أكاديميون يحذرون: كلفة التطبيع تتجاوز السياسة إلى الأمن والسيادة
أكد أكاديميون وباحثون أن مسار التطبيع الذي دخل فيه المغرب خلال السنوات الأخيرة، لم يعد يناقش فقط من زاوية سياسية أو دبلوماسية، و إنما بات يطرح أسئلة مقلقة على المستويات الاقتصادية والاستراتيجية والاجتماعية، في ظل ما وصفوه بـ”حصيلة ثقيلة الكلفة وغير واضحة المكاسب”.
وحذر المتدخلون خلال الندوة الوطنية التي نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين المعنونة “خمس سنوات على التطبيع..الراهن و المآلات” (حذروا) من أن هذا المسار، كما تم تنزيله، أفرز اختلالات بنيوية تمس السيادة الوطنية في مجالات حساسة، على رأسها الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، إلى جانب الانعكاسات الجيوسياسية التي أدت إلى توتير المحيط الإقليمي ورفع منسوب المخاطر.
وشدد الأكاديميون على أن النقاش حول التطبيع يجب أن ينتقل من منطق الشعارات إلى منطق التقييم العلمي، القائم على الأرقام والوقائع، معتبرين أن غياب الشفافية واحتكار القرار حال دون نقاش عمومي صريح حول الكلفة الحقيقية لهذا الخيار على المدى القريب والبعيد.
الاقتصاد المغربي يدفع الثمن
خلال مداخلته أكد الدكتور الأستاذ بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة محمد الناجي، أن التطبيع يشكل أحد أكبر المصائب والابتلاءات والأخطار التي تهدد المغرب، ليس فقط على مستوى مؤسساته، بل على مستوى أجياله ومستقبله الاستراتيجي، مشيرا إلى أنه بعد خمس سنوات، لم يعد الحديث عن تطبيع عادي، وإنما عن “طوفان تطبيعي” غير مسبوق، اختار مقاربته من الزاوية الاقتصادية، “باعتبارها الأكثر كشفًا لحصيلة هذا المسار”.
وأضاف الناجي أن السبب المركزي لهذا الوضع يعود إلى الاتفاق الثلاثي، أو ما يسمى باتفاقية أبراهام، التي سُوّقت على أساس “الصحراء مقابل التطبيع”، في حين أن الواقع، بحسب تعبيره، أظهر أن “هذه الصفقة كانت خاسرة، وأن الوعود المرتبطة بالجانب الأمريكي والإسرائيلي بُنيت على السراب”، مشددا على على أن “الاتفاق نقل الصراع من الشرق الأوسط، حيث كان بعيدا عن المغرب، إلى أبواب البلاد، كما أدى إلى تدويل النزاع الثنائي مع الجزائر، مع دخول أطراف دولية مثل روسيا وإيران على الخط”.
وأشار الأستاذ إلى أنه “مباشرة بعد التطبيع، صعّدت الجزائر، ودخل الطرفان في منطق تسلح وتسلح مضاد، ما انعكس اقتصاديا على المغرب، الذي وجد نفسه ملزما برفع ميزانية التسلح لحماية حدوده”، حيث انتقلت ميزانية التسلح من 3.9 مليار دولار إلى 9.5 مليار دولار، أي ما يمثل 4.2 في المئة من الناتج الوطني الخام، في حين قفزت ميزانية التسلح الجزائرية إلى حوالي 25 مليار دولار سنويا.
وأضاف أن هذا السباق يشكل “عبئا اقتصاديا ثقيلا على المغرب”، خاصة في ظل محدودية الموارد، مقارنة بالجزائر، التي تمتلك مداخيل طاقية أكبر،مؤكدا أن بنية التسلح المغربية شهدت تحولا لافتا، حيث أصبحت إسرائيل ثالث مورد للسلاح بنسبة 11 في المئة من واردات المغرب، بعد أن كانت في المرتبة الرابعة، إلى جانب الولايات المتحدة والهند وفرنسا.
وأشار إلى أن المغرب أنفق، منذ اتفاقية التطبيع، ما يقارب 500 مليون دولار سنويا على السلاح الإسرائيلي، أي ما مجموعه حوالي 2.5 مليار دولار، تشمل أنظمة أقمار تجسس، وقبة دفاعية، ووحدات إنتاج طائرات، وآخرها مصنع بمنطقة بنسليمان،مشددا على أن إشكالية التسلح لا تتوقف عند الكلفة، بل عند الارتهان لمورد “مجرم”، لا يقدم نقلا تكنولوجيا حقيقيا، بل يبيع تجهيزات جاهزة، مع خطر التحكم في استعمال السلاح نفسه.
وانتقل الناجي إلى الجانب الفلاحي، معتبرا أن “الاستراتيجية الصهيونية تقوم على نقل البصمة المائية إلى المغرب، عبر أنشطة فلاحية كثيفة الاستهلاك للمياه، في بلد يعاني أصلا من خصاص مائي”، مشيرا إلى أن “مصادر تحدثت عن وجود ضيعات إسرائيلية نواحي الرباط والشمال، دخلت بأشكال ملتوية، في ظل صمت رسمي، ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن الغذائي والمائي”.
وأشار إلى خطر الاحتكار في القطاع الفلاحي، مستشهدا بشركة “نيطافيم”، التي استحوذت على 90 في المئة من سوق تجهيزات السقي بالتنقيط ضمن مخطط المغرب الأخضر، رغم وجود قوانين مغربية تجرم الاحتكار.
كما أوضح الناجي أن “غياب السيادة الغذائية لا يعني غياب الغذاء، ولكن غياب الاستقلالية في القرار المتعلق بالإنتاج والتوسيع والاستهلاك، بسبب الارتهان لشركات صهيونية في البذور والأسمدة والتجهيزات”، محذرا في هذا الصدد من الأطماع الإسرائيلية في محطات تحلية مياه البحر، مستحضرا تجربة الأردن، حيث تم التحكم في الموارد المائية.
وأضاف أن هناك مشروعا في الصحراء مُنح فيه 5000 هكتار تُسقى بالمياه المحلاة والطاقة الريحية والشمسية، بهدف التصدير، معتبرا أن الأقاليم الجنوبية أصبحت ضمن دائرة الاستهداف.
الاختراق الصهيوني
من جهته أكد الدكتور و رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي عمر الكتاني، أن التطبيع والاختراق داخل الوسط الجامعي يتخذان أشكالا متعددة، من خلال الأنشطة والندوات والمحاضرات، معتبرا أن فهم هذا الاختراق يقتضي ربطه بالسياق الدولي المؤثر في الفكر الصهيوني اليوم.
وأوضح الكتاني أن العلاقة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة تقوم حاليا على عنصرين أساسيين، أولهما شراكة قائمة على الاندماج التكنولوجي لمواجهة الصين، ضمن تصور استراتيجي مشترك بين الطرفين.
وأضاف أن “العنصر الثاني يتمثل في سعي الكيان الصهيوني، في الوقت نفسه، إلى تحقيق نوع من الاستقلالية العسكرية، تحسبا لأي ردود فعل أو ضغوط محتملة قد تصدر مستقبلا عن الولايات المتحدة”.
وشدد على أن “هذا التوجه يفسر حرص الكيان الصهيوني على ربط المزيد من الشراكات مع الولايات المتحدة وأوروبا، رغم وجود هاجس عميق لديه يتمثل في فقدان الثقة في أوروبا وأمريكا، وحتى في مستقبلهما السياسي”.
وأشار المتحدث إلى أن المغرب وقع في يناير 2026 اتفاقية في إطار ميثاق مجلس السلام، مُنحت فيها أولوية للتعاون العسكري والاستخباراتي، خاصة في ما يتعلق بمواجهة إيران.
ولفت الكتاني إلى أن هذه “الاختيارات تأتي إلى جانب طبيعة الاتفاقيات الموقعة، التي تتضمن بنودا سرية، وتفتح المجال لمزيد من التغلغل، بما في ذلك ما يرتبط بامتلاك الأراضي”.
وأوضح الكتاني أن أحد الزعماء الإسرائيليين صرح بشكل “علني واستفزازي” أنه “إذا احتاجت إسرائيل شيئا فستعود إلى بلدها الأم، المغرب”، معتبرا أن “الخطاب كان واضحا وصريحا ولا يحتمل التأويل”.
وشدد على أن “هذا التصريح يعكس تصورات راسخة داخل الفكر الصهيوني، تتجاوز البعد الدبلوماسي إلى أبعاد أعمق تتعلق بالاستيطان والامتداد”.
وأضاف أن العنصر الثالث في هذا السياق يتمثل في موقف السعودية، التي تربط التطبيع بوضعية واضحة للقضية الفلسطينية، مشيرا إلى أن هذا التوجه قائم، وإن كانت السعودية قد اشترطت تأسيس دولة فلسطينية مقابل التطبيع.
وأشار الكتاني إلى أن “الكيان الصهيوني أصبح أكثر حرصا من أي وقت مضى على تحقيق الاستقلالية، نتيجة شعوره الداخلي بأن حليفه الأساسي، الولايات المتحدة، لم يعد موثوقا بالكامل”.
وأوضح أن “هذه الاستقلالية، رغم السعي إليها، تبقى محدودة القيمة، لأن الكيان الصهيوني، مهما بلغت قوته التكنولوجية والعسكرية، يفقد عنصره الأساسي المتمثل في الأمن دون حماية مباشرة من الولايات المتحدة”.
وأضاف أن “هذا القلق يتعزز في ظل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة داخل الكيان الصهيوني، وما يرافقها من مخاوف سياسية داخلية”.
وشدد المتحدث على أن فقدان أوكرانيا والأزمة الأوروبية الأمريكية المتفاقمة يزيدان من هشاشة الوضع، ويعمقان الإحساس بعدم الاستقرار داخل المنظومة الغربية الداعمة لإسرائيل.
وأشار كذلك إلى “دخول الصين في مسار بيع ما تبقى لها من احتياطاتها”، وهو ما يهدد، حسب تعبيره، “مصالح الأثرياء الصهاينة في الولايات المتحدة وأموالهم وثرواتهم”.
وأضاف أن هذا الوضع يدفع إلى التفكير في تحويل جزء من هذه الثروات نحو مشاريع الاستيطان، في إطار إعادة توجيه الاستثمار الصهيوني.
وخلص الكتاني بالتأكيد على أن هذه التحولات الدولية والاقتصادية تفسر جانبا من دينامية الاختراق والتطبيع، خاصة داخل الفضاءات الأكاديمية، في سياق عالمي مضطرب ومتغير.
تقرير أممي يورط المغرب
من جانبه الكاتب والباحث المغربي المتخصص في قضايا السياسة والصورة، ماهر الملاخ، أن التقرير الأممي الذي صدر في 20 أكتوبر الماضي يشكل “منعطفا خطيرا” في مقاربة مسار التطبيع، إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط بنقاش سياسي أو أخلاقي داخلي، ولكن بوضع مسؤولين مغاربة في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي.
وأشار الملاخ إلى أن “التقرير الأممي الصادر عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، والمتعلق بجريمة الإبادة الجماعية في غزة، أورد اسم المغرب سبع مرات، إلى جانب إسرائيل وبولندا وفرنسا والولايات المتحدة، باعتبارهم شركاء في تسهيل الإبادة”.
وأضاف أن هذه الإشارة تشكل “صدمة حقيقية”، لأن “النقد المغربي الرسمي كان، طيلة سنوات، ينطلق من داخل المرجعيات الوطنية والقومية والدستورية، بلغة الغيرة والانتماء، ومساءلة الدولة من داخل البيت”،مشددا على أن “ما يميز اللحظة الراهنة هو الاضطرار، ولأول مرة، إلى مغادرة تلك المرجعيات والاحتماء بالقانون الدولي لمحاججة سلوك المسؤولين، مستندين إلى تقرير أممي صادر عن هيئة دولية، وهو ما وصفه بلحظة مريرة ومؤلمة”.
وأكد الملاخ أن “إدراج اسم المغرب لا كمراقب أو وسيط، بل كطرف متورط ضمن تقرير حول واحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث، جريمة الإبادة في غزة، يطرح سؤالا مؤجلا حول كيفية انزلاق البلاد إلى هذا الموقع خلال بضع سنوات فقط”، مضيفا أن التقرير “لم يكن صادما بما كشفه من معطيات معروفة، بقدر ما كان صادما بلحظة إدراج اسم المغرب سبع مرات ضمن لائحة دول متهمة بتسهيل الإبادة أو التواطؤ في استمرارها”.
وأوضح المتحدث أن “التقرير يشتغل على سبع إشارات لا تتهم المغرب بالقتل المباشر، لكنها تطرح سؤالا قانونيا مزعجا حول مفهوم ‘التسهيل’، وكيف يتحول الدعم غير المباشر إلى مسؤولية قانونية تمس سيادة الدولة”.
وفي المحور الأول، أبرز أن “التقرير يعتمد تحولا مفاهيميا خطيرا، حيث لم تعد الحروب تدار بالجيوش فقط، بل بالبنى التحتية المدنية”، مشيرا إلى “تورط الموانئ والمطارات وشبكات النقل المغربية في سلاسل الإمداد الحربي،من خلال عبور شحنات مرتبطة بالسلاح ووقود الطائرات ومكونات طائرات “إف 35” عبر مجالات عبور مدنية مغربية خلال سنتين من الإبادة، مبرزا ميناء طنجة المتوسط كنموذج مركزي”.
وفي المحور الثاني، أوضح الملاخ أن “التقرير أشار إلى ارتفاع التبادل التجاري بين المغرب وإسرائيل خلال فترة الإبادة بنحو ستة ملايين دولار”، معتبرا أن الرقم، رغم محدوديته، “يكتسي دلالة دامغة في سياق الإبادة”.
أما في المحور الثالث، فقد شدد على أن التقرير “يسلط الضوء على ازدواجية مقلقة بين الخطاب السياسي المغربي الداعم لفلسطين، والممارسة البنيوية التي تندرج ضمن تسهيل الإبادة، في تناقض صارخ مع رمزية رئاسة لجنة القدس”.
وخلص الملاخ بالتأكيد على أن “التقرير لا يدين المغرب صراحة، لكنه يعكس تموضعا رماديا خطيرا”، محذرا من أن “استمرار التجاهل قد يزج بالبلاد في خانة المسؤولية البنيوية عن جريمة العصر، داعيا إلى تصحيح المسار واستعادة البوصلة الأخلاقية دون التفريط في المصالح الجيوسياسية”.