story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
التعليم والجامعة |

التلاميذ ذوو الاحتياجات الخاصة.. خبير: غياب التشخيص المدرسي يهدد العدالة التربوية

ص ص

كشفت نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلم بالمغرب “TALIS 2024″، التي أنجزتها الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، عن معطيات إحصائية تخص فئة التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة بالمنظومة التربوية المغربية.

وأظهر التقرير، الذي اطلعت عليه صحيفة “صوت المغرب”، أن نسبة هؤلاء التلاميذ الذين تم التعرف عليهم رسمياً داخل الفصول الدراسية لا تتجاوز 4% في السلك الابتدائي و5% في السلك الثانوي الإعدادي.

وفي هذا الإطار، يرى أستاذ التعليم العالي والخبير في السياسات التربوية، الحسين زاهدي، أن هذه النسب المعلنة لا يمكن اعتبارها انعكاساً للحجم الحقيقي لفئة التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة في المغرب، بل هي مؤشر على وجود “قصور في آليات الكشف والتشخيص والتتبع” داخل المنظومة.

وأوضح زاهدي أن هذا الوضع يمس جوهر العدالة التربوية، إذ أن عدم التعرف على التلميذ في وضعية خاصة يحرمه فعلياً من حقه في التكييف البيداغوجي والدعم المناسب، مما يؤدي إلى “أشكال صامتة من الإقصاء” داخل المدرسة.

كما نبه إلى أن هذا الضعف في التشخيص يفرغ المادة 25 من القانون الإطار 51.17 من مضمونها، وهي المادة التي تُلزم الدولة بتعبئة الوسائل الضرورية لتيسير إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة أو في وضعية خاصة.

وفي تفسيره لأسباب هذا القصور، أكد زاهدي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الإشكال لا يرتبط فقط بضعف آليات التشخيص، بل يمتد إلى محدودية الموارد البشرية والإمكانات داخل المؤسسات التعليمية، خاصة في قطاع التعليم المدرسي، لافتا إلى أن الحاجة إلى الكفاءات الطبية، بحسب تعبيره، “ملحّة وقائمة”، في ظل غيابها داخل المدارس.

وأشار إلى أنه، رغم وجود ما يسمى بمكاتب الصحة المدرسية، فإنها تظل في الغالب مجرد هياكل شكلية تفتقر إلى التجهيزات الضرورية، ولا تملك القدرة على تتبع الصحة الجسدية أو النفسية للتلاميذ، لاسيما أولئك الذين لديهم حاجات خاصة، معتبراً أن هذه الوضعية “لا تحتاج إلى كثير من التدقيق أو التشخيص” لبيان اختلالها.

وفي هذا السياق، شدد المتحدث على أن مفهوم “الاحتياجات الخاصة” لا ينبغي حصره فقط في حالات الإعاقة الظاهرة، بل يتجاوز ذلك ليشمل صعوبات تعلم قد لا تكون واضحة، مثل عسر القراءة، أو اضطرابات السمع والبصر، وهي حالات قد تعجز الأسر عن اكتشافها أو تشخيصها، خاصة في ظل تفاوت أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

واعتبر المتحدث أن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية التعرف على هذه الحالات “أمر غير واقعي”، مبرزاً أن بنية الأسرة المغربية “ليست بسيطة بل معقدة ومتنوعة”، مما يجعل من الضروري تدخل المؤسسة التعليمية وأطر الصحة المدرسية للقيام بمهام الكشف المبكر والتتبع.

وشدد الخبير على أنه “لا يمكن الحديث عن تربية وتعليم بمعزل عن الصحة الجسمية والنفسية”، فهما مساران متلازمان ومتفاعلان، مشيراً إلى أن مسؤولية المؤسسة التعليمية قائمة وثابتة، ولا يمكن إعفاؤها منها بذريعة دور الأسرة، مما يستوجب تجهيز المؤسسات التربوية بالوسائل الضرورية لأداء هذا الواجب.

وعلاقة بذلك، لفت زاهدي إلى حدوث تحول إيجابي في تمثلات المجتمع المغربي، مؤكداً أن وضعية الإعاقة أو الاحتياجات الخاصة “لم تعد تشكل وصماً أو مصدر خوف” كما كان عليه الحال قبل عقود.

وقال: “لقد حصل تطور ملموس في وعي الأسر المغربية تجاه هذه الفئة؛ فالملاحظة الميدانية والثقافة السائدة تشير إلى أن الغالبية لم تعد تخشى الوصم الاجتماعي، لكن هذا الوعي الأسري لا يعفي المدرسة من مسؤوليتها، خاصة في الحالات التي تكون فيها الاحتياجات غير واضحة وتتطلب تشخيصاً علمياً دقيقاً”.

كما توقف الخبير التربوي عند أهمية ما وصفه بـ”المهن التربوية الجديدة”، وعلى رأسها المختصون الاجتماعيون، مشيراً إلى أنهم يشكلون إضافة نوعية داخل المؤسسات التعليمية، بالنظر إلى دورهم في التوجيه والإرشاد والتكفل بالجوانب الاجتماعية والنفسية للتلاميذ. غير أنه أشار إلى أن أعداد هؤلاء تبقى “محدودة وغير كافية”، بحيث قد يُكلف مختص اجتماعي واحد بمؤسسة تضم أكثر من ألف تلميذ، وهو ما يجعل أداء مهامه على الوجه المطلوب أمراً صعباً.

وسجل في هذا الإطار ما اعتبره “تراجعاً غير مفهوم”، بعد توقف توظيف هذه الفئة خلال الموسم الحالي، رغم أهميتها داخل المنظومة، مبرزاً أن العملية التعليمية لا تقتصر على الفصل الدراسي، بل تشمل مختلف فضاءات الحياة المدرسية بكل تفاعلاتها، وهو ما يستدعي حضور أطر متخصصة ومؤهلة.

وفي غضون ذلك، طالب الخبير التربوي بإعادة النظر في قرار وقف التوظيف، مناشداً الوزارة الوصية بالعودة إلى استقطاب أعداد كبيرة من هؤلاء الأطر، وتزويدهم بالأدوات اللازمة والتدريب المستمر، لكون خلفيتهم الأكاديمية قادرة على إحداث الفارق في تنزيل “التربية الدامجة”.

كما دعا إلى إعادة الاعتبار للصحة المدرسية، عبر الانتقال من مجرد “مكاتب فارغة” إلى إرساء بنيات صحية فعلية داخل المؤسسات، مع تفعيل الملف الصحي للتلميذ الذي يظل، في نظره، “وثيقة شكلية” غير مستثمرة بالشكل الكافي.

وأكد أن تحقيق تعلم جيد يظل رهيناً بتوفر شروط أساسية، في مقدمتها الصحة الجسدية والنفسية، ما يستوجب تعزيز حضور الأطباء والممرضين والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين داخل المدارس، إلى جانب تحسين خدمات التغذية المدرسية وظروف الإقامة في الداخليات، وضمان جودة الحياة داخل الفضاء المدرسي.

وشدد زاهدي على أن الرهان الحقيقي يكمن في تفعيل مضامين القانون الإطار 51.17، في انسجام مع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مبرزاً أن التربية “أشمل من التعليم”، وأن المدرسة يجب أن يُنظر إليها كفضاء لتحقيق النمو الشخصي والاجتماعي للمتعلمين، وتمكينهم من الاندماج الفعّال في المجتمع، وليس فقط “مكاناً لتلقي المعارف بشكل تقليدي”.

وختم الخبير التربوي حديثه بالتأكيد على أن توفير هذه الشروط ليس ترفاً، بل هو تمكين للمتعلمين من ممارسة حقهم الدستوري والكوني في “تربية وتعليم بجودة لائقة”.