بين القصد والتأويل.. مسلسل “بنات لالة منانة” يثير الجدل حول الحجاب والهوية
بعد أن لقي نجاحا مهما في نسخته الأولى التي ثم عرضها سنة 2012 والثانية سنة 2013، عاد مسلسل “بنات لالة منانة”، الذي يعرض على القناة الثانية، في جزئه الثالث لينافس باقي المسلسلات الرمضانية، إذ استقطبت الحلقة الأولى خلال شهر رمضان الجاري، أكثر من 12 مليونا و 142 ألف مشاهد، محققة بذلك 47.8 في المائة من حصة المشاهدة على مستوى القنوات الوطنية حسب بلاغ للقناة الثانية.
غير أن هذا “النجاح” لم يخل من انتقادات هذه السنة على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب مشهد في الحلقة الأولى للمسلسل، اعتُبر “هجوما مباشرا على الحجاب والنقاب” وربطهما بالتطرف، فضلا عن “ترويج الثقافة الغربية على حساب التقاليد الدينية”،
ويجمع المشهد كلا من الممثلة نورة الصقلي في دور “باهية”، والممثلة سامية أقريو في دور “شامة” والممثلة هند بلعولة في دور “مينة”.
يبدأ المشهد بطلب من باهية لمينة، التي هربت من سوريا إلى منزل أمها لتختبئ عن أعين الشرطة بسبب تورطها غير المباشر مع زوجها في قضية إرهاب، باستبدال البرقع الأسود، بالحجاب المغربي أي الجلباب وغطاء الرأس، وذلك تفاديا لجذب أنظار الناس والشرطة إليها. في حين أن مينة ترفض ذلك باعتبار أن هذا الأمر تعري، لتجيبها الممثلة نورة الصقلي بـأن اللباس المغربي في أصله محتشم ولا علاقة له بالعري.
وسرعان ما إن انتهت الحلقة الأولى من هذا المسلسل، حتى انتشر المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، مخلفا ردود فعل متضاربة بين منتقد ومدافع، بحيث اعتبر البعض أن هذا المشهد “مساس بالدين الإسلامي ودعوى صريحة للابتعاد عن الحجاب بصفة عامة”، فيما يرى البعض الآخر أن تفسير المشهد بعيدا عن سياقه، “يعتبر تحاملا على العمل ولا يمث للواقع بصلة”.
وفي هذا الصدد، اعتبر الكاتب والممثل أنس العاقل في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “هذا المشهد، الذي يجمع بين البعد الدرامي والحساسية المجتمعية، يفتح الباب أمام تأمل عميق في كيفية استحضار المسلسل لثنائيات هوياتية: الأصيل مقابل الدخيل، الديني مقابل السياسي، الفردي مقابل الجماعي”.
وأضاف أنس العاقل أن ما يلفت الانتباه في المشهد هو التضاد البصري الذي تجسد في “البرقع الأسود الذي ترتديه الفتاة العائدة، والجلباب المغربي الذي تطالبها به العائلة”، معتبرا أن المشهد مقاربة بين الجلباب المغربي باعتباره الزي الأصيل الذي لطالما لبسته الأمهات والجدات، والبرقع الأسود كزي دخيل مرتبط بتنظيم عابر للحدود.
وأوضح المتحدث أن العائلة هنا لا تطلب من ابنتها التخلي عن الحجاب كمبدأ ديني، بل تطلب منها استبدال زي “الانتماء السياسي” بزي “الهوية الثقافية”، مبرزا أن هذا المشهد بمثابة “دعوة للعودة إلى الجذور، إلى اللباس الذي يحمل ذاكرة المكان ولا يحيل على تنظيمات العنف والتطرف”.
وفي نفس السياق، اعتبر الكاتب والناقد السينمائي أحمد سيجلماسي أن هذا النقاش “لا أهمية له”، معتبرا أن العمل الفني لا يمكن محاكمته أو تقييمه من منظور أخلاقي أو غيره، “بل ينبغي انتقاده من داخله أي اعتمادا على مكوناته وهي الإخراج, السيناريو, التشخيص, التصوير، الموسيقى والمونتاج… وليس من خارجه”.
وأضاف أحمد سيجلماسي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن المهم في العمل الفني ليس موضوعه فحسب بل هو “طريقة معالجة هذا الموضوع ودرجة الإبداع في هذه المعالجة”.
ومن جهته، يرى الناقد والباحث في الفلسفة والفنون، إدريس القري، بأن هذا الموضوع يعتبر “زوبعة في فنجان، لأن مثل هذه النقاشات ليست جديدة”، وإن كان هذا الأمر بحسب القري، يعد دليلا على حيوية المجتمع ودينامكيته، “مجتمع حي ينتبه وينتقد…”.
وفي نفس الوقت، اعتبر إدريس القري أن هذا النقاش، يبقى “نقاشا عقيما لأنه يجتر أسئلة مفتعلة ونقدا مفتعلا واهتماما بقضايا لا تقدم ولا تؤخر”، لافتا إلى أن “هذه المواضيع تعتمد على الرأي الشخصي والموقف الشخصي والحكم الذاتي وحكم القيمة انطلاقا من المعتقد الديني أو الذوق الخاص، وإن كان هذا الأمر يعد حرية شخصية”.
وأوضح المتحدث، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن هذا المشهد يعكس مواقف مختلفة وربما متصارعة ومتناقضة، متسائلا عن سبب “عجز المشاهد عن رؤية المشهد بهذا الشكل”.
ومن جانب آخر، يرى الباحث في الفلسفة والفنون أغلبية أن ردود فعل المشاهد المغربي، “كانت من منطلق ديني، في حين أن كل ما يأتي في أي عمل سواء تلفزي أو سينمائي هو موقف المبدع وهو نفسه المخرج”، مؤكدا أن هذا الأخير يملك أيضا نفس حق المشاهد في نقد المجتمع، “وهذا النقد يجب احترامه من أجل تحقيق التعايش وضمان حرية الآخر في التعبير”.
*أميمة بابلية