفتوح. المقاهي ممتلئة، لكن الامتلاء ليس دائما على طريقة الجلوس. في بعض الحالات، الناس مصطفّون في الداخل دون طاولات، كأن المقهى نفسه لم يعد مقهى، بل محطة انتظار.
حضور العنصر النسوي كان لافتا: في صفوف الجموع المتوجهة نحو الملعب، وفي المقاهي، وفي المجموعات التي تلتقط صورا أمام واجهات المحلات. هذه ليست تفاصيل شكلية؛ إنها علامة على أن اللعبة صارت حدثا عائليا واجتماعيا. الكرةٌ تفتح الباب للجميع.
دواء الضغط قبل الصافرة
في قلب هذه التفاصيل، بعثت “لسان المغرب” رسالة إلى صديق مغربي يقيم في الخارج طلبا لرقم هاتف صديق مشترك. فجاء الرد فورا بسؤال لا يخطئه أحد في هذا اليوم: “كيف هي الأجواء؟” كانت الإجابة بسيطة: “ماطرة”. لكن الصديق لم يلتقط المطر بوصفه طقسا فقط، بل بوصفه عتبة للضغط. ردّ بسرعة: “لقد اشتريت دواء الضغط استعدادا للمباراة”.
جملة صغيرة تضحكك، لكنها تحمل حقيقة كاملة: نهائي كرة القدم ليس تسعين دقيقة فقط؛ بل جهازٌ عصبي يشتغل في كل بيت مغربي، حتى في بيوت المغتربين الذين لا يرون الملعب لكنهم يرون المغاربة وهم يتجمعون على شاشة واحدة.
المغاربة في الداخل والخارج يعيشون هذا اليوم كحالة مشتركة، كأن كل واحد منهم يحمل زاوية من المدرجات في صدره.
مع اقتراب العصر، صار واضحا أن الملعب ليس المكان الوحيد للنهائي. هناك نهائيٌ مواز يُلعب في المقاهي. عندما كان جمهور ملعب مولاي عبد الله يتابع فصول حفل الاختتام قبل ساعة واحدة من انطلاق المباراة، كانت مقاهي الرباط، كما باقي مدن المغرب، تتحول إلى امتداد حقيقي للمدرجات.
نسبة ملء تفوق الطاقة الاستيعابية. وضحكات تتحول إلى توتر. وأكواب شاي تتحرك فوق رؤوس الناس. وشاشات تُرفع قليلا حتى تراها الصفوف الخلفية. ومع كل هذا، يشتغل المقهى كمساحة اجتماعية بديلة: من لا يملك تذكرة، يملك كرسيا أو حتى “وقفة” أمام شاشة. ومن لا يملك اشتراكا، يجد حلا بأي شكل. المهم ألا يفوته المشهد. ولا يُترك خارج الحكاية.
أسبوع بلا أحد
بين الملعب والمقهى، تعود الرباط إلى دورها التاريخي: مدينة تتسع للسلطة وللشارع في الوقت نفسه. ففي محيط مجلس النواب كان السنغاليون يسألون عن اسم الشارع ويضحكون. وفي محيط الملعب كانت “قوات خاصة” تفرض حضورها. الدولة هنا ليست مجرد تنظيم لمرور، بل إدارة لمزاج جماعي. والمجتمع ليس مجرد جمهور، بل كتلة تريد أن تعيش لحظة نادرة.
على الأرض، كانت المدينة تُرسل إشارات صغيرة عن حجم اليوم: أكياس قمامة إضافية، وحواجز حديدية جديدة، ورجال أمن في زوايا لم نعتد رؤيتهم فيها، وصفارات تُسمع قبل أن تبدأ المباراة.
حتى المطر، حين ينزل، لا يبدو كعائق. بل يصبح جزءا من المشهد. كأن السماء تريد أن تختبر صبر المدينة: هل ستفرحون رغم البلل؟ هل ستكملون الطريق حتى النهاية؟
المفارقة أن هذا النوع من الأيام يجعل الجميع “خبراء” في التنظيم. كل لديه نصيحته: اركن هنا، مرّ من هناك، لا تقترب من هذه النقطة، امشِ قبل أن تغلق الطرقات. أصبحت المدينة تُدار عبر نصائح الناس بقدر ما تُدار عبر الشرطة. وهذه واحدة من خصائص النهائيات: تُنتج معرفة مشتركة في لحظة قصيرة ثم تختفي.
في هذا اليوم، بدا أن الرباط أكثر من مجرّد عاصمة سياسية، بل عاصمة شعورية. تتغير هيئتها، يتغير توقيتها، ويتغير مزاجها. حتى “الأحد” بدا وكأنه غائب: المدينة تشتغل كما لو كانت في يوم عمل، لكن ليس من أجل الإدارة، بل من أجل الحلم.
الانعطافة الأخيرة
بينما كانت الجموع تتقدم نحو الملعب، كان بمقدورك أن ترى كيف تتشكل الهوية من أشياء بسيطة: قميص أحمر يُلبس لأول مرة، وعلمٌ يُلف على كتف طفل فيلتصق به كما لو أنه جزء من جسده، وامرأة تصفف شعرها على عجل ثم تخرج، وشاب يمشي وهو يراجع أسماء اللاعبين كمن يراجع درسا قبل امتحان، وفي ذروة المشهد مشجع سنغالي يمرّ وسط شارع النخيل فيصافحه مغربي بابتسامة تحد لائقة.
وعلى امتداد هذا اليوم، كان هناك سؤال واحد يختبئ خلف الضجيج: هل يستطيع المغرب أن يتحمل ثقل النهائي على أرضه؟ ثقل الحلم حين يصبح ممكنا؟ ثقل الجمهور حين يصير ملايين في قلب واحد؟ لا أحد يجيب. لأن الإجابة ليست الآن. الإجابة ستكون مساء، حين تبدأ الكرة في الكلام، وحين يتحول كل ما سبق إلى مقدمة لشيء واحد: لحظة الحسم.
قبل أن يحلّ الليل، كان يمكن القول إن الرباط قد ربحت بالفعل شيئا: ربحت صورة المدينة التي تخرج من رتابتها، وتستعيد قدرتها على أن تكون مسرحا للمعنى. ربحت اختبار التنظيم الأولي، واختبار التعايش البسيط بين أعلام مختلفة، واختبار أن يتحول الشارع إلى مساحة احتفال لا مساحة نزاع.
في النهاية، وأنت تُحاول الاقتراب من محيط مركب مولاي عبد الله، تكتشف أن الملعب ليس بناية فقط. إنه مغناطيس. يجرّ كل ما حوله: الوجوه، والسيارات، والباعة، ورجال الأمن، والصحافيين، و… الأمل.
وفي لقطة أخيرة قبل أن يبتلع الليل المدينة، يظهر شابٌ واقف في مدخل شارع النخيل من ناحية الملعب، يحمل علما مغربيا مبتلا بالمطر، يرفعه مرة وينزله مرة، كأنه يختبر وزنه. بجانبه طفلٌ صغير، يجرّب الصفارة ويضحك. وعلى الطرف الآخر من الشارع، يمر مشجع سنغالي يلوّح بعلمه في هدوء.
لا أحد يتشاجر. لا أحد يصرخ خارج الحد. كل شيء يتجه نحو الداخل… نحو الملعب. والرباط في تلك اللحظة تبدو كمدينة تمشي على صوت واحد، وتحبس أنفاسها، كأنها تقول بصمت كامل: سنرى ما الذي سيحدث حين تبدأ الحكاية الحقيقية على العشب.
مدرّجات خارج الملعب
هنا في حيّ الرياض، حيث المقاهي كانت منذ الظهيرة ممتلئة، كان النهائي يُلعب خارج الملعب أيضا: على الطاولات، وبين الكراسي المتلاصقة، وفي العيون المعلّقة على الشاشات الكبيرة والصغيرة.
هناك، لم يكن أحد يسأل عن الخطة ولا عن الإحصائيات؛ السؤال الوحيد كان بسيطا وقاسيا: هل سنرفع الكأس أخيرا؟ كانت الوجوه موزعة بين مشروبات وحلويات وأطباق المكسرات، لكن القاسم المشترك واحد: يدٌ على القلب ويدٌ على الهاتف، كأن الجميع يريد أن يوثق الفرح قبل أن يحدث.
“هادي فرصتنا.. ما غاديش تعاود بحالها”، قال شاب وهو يمد عنقه فوق كتف صديقه ليلتقط زاوية أفضل للشاشة، فيما كان رجل خمسيني يراقب المباراة بصمت شديد، لا يلتفت حتى لمن يمر بجانبه، كأنه يخاف أن يفوته جزء من الحلم.
مع أول لحظة توتر في المباراة، تغيّر إيقاع المكان دون إعلان. أكواب الشاي بردت سريعا، وكلمات المزاح انكمشت، والهواتف صارت جزءا من المشاهدة أكثر من الشاشة نفسها.
كل هجمة سنغالية كانت تمر مثل ريح باردة على الأعصاب، وكل كرة عرضية داخل منطقة الجزاء كانت تجعل أجسادا كثيرة تنهض دفعة واحدة، ثم تعود للجلوس كأنها نجت للتو من حادث.
في الدقيقة التي ضاعت فيها فرصة سانحة للسنغال، ووجد بونو نفسه وحيدا أمام تسديدة قاتلة، سمعتَ في المقهى صوتا واحدا يخرج من عشرات الأفواه في شكل صرخة ألم، ثم جاء بونو بطرف قدمه اليمنى، وبرد فعل أقرب للمعجزة، فأبعد الكرة وكأنه يجرّ المغرب كله من حافة السقوط.
لحظتها لم يصفّق الناس فقط، بل صرخوا باسمه كما لو أنه موجود بينهم: “بونووو!”، صاح أحدهم وهو يضرب الطاولة براحة يده، فيما هتف آخر من آخر القاعة: “الله يرحم للي رباك!”.
تكررت اللقطة أكثر من مرة، وكانت السينغال تضغط، والمغاربة في المقاهي يشيعون كل محاولة مثل جنازة محتملة، قبل أن يعيد بونو بعصبيته الباردة ترتيب المشهد.
عندما كان الخصم يضيع فرصة أخرى، انطلقت ضحكة قصيرة وسط المقهى، ضحكة مرتبكة لا تشبه الفرح بقدر ما تشبه “النجاة المؤقتة”.
“شفتو؟ هادي راه إشارة… غادي نديوها”، قال شاب لرفاقه وهو يحاول أن يقنع نفسه أكثر مما يقنعهم. في تلك الدقائق، لم يعد الناس يشاهدون مباراة فقط، كانوا يتفاوضون مع القدر: مرة عبر دعاء سريع، ومرة عبر قسم ثقيل، ومرة عبر صمت جماعي يسبق كل تسديدة.
ضربة جزاء طويلة
عندما جاءت ضربة الجزاء إياها في الدقيقة الأخيرة، حدث شيء يشبه الانقطاع الكهربائي داخل المقاهي: صمتٌ كامل يسبق الانفجار، ثم انتظارٌ طويل قتل كل حماسة.
وقف الجميع، حتى الذين كانوا في الخارج عادوا يركضون، والكراسي تحركت بعشوائية، وكأن الحي كله يريد أن يقف أقرب خطوة نحو الكأس. لكن الانتظار تمدّد بشكل غير طبيعي. احتجاجات سينغالية، وتوقف، وفوضى في المدرجات، ولاعبون يتجادلون، والناس هنا يحدقون في الشاشة دون أن يرمشوا.
“بغاو يطيحو التركيز”، قال رجل وهو يشد ياقة معطفه بعصبية، قبل أن يضيف: “هادي ماشي كورة، هادي حرب”. كانت لحظة تنفيذ ضربة الجزاء تُستنزف بالتفاصيل، وكأنها تُسحب من معناها، ثم تُعاد إلينا فارغة من قوتها الأولى. لحظة مؤجلة، متعبة، ومثقلة بكل ما يكفي لإرباك قدم واحدة، مهما كانت موهوبة.
حين أمسك ماندي الكرة، لم يصرخ أحد. وقعُ الخسارة لم يأتِ كصفعة، بل كهبوط بطيء في المعدة. بعضهم وضع يده على رأسه، وبعضهم نظر إلى الأرض كأنه يفتش عن تفسير تحت البلاط، وآخرون ضحكوا ضحكة قصيرة بلا معنى، كأن الجسد يبحث عن مخرج سريع من ثقل اللحظة.
كان واضحا أن الركلة لم تُضع هدفا فقط، بل سحبت من المغرب كله حقّه في الاحتفال الذي كان جاهزا في كل التفاصيل.
الفرحة جماعية والحزن على انفراد
ضاعت ضربة الجزاء وأعقبها هدف السينغال القاتل في بداية الشوط الإضافي الأول، وفي الشوارع المحيطة بملعب مولاي عبد الله، كانت الأعلام ما تزال على الأكتاف، لكنها فقدت خفتها.
الناس هناك خرجوا من المقاهي في مجموعات صغيرة، لا ليمشوا مع القادمين من الملعب، بل ليُعيدوا ترتيب الخيبة في الهواء الطلق. عند محجّ الرياض وشارع النخيل، لم تختف الحركة تماما، لكنها صارت حركة مترددة، وخطوات قصيرة، ووجوه تنظر إلى بعضها دون كلام، كأن الجميع يسأل السؤال نفسه دون أن يجرؤ على نطقه.
منذ بداية الشوطين الإضافيين، كان كل شيء ينحدر نحو النهاية. والهدف السنغالي لم يكن مجرد كرة في الشباك، بل إعلانٌ بأن المسافة بين الحلم والواقع ما تزال طويلة، وبأن هذه المدينة التي تحوّلت منذ الصباح إلى كتلة واحدة من الترقب، ستعود فجأة إلى أفراد متعبين يحمل كل واحد منهم خسارته وحده.
العرس استحال مأتما
بعد صافرة النهاية، بدأ حيّ الرياض يتعرّى من ضجيجه. والمنصات التي نُصبت للاحتفال بدت مثل ديكور لحدث لم يحدث. باعة الأعلام طووا بضاعتهم بصمت، ومن كانوا قبل ساعات يلتقطون صورا جماعية صاروا يكتفون برسالة قصيرة على الهاتف أو تنهيدة طويلة.
حتى السيارات التي كانت تمرّ وهي تُطلق الأبواق طوال اليوم، صارت تعبر ببطء وفي صمت، كما لو أنها تعتذر عن صوتها السابق.
في بعض الزوايا، كان الغضب يبحث عن عنوان: مرة في التحكيم، ومرة في “مسرحية” التوقف، ومرة في خيار “البانينكا” الذي بدا للجميع كأنه سوء تقدير في لحظة لا تقبل التجريب. لكن وسط هذا كله، كان هناك شيء آخر أقوى من الغضب: الإحساس بأن الهزيمة لم تكن عادلة في تفاصيلها، وأن المباراة لم تُحسم فقط بما جرى في التسعين دقيقة، بل بما جرى حولها أيضا.
هكذا انتهت ليلة كان يفترض أن تكون عرس الرباط، لتصير اختبارا جماعيا لطريقة استقبال الخسارة. المغرب الذي عاش يومه على إيقاع حلم واحد، عاد في آخره إلى صمت ثقيل. صمتُ من كان يرى الكأس قريبة إلى حدّ اللمس، ثم اكتشف أنها ما تزال في الجهة الأخرى من التفاصيل.
هذا المقال نشر ضمن العدد 96 من مجلة “لسان المغرب”