غياب المحجبات عن نشرات الأخبار.. حقوقيات: تمييز ضدهن ومس بحرياتهن
أثار غياب الصحافيات المحجبات عن تقديم نشرات الأخبار في القنوات العمومية المغربية، نقاشاً واسعاً حول حدود الزيّ المهني، وحرية المعتقد، ومعايير الولوج إلى الظهور الإعلامي داخل مؤسسات ممولة من المال العام، حيث تحول ذلك إلى “ما يشبه عرفاً غير مكتوب داخل المشهد الإعلامي”.
نقاش يتجدد كلما طُرحت أسئلة تتعلق بالمساواة وتكافؤ الفرص، وبمدى انسجام الممارسات المهنية داخل الإعلام العمومي مع الدستور والالتزامات الحقوقية للمغرب.
وتعتبر هيئات حقوقية ومدنية أن اشتراطات غير معلنة مرتبطة بالمظهر الخارجي أو اللباس، خاصة ما يتعلق بالحجاب، تُفضي عملياً إلى “إقصاء” فئات من الصحافيات، رغم توفرهن على الكفاءة المهنية، وهو ما يطرح إشكال التمييز المبني على الاختيارات الشخصية، في مقابل منطق يفترض أن يجعل من الأداء الصحافي المعيار الوحيد للتقييم.
وفي سياق هذا النقاش العمومي والمهني المتجدد، تساءل برلمانيون عن المعايير الرسمية المعتمدة لاختيار مقدمي ومقدمات نشرات الأخبار في القنوات العمومية، وما إذا كانت تتضمن شروطاً مرتبطة بالمظهر أو اللباس، مثل استبعاد بعض الألبسة ذات الحمولة الدينية أو الثقافية، كالحجاب أو اللباس المغربي التقليدي.
السؤال البرلماني، الذي وجهه خالد السطي، المستشار عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، شدد على أن القنوات العمومية، باعتبارها مؤسسات ممولة من المال العام، مطالبة باحترام قيم الإنصاف وعدم التمييز، وربط المسؤوليات والمهام بالكفاءة المهنية والحضور التحريري والأداء الصحافي، وليس بالمظهر الخارجي.
كما طالب المستشار البرلماني بالكشف عن الإجراءات التي تعتزم وزارة الشباب والثقافة والتواصل اتخاذها لضمان تكافؤ الفرص بين الصحافيين والصحافيات، وحصر تقديم نشرات الأخبار في معيار الكفاءة المهنية وحدها.
مساس بالحرية الفردية
في هذا الإطار، اعتبرت خديجة الرياضي، الكاتبة العامة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الحجاب يندرج ضمن الحرية الفردية التي ينبغي احترامها، “ما دام لا يعيق أداء العمل ولا يمس بطبيعته أو بفضاء المؤسسة”.
وأوضحت الرياضي أن احترام الزي المهني يجب أن ينطلق من القدرة على أداء المهام، لا من التدخل في هوية الأفراد أو معتقداتهم، معتبرة أن أي تدخل في هذا المجال يشكل مساساً بالحرية الفردية.
واستحضرت في هذا السياق تجارب دولية، من بينها المملكة المتحدة وكندا، حيث تم الاعتراف بحق أفراد من ديانات مختلفة في ارتداء رموزهم الدينية داخل مؤسسات رسمية، دون أن يشكل ذلك أي إشكال مهني.
وأضافت أن منع المظاهر الدينية، مثل الحجاب، “قرار مرفوض ويحمل طابعاً تمييزياً”، مشيرة إلى أن مثل هذه القرارات “تُنتقد حتى في دول كفرنسا، فبالأحرى في السياق المغربي”. كما نبهت إلى وجود قنوات دولية تضم صحافيات محجبات يقدمن نشرات الأخبار بشكل مهني، دون أي تأثير على جودة العمل الإعلامي.
تمييز ضد المحجبات
من جهتها، أكدت عزيزة البقالي القاسمي، نائبة رئيسة منتدى الزهراء للمرأة المغربية، أن التمييز ضد النساء المحجبات داخل بعض المؤسسات الإعلامية المغربية ظاهرة قائمة ومستمرة، مشيرة إلى أنها لا تقتصر على قطاع الإعلام فقط، بل تشمل مجالات مهنية وتعليمية متعددة.
وأوضحت المتحدثة أن المنتدى توصل بعدد من الشكايات التي تفيد بمنع نساء محجبات من الولوج إلى بعض المهن، أو التضييق عليهن وتهميشهن رغم كفاءتهن، أو حرمانهن من متابعة الدراسة في بعض المعاهد، لمجرد اختيارهن ارتداء غطاء الرأس، وذلك في غياب أي سند قانوني يبرر هذا الإقصاء.
وسجلت البقالي أن حرمان المحجبات من الظهور في الإعلام المرئي، خاصة في نشرات الأخبار، “تحول إلى ما يشبه العرف غير المعلن، حيث نادراً ما تُشاهد مذيعة مغربية محجبة في نشرات الأخبار، باستثناء البرامج الدينية”. واعتبرت أن هذا الواقع يتناقض مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، خاصة في بلد يدين بالإسلام ويجعل من إمارة المؤمنين مرجعية دستورية.
وفي المقابل، أشارت إلى أن عدداً من الدول الغربية، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا، تعتمد الكفاءة المهنية معياراً وحيداً للتوظيف، وتتيح للنساء المحجبات العمل في وظائف عمومية وحساسة، بما فيها مراكز صنع القرار وأسلاك الشرطة، إضافة إلى تقديم نشرات الأخبار في أعرق المؤسسات الإعلامية.
واعتبرت ذلك “مفارقة غريبة” بين هذه الممارسة المخلة بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في المغرب، الذي يدين بالإسلام ويحكمه أمير المؤمنين، وبين الممارسات الفضلى لبعض الدول الغربية، مشيرة إلى أن هذه الأخيرة “لا تكتفي بعدم التدخل في خيارات المرأة لارتداء الحجاب، بل تفتح لها أبواب الوظائف الحساسة والعمومية”.
وفي ضوء هذا النقاش، تتعالى الأصوات المطالِبة بتدخل حكومي واضح، سواء عبر توضيح المعايير المعتمدة في الولوج إلى تقديم نشرات الأخبار، أو عبر سنّ آليات قانونية وزجرية للحد من كل أشكال التمييز المبني على المظهر واللباس.
ودعت عزيزة البقالي الحكومة إلى بذل مجهود من أجل تعديل التشريعات في اتجاه زجر وتشديد العقوبة ضد أي ممارسة تمييزية تمس النساء على أساس اختياراتهن الشخصية في اللباس، والعمل على القطع مع منهج “الإقصاء” و”التمييز الوظيفي” المبني على المظهر الخارجي واللباس الديني، مطالبة المؤسسات الإعلامية والهيئات النقابية بالقيام بالمتعين لوقف كل أشكال التمييز ضد النساء الإعلاميات.
وشددت المتحدثة على أن القانون المغربي لا يتضمن أي تمييز على أساس اللباس أو المعتقد، سواء في التشغيل في القطاعين العام والخاص أو في الولوج إلى بعض المعاهد والمؤسسات.
كما أشارت إلى أن منتدى الزهراء للمرأة المغربية “سبق له أن ضمن هذه الملاحظات سنة 2016 في التقرير الموازي للتقرير الدوري السادس للمغرب حول العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، حيث تم توثيق عدد من الوقائع المرتبطة بهذا النوع من التمييز.