شعب يتيم
نبّهني أحد الأصدقاء، راسلني تفاعلا مع ما كتبته سابقا هذا الأسبوع حول ما بعد خسارة نهائي كأس إفريقيا للأمم، إلى التيه والتخبّط اللذان نعيشهما كلما طرحت علينا قضية للنقاش الجماعي، بينما يغيب المسؤولون كلّيا عن الواجهة ويتركوننا نهبا للتخمينات والتأويلات والتراشق بالمواقف غير المبنية على أساس معطيات ومعلومات…
تنبيه بالغ الأهمية، لأننا طبّعنا مع وضع غير طبيعي، وأصبحنا نُقبل على النقاشات يائسين من أي تفاعل رسمي، كأننا أيتام في مأدبة اللئام. من لا يعلم يجادل من لا يفهم!
وبما أن الوعي تحقّق بوضوح وشبه إجماع، بفداحة العجز الإعلامي الذي نعاني منه في لحظات مهمة مثل احتضاننا لحدث كبير مثل كأس إفريقيا، لا بأس من وقفة لتفكيك هذا الموضوع، والبدء بهذا الغياب الذي يدمنه المسؤول الرسمي المغربي، كأننا في أرض خلاء لا دولة فيها ولا مؤسسات.
دعونا نقولها بكل الوضوح الممكن لجميع من يتولون المسؤوليات العمومية في هذه البلاد السعيدة: اقتصاركم على الفعل التدبيري دون تواصل ولا انفتاح على المغاربة، ليس فضيلة ولا مؤشر “جدية” ولا هو تركيز على العمل بدل “الكلام” كما يمكن أن يوهمكم البعض؛ هو رسالة احتقار واستهتار تجاه المغاربة، تقول لهم إنكم تنظرون إليهم كما ينظر “السّارح” إلى قطيعه، يحيطه بالكلاب ويهشّ عليه بالعصا ويقتاده إلى حيث “يحميه” و”يؤمّنه”، ومن جاءت ساعته يجرّه إلى المسلخ.
هذا بالضبط ما يقوله صمتكم وغيابكم كلّما طرأ طارئ. ولا ندري هل علينا أن نخرج في كل مرة كما خرج شباب “20 فبراير” و”جيل Z” كي نتشرّف بطلعاتكم البهية ونتعرّف على أصواتكم ونلمس أفكاركم ونحصل على معلوماتنا ومعطياتنا الموجودة بحوزتكم؟
هل يعقل أن شعبا عاش طيلة شهر كامل على إيقاع حدث رياضي دولي كبير، واستبدّت به مشاعر الفرح والرهبة والخوف والحرص على النجاح الجماعي، وانتهى الأمر بتلك “الفقصة” التي عشناها جميعا ليلة الأحد 18 يناير 2026، ولا يطلّ عليه أي مسؤول، سواء حكومي أو فوق حكومي أو تحت حكومي، ليزوّده بقدر من المعلومات والمعطيات، حول اللحظات الاستثنائية، وتلك الطبيعية والعادية؟
ما بال هذه الجامعة الكروية “معفّرة” على المغاربة كأنها تصرّف فيهم جميلا؟ أين هم مسؤولوها الإداريون والتقنيون والرياضيون؟ هل كانوا يتصرفون في أموالنا ومشاعرنا ورموزنا الوطنية أم نحن مجرّد ضيوف “ثقال” في هذه البلاد؟
ماذا ربحنا من تنظيم الكأس؟ من فعل ماذا؟ كيف دبّرتم اللحظات العصيبة التي عشناها ليلة النهائي؟ ما الصحيح وما الكاذب في كل ما تردد من أنباء؟ كيف تأثر اقتصادنا وسياحتنا ورواجنا الاقتصادي؟ ما هي نتيجة تقييم ما تحقق مقارنة بالأهداف؟ أين وكيف تصرّفتم في أموال هذا الشعب يا عباد الله؟
تّوما دويو ها العار!
لا أقول هذا غضبا على مسؤولين لا يظهرون فقط. بل هو غضب على دولة تترك شعبها وحيدا في لحظات تحتاج فيها الجماعة إلى “سردية رسمية” حدّها الأدنى هو المعطى والمعلومة. غياب المسؤول ليس مجرد فراغ بروتوكولي، بل فراغ سيادي. والسيادة اليوم لا تُقاس فقط بالتراب، بل تُقاس أيضا بمن يروي قصتك حين تقع الواقعة.
في أيام “الكان”، لم نكن نستضيف مباريات فقط. بل كنا نستضيف صورة المغرب. وصورة قارة. وصورة تنظيم. وصورة جماهير. كنا نضع وجوهنا جميعا في واجهة واحدة، ونقول للعالم “هذا نحن”. وحين تقع لحظة استثنائية، مثل ما وقع في النهائي، فإن المعركة تتغير طبيعتها ولا تبقى مجرد معركة داخل الملعب. إنها معركة حول التأويل. وحول القصة التي ستسود. وحول من سيُقنع الرأي العام بأن ما وقع خطأ تحكيمي أو انحراف رياضي أو حملة منظمة أو…
ما وقع لنا بعد نهائي السنغال ليس فقط أننا خسرنا مباراة. ما وقع أننا خسرنا المعنى للحظات. تركنا الآخرين يشرحوننا. وتركنا الآخرين يقررون من الضحية ومن الجلاد. وتركنا أنفسنا، نحن أيضا، نتحول بسرعة إلى جمهور يستقبل الصدمة الخام، دون “فلترة”، ودون تحليل، ودون معلومة؛ ثم يتقاذفها كما تُقذف الحجارة في ظلام الأزقة.
مباشرة بعد نهاية “الكان”، وجدنا أنفسنا نبحث عن أخبارنا في الإعلام الأجنبي. نفتح قنواتهم ومواقعهم لنفهم ماذا جرى لنا. ننتظر صحفهم لتسمّي الأشياء بأسمائها. ننتظر تحليلاتهم لتشرح لنا كيف تُدار الأزمات، وكيف تتحول لحظة رياضية إلى لحظة سياسية، وكيف تُصنع “القصة” في ساعات قليلة، ثم تصبح حقيقة ثابتة في ذاكرة الناس.
هنا تأتي الفضيحة الثانية التي لا يريد أحد أن يلمسها: أين كانت صحافتنا؟ وأين كانت تلك الصحافة الناطقة بالفرنسية التي تلتهم قسطا كبيرا من الأموال العمومية والخاصة، وتعيش من السوق الإعلانية كما يعيش حوت من بحر كامل؟ أين كانت في الداخل؟ وأين كانت في الخارج؟ ما الذي فعلته كي تُقنع الرأي العام الفرنكوفوني الإفريقي بما وقع؟ ما الذي فعلته كي تشتغل على لغة “منافسنا” في تلك الليلة؟
مثلما طبطبت علينا الصحافة المصرية حين تجرأ علينا حسام حسن، وجدنا “الخير” في الصحافة الفرنسية بعد واقعة السنغال. صحافة بلد ليست معنيا بأن يدافع عن المغرب، ومع ذلك دافعت عنه بمنطق مهني: نقلت، ووثّقت، وقارنت،و سمّت الأشياء.
أما عندنا فلا أحد يريد أن يغامر قبل أن يعرف إلى أين سيمضي “صانع القرار”، كيف ستتصرّف “الدولة” مع وليد الركراكي، وماذا ستصنع بفوزي لقجع بعد الذي كان في “الكان”. هذا بالضبط ما يقوله جوّ التردد والانتظارية والخوف من المبادرة.
الخطر في ضعف الإعلام أنه يحرم البلد من سيادته الإعلامية. والسيادة الإعلامية أمر عملي جدا، ويعني أن تكون أنت أول من يصنع روايتك، لا آخر من يردّ على روايات الآخرين كما فعلنا مع الجزائر ومع مصر ومع السينغال… أن تملك محتوى احترافيا بلغات متعددة، وقت الأزمات لا بعد مرور أسبوع. أن تملك صحافيين لديهم قنوات مفتوحة نحو المصادر وأدوات التحقق، ويعرفون كيف يشتغلون على صورة البلاد دون أن يصيروا بالضرورة “ناطقين رسميين”، ودون أن ينزلقوا إلى الكذب والتطبيل.
الإعلام المهني يحمي الداخل أولا. لأنه يمنع الجمهور من أن يتحول إلى غرفة صدى للشائعات. حين تفلت المعلومة من المؤسسات، تملأها التخمينات. وحين تغيب المعطيات، يتكاثر التأويل. وحين لا يجد الناس من يشرح لهم ما حدث بالعقل، يبدأون بتفسيره بالعاطفة التي لا تفسر، بل تجلد وتنتقم.
وهو يحمي الخارج أيضا. لأن الفراغ في زمن السرعة ليس حيادا، بل خسارة مؤكدة. صورة المغرب الخارجية لا تُبنى فقط بالمنشآت والبنيات التحتية. بل تُبنى أيضا بمن يكتب عنه، وبمن يملك المعلومة، وبمن يملك الشجاعة ليقول: هنا وقع تجاوز، وهنا كانت محاولة ابتزاز، وهنا كانت هناك فوضى، وهنا تصرفنا بحكمة، وهنا أخطأنا، وهنا يجب أن يُفتح تحقيق، وهذه هي الوقائع بدقة.
ثم دعني أقولها كما هي: المنصات الرقمية ومؤثرو “السبيد” لا يمكن أن يعوّضوا صحافة مهنية. لا لأنهم “أشرار”، بل لأن وظيفة المؤثر ليست هي وظيفة الصحافي. المؤثر يشتغل على الإثارة، وعلى الانفعال، وعلى اللقطة واللحظة. بينما الصحافة تشتغل على الوثيقة، وعلى السياق، وعلى الحد الأدنى من التوازن، وعلى بناء معنى قابل للدفاع عنه أمام الخصوم والحلفاء معا.
قد ينجح المؤثر في لحظة الأزمة في تعبئة الناس بسرعة، لكن التعبئة ليست دائما حماية. قد تكون الوقود الذي يحرق البيت. المؤثر قد يرفع سقف الغضب حتى ينفجر، بينما الصحافي، حين يكون صحافيا فعلا، يضع الغضب داخل جملة مفهومة، ويضع الاتهام داخل إطار قانوني، ويضع الخطأ داخل أسئلة، ويضع الوطن فوق “اللايكات”.