مجلس المنافسة: الخدمة التي يحصل عليها المواطن مقابل ما يؤديه في منظومة الدواء “غير كافية”
اعتبر رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، أن الخدمة التي يحصل عليها المواطن المغربي في مجال توزيع الأدوية لا تزال دون المستوى المنتظر، مقارنة بحجم التكاليف التي يتحملها بشكل مباشر أو غير مباشر لتمويل هذه المنظومة.
وأوضح رحو، خلال ندوة تقديم رأي المجلس حول وضعية سوق الأدوية في المغرب، يوم الثلاثاء 10 مارس 2026، أن “المواطن اليوم، عبر مشترياته أو عبر الضرائب التي يؤديها، أو عبر المقتطعات التي تذهب إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، هو من يؤدي ثمن هذه المنظومة”.
وأشار إلى أن رقم معاملات سوق الأدوية في المغرب يبلغ حوالي 25 مليار درهم، موضحاً أن “13 مليار درهم منها تمر عبر الصيدليات، بينما تمثل سلسلة التوزيع حوالي 60 في المائة، أي ما بين 7 و8 مليارات درهم، يؤديها المواطن من جيبه”.
خدمة غير كافية
وبحسب رئيس مجلس المنافسة، فإن المقابل المفترض لهذه المصاريف يتمثل في توفير شبكة من الصيدليات عبر مختلف مناطق المغرب، وهو ما اعتبره “أمراً إيجابياً خصوصاً في المدن الكبرى”. لكنه شدد في المقابل على أن الخدمة “تظل محدودة”، موضحاً أن “المواطن يمكن أن يجد صيدلية قربه من أجل شراء الدواء، لكن لا يجدها طيلة اليوم”.
وأضاف أن هذا الوضع يختلف عما هو معمول به في عدد من الدول الأخرى، قائلاً إن “هناك صيدليات في دول أوروبية تفتح منذ الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الثامنة ليلاً، مع توفر حراسة منظمة لضمان توفير الأدوية”.
وتابع رحو: “هذا يسائلنا، لأن الخدمة التي ينتظرها المواطن مقابل كل هذه المصاريف التي يتحملها، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، غير كافية”.
حضور الصيدلي وتسليم الدواء
وفي ما يتعلق بعملية تسليم الأدوية، شدد رحو على أن المواطن ينتظر حضور الصيدلي داخل الصيدلية، مبرزاً أن “المواطن عندما يذهب إلى الصيدلية يريد أن يجد الصيدلي حاضراً”.
وأوضح أن الممارسات المعتمدة في عدة دول تفرض أن يتم تسليم الدواء من طرف الصيدلي نفسه، مضيفاً أن “في جميع الدول، من يسلم الدواء هو الصيدلي بالضرورة، وليس شخصاً آخر، لأن الأمر يتعلق بقطاع حساس”.
وأشار إلى أن الصيدلي هو المسؤول عن مراقبة الوصفات الطبية قبل صرف الأدوية، قائلاً إن “الوصفة ينبغي أن يراها الصيدلي ليعرف هل هناك مشاكل أم لا قبل تسليم الدواء”.
وفي هذا السياق، ذكر مثال المملكة العربية السعودية، حيث قال إن “هناك مراقبة لوجود الصيدلي، بل حتى تسليم الأدوية للمواطن إذا لم يقم به الصيدلي يمكن أن تكون هناك عقوبة”.
وأضاف أن التشريع المغربي ينص بدوره على ضرورة حضور الصيدلي، غير أن “الواقع كلام آخر”، في وقت ينتظر فيه المواطن وجود الصيدلي من أجل النصيحة والإرشاد.
ويرى رحو أن الإشكال لا يرتبط بعدد الصيدليات بقدر ما يرتبط بتنظيم العمل داخلها وعدد الصيادلة العاملين بها، موضحاً أن “عدد الصيدليات كاف، لكن عدد ساعات العمل وحضور الصيدلي فيه مشكل”.
وأضاف أنه في عدد من الدول “هناك ثلاثة صيادلة في الصيدلية الواحدة بما يسمح بالتناوب”، وهو ما يتيح استمرار الخدمة وتمكين الصيدلي من أخذ فترات راحة.
الضغط المالي على الأدوية
وتطرق رئيس مجلس المنافسة إلى التحولات التي تعرفها المنظومة الصحية في المغرب في ظل ورش التغطية الصحية الشاملة، مشيراً إلى أن هذا المسار سيتطلب تعبئة موارد مالية إضافية.
وقال في هذا الصدد إن “المنظومة الصحية في المغرب تتجه، من خلال الورش الملكي للتغطية الصحية الشمولية، إلى تقديم مصاريف كبيرة سيتحملها المواطن من خلال الاقتطاعات في إطار التضامن الاجتماعي”.
وأكد أن مواجهة هذا التحدي تقتضي الاستفادة من التجارب الدولية، مضيفاً: “نحن في المجلس لا نخترع شيئاً جديداً، بل نخبر بما هو معمول به في الدول الأخرى”.
وأوضح أن عدداً من الدول اعتمدت نماذج اقتصادية مختلفة للصيدليات، بحيث لا يعتمد رقم معاملاتها بالكامل على بيع الأدوية. وقال إن “ما بين 20 و30 في المائة من رقم معاملات الصيدليات، مثل فرنسا، لا يأتي من الأدوية، بل من خدمات أخرى مثل النصائح الصحية أو المنتجات الموازية للمواد الصيدلية”، مضيفاً أن هذه النسبة قد تصل إلى حوالي 50 في المائة في بعض الحالات.
ويرى رحو أن هذا التنويع يسمح بتخفيف الضغط على أسعار الأدوية والهامش المرتبط بها. وأشار إلى أن الصيدليات في فرنسا تعتمد نموذجاً يتيح تنويع الأنشطة داخل فضاءات البيع، إذ “يتم خلق مساحة للبيع متنوعة وسط الصيدلية”، وهو ما يساهم في تعزيز الوضع المالي للصيدليات مقارنة بالمغرب، الذي “يتركز فيه كل شيء على الأدوية”.
مستقبل المهنة
وأكد رحو أن الهدف من النقاش الدائر حول إصلاح سوق الصيدليات ليس إضعاف المهنة، بل البحث عن نموذج أكثر توازناً يخدم المواطن والصيدلي معاً. وقال في هذا السياق إن “المجلس لا يهدف إلى تكسير المهنة أو منع الصيادلة من العمل، بل إلى إيجاد منظومة تنهض بالصيدلي الصغير”.
كما نبه إلى ضرورة التفكير في مستقبل الصيادلة الجدد، متسائلاً: “هناك آلاف المغاربة في التكوين حالياً، ما هو مسارهم؟”.
وختم رئيس مجلس المنافسة بالتأكيد على أن هذا النقاش لا يخص الصيادلة وحدهم، قائلاً: “هذا ليس موضوع الصيادلة وحدهم، بل موضوع الصيادلة والحكومة والبرلمان والقوى الحية في البلاد، وكذلك المواطنين، لأنهم يؤدون ثمن هذه الخدمة وينبغي أن يحصلوا على مقابلها”.