اتهامات لبنسعيد بـ “توظيف” مركبات سوسيو-رياضية بالبيضاء لأغراض انتخابية ومصدر ينفي
فجرت مكونات الأغلبية المسيرة لمجلس جماعة الدار البيضاء في الأيام الأخيرة جدلا سياسيا، عنوانه “استغلال النفوذ وتضارب المصالح”، عقب اتهامات لوزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد بـ “استغلال نفوذه الوزاري”، وإسناد تدبير مركبين سوسيو-رياضيين بالمدينة لفائدة جمعيتين محليتين “قريبتين من حزب الأصالة والمعاصرة”، من أجل حسابات انتخابية بمناسبة اقتراب استحقاقات 2026 شهر شتنبر المقبل.
ورغم الطابع الإداري العادي للقرار في ظاهره، إلا أن تمحيص هوية الجهات المستفيدة أثار تساؤلات حول احتمالية استغلال هذا الأمر “لحسابات سياسية”، بحيث تبين أن الجمعية المسؤولة عن تدبير المركب السوسيو-رياضي بالحي المحمدي تترأسها نفيسة رمحان المنتمية لحزب الأصالة والمعاصرة، والتي تشغل في الآن ذاته منصب نائبة رئيسة جماعة الدار البيضاء، كما كشفت المعطيات أن الجمعية الثانية، المكلفة بتدبير المركب السوسيو-رياضي عين السبع، تترأسها إحدى قريباتها التي تربطها صلة قرابة ببرلماني عن نفس الحزب.
وما زاد من حدة الانتقادات لهذا القرار، هو اللون السياسي الواحد الذي يجمع خيوط هذه العملية؛ إذ أن الأطراف “المعنية” تنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهو نفس الحزب الذي يقود الوزارة الوصية على القطاع في شخص الوزير محمد المهدي بنسعيد.
هذا التقاطع في الانتماءات بين الوزارة المانحة والمنتخبين “المستفيدين” عبر غطاء جمعوي، وضع تدبير المرفق العام تحت مجهر المساءلة السياسية في أكبر مدينة في المغرب، وسط اتهامات “باستغلال نفوذ وزاري وتكريس الريع الجمعوي”.
يشار إلى أن عملية إسناد تدبير المركبات السوسيو- رياضية بمدينة الدار البيضاء، تأتي في إطار اتفاقية شراكة موقعة منذ سنة 2010 بين الوزارة و مجلس جماعة الدار البيضاء، والتي تهدف إلى إحداث نوادي سوسيو-رياضية للقرب وملاعب لكرة القدم بمختلف أحياء الحاضرة الميتروبولية، لتعزيز البنية التحتية الرياضية بالمدينة.
“استغلال حزبي”
وعلاقة بالموضوع، أوضح رئيس فريق الاستقلالي بجماعة الدار البيضاء، مصطفى حيكر، (أحد مكونات الأغلبية بالمجلس) أن هذا الوضع “تفوح منه رائحة تضارب المصالح واستغلال نفوذ وزاري”، في إشارة إلى استغلال المنصب الحكومي للوزير، لتوجيه مشاريع عمومية نحو فئات موالية سياسيا.
وخلق رئيس الفريق الاستقلالي، الذي نقل هذا النقاش إلى دورة ماي لمجلس جماعة الدار البيضاء، يوم الخميس 07 ماي 2026، نقاشا حادا بين الفرق المشكلة للأغلبية المسيرة للمجلس لاسيما حزبي الاستقلال، والأصالة والمعاصرة.
وفي هذا الصدد، أشار حيكر إلى في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن هذا المشروع بات يجسد “الانحراف عن الأهداف الأصلية لاتفاقية الشراكة التي كان من المفترض أن تخدم شباب المدينة”.
وناشد الفريق الاستقلالي رئاسة جماعة الدار البيضاء وولاية الجهة بضرورة التدخل العاجل للتصدي لما أسماه “العبث السياسي”، داعيا السلطات المختصة إلى حماية الملك العمومي من “الاستغلال الحزبي الضيق وضمان حيادية المرافق الرياضية”.
وأكد مصطفى حيكر أن فريقه بصدد توقيع سؤال كتابي موجه إلى رئيسة الجماعة المنتمية لحزب التجمع الوطني للأحرار، والوالي، والبرلمان، بهدف وضع حد لما وصفه بـ “الانفلات” الذي يمس جوهر العملية الديمقراطية، ويعيد إلى الأذهان حقبة “التحكم والتماسيح والعفاريت وعصر الفراقشية السياسية”، داعيا إلى إبداء رأي فريقه بشأن الإتفاقية السالفة الذكر، وملمحا أيضا باللجوء إلى القضاء الإداري.
وتبعا لذلك، أبرز المتحدث رفض حزبه “الصارم لتسخير جمعيات موالية لحزب الوزير”، للإشراف على هذه الملاعب، خاصة وأن هذه الجمعيات تضم في عضويتها منتخبين داخل مجلس الجماعة، مطالبا بضرورة عرض الاتفاقية مجددا لإبداء الرأي فيها بكل شفافية.
“تصفية الحسابات السياسية”
وفي مقابل هذه الاتهامات، أفاد مصدر مقرب من وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، بعدم وجود أية خلفيات سياسية أو انتماءات حزبية وراء اختيار الجمعيات المكلفة بتدبير المركبات السوسيو-رياضية بمدينة الدار البيضاء.
ونفى المصدر، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، “بشكل قاطع وجود أية نية مبيتة من الوزير أو الوزارة لمنح امتيازات لجمعيات تربطها صلة بحزب الأصالة والمعاصرة”، مؤكدا أن الوزير “يحرص بشدة على اعتماد معايير الكفاءة والشفافية بعيدا عن أية محاباة سياسية”.
ومن جانب آخر، اعتبر المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، الاتهامات الواردة في البلاغ المشترك حول نفس الموضوع، لأحزاب المعارضة بمجلس جماعة البيضاء (الاتحاد الشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية)، (اعتبر) أن تلك الاتهامات تندرج ضمن خانة “تصفية الحسابات السياسية لا غير”، مشيراً إلى أن الإدعاءات الموجهة للوزارة “تفتقر إلى أساس واقعي أو سند قانوني متين”.
وتساءل المتحدث عن المبررات التي استندت إليها أحزاب المعارضة بالمجلس في صياغة اتهاماتها، واصفاً إياها “بالخطوة التي تفتقد للدقة”.
“مزايدات سياسية”
ومن جانبها، نفت نائبة رئيسة جماعة الدار البيضاء ورئيسة إحدى الجمعيتين المعنيتين، نفيسة رمحان، جملة وتفصيلا صحة الاتهامات الموجهة إليها، واصفة إياها “بالادعاءات التي لا أساس لها”، عادّة الأمر مجرد “مزايدات سياسية”.
وأوضحت رمحان، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن الاتفاقية المبرمة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، تتعلق بـ “تسيير المرفق وليس امتلاكه”، مشددة على أن هذا التوجه يمثل “مشروعا نموذجيا” تعتمده الوزارة، حيث سيتم تعميمه لاحقاً ليشمل مرافق أخرى تُسند لجمعيات محلية بمختلف المناطق.
وأكدت رمحان أن اختيار جمعيتها “يأتي في سياق تنزيل رؤية الوزارة لإشراك النسيج الجمعوي في تدبير ملاعب القرب والمراكز السوسيو-رياضية، كآلية جديدة للرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين”.
وتعليقا على البلاغ المشترك لبعض مكونات المعارضة بالمجلس، وصفت نفيسة رمحان ما جرى بـ “المزايدات السياسية” المرتبطة بقرب الاستحقاقات الانتخابية، معتبرة أن منطق “تبادل الضربات” هو المحرك لهذه الانتقادات، خاصة وأن العديد من المرافق يُسيرها فاعلون ينتمون لأحزاب مختلفة.
أما بشأن شبهة تضارب المصالح، أكدت المسؤولة الجماعية “عدم وجود أي شبهة من هذا النوع” لكون المرفق تابعا لوزارة الشباب والثقافة والتواصل وليس لجماعة الدار البيضاء، موضحة أن الجماعة لا تربطها أية صلة بهذا المرفق تحديدا.
وفي المقابل من ذلك، دعت رمحان إلى التركيز على المشاريع الكبرى التي تنتظرها الساكنة البيضاوية والوفاء بالالتزامات التنموية التي يحث عليها الملك محمد السادس، معتبرة أن الأولوية يجب أن تنصب على ما يُقدم للمدينة من مشاريع واقعية وملموسة تترجم التوجهات الملكية على الأرض، “بدلاً من الانشغال بنقاشات هامشية”.
“توظيف انتخابي”
ومن جهتها، سارعت أحزاب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية“، و”العدالة والتنمية”، و”التقدم والاشتراكية” بمنطقتي الحي المحمدي وعين السبع، إلى إصدار بلاغ مشترك نددت من خلاله بهذا القرار، متهمة الوزارة صراحة “بمحاباة جمعيات موالية للونها السياسي”.
وشدد البلاغ على أن تدبير هذه المرافق الحيوية كان يجب أن يظل تحت إشراف مؤسسات عمومية محايدة — كالجماعة أو المقاطعات أو الوزارة الوصية مباشرة — لضمان مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص بين كافة فعاليات المجتمع المدني.
وعبرت الهيئات السياسية الموقعة على البلاغ عن استغرابها الشديد من توقيت هذا القرار، معتبرة أن تزامنه مع اقتراب الاستحقاقات البرلمانية المقررة شهر شتنبر 2026، يطرح علامات استفهام كبرى حول “استغلال مؤسسات الدولة لأغراض انتخابية صرفة”.
ووصف البلاغ هذه الخطوة بأنها “محاولة لتوظيف المرفق العام في سياق انتخابي”، وهو ما دفع الأحزاب الثلاثة إلى المطالبة بالتراجع الفوري عن هذا القرار، حمايةً للمؤسسات من أي انزلاق سياسي قد يمس بنزاهة العمل الجمعوي والانتخابي بالمنطقة.
وفي سياق متصل، أفاد رشيد اجكيني عضو فريق العدالة والتنمية بالمجلس، وأحد الموقعين على البلاغ السالف الذكر، بأن “عملية التفويت هذه تعتبر غير قانونية وتتنافى بشكل صريح مع مقتضيات اتفاقية الشراكة الموقعة بين مجلس جماعة الدار البيضاء والوزارة سنة 2010”.
وأوضح اجكيني، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن ” الوزارة الحالية بادرت منفردة وبطريقة متحيزة لصالح طرف حزبي معين، مما يكرس مبدأ تضارب المصالح دون أي اعتبار للمصلحة العامة”، مبرزا أن رئيسة إحدى الجمعيتين اللتان استفادتا من هذه المرافق تعد نائبة عمدة وهذا يعني تضاربا للمصالح”.
وخلص المتحدث نفسه، إلى أن “ممثلي الهيئات السياسية بالحي المحمدي وعين السبع، يناشدون والي الجهة وعامل عمالة مقاطعة عين السبع التدخل العاجل لوقف هذا القرار الذي نعتبره فاقدا لمشروعية ومناقضا لمبادئ الوضوح والشفافية”.