.. وكأنها انتخابات
نضطرُ إلى مرافقة ركاكةٍ سياسية بالتعليق. لا أسوأ من أن تعلِّق على مباراة رديئة. والأسوأ أن تحاول أن تؤدّي مهمّتك ( من الهَمِّ أيضاً) في التعليق وإضفاء أجواء الحماسة على ما لا يثير أيّ حماسة. الأمر أشبه بأن تستدعي تييري رولان أو عصام الشوالي أو أندريس كانتور ليعلِّقوا على مباراة من الدرجة الثالثة في تنزانيا.
الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار حزبا سلطة، بلا لف ولا دوران. لم ينْضَحا من إناء المجتمع ضمن حاجةٍ شعبية. وهذا مهمٌ لمقاربة موضوع الحزبين، في اعتقادي.
بهذا المعنى، لا فرق أن يكون المرشح حمامةً أو جرّاراً. الأهم ما تريده السلطة، وما تفكرّ فيه الدولة، وما هندسة الحاكمين الفعليين، ووفق ذلك تتحرّك جحافل من الأعيان والانتهازيين والفاسدين.
في هذه المرحلة من التاريخ السياسي، حظُّ المغاربة سيء. يبدون كمن يضطرون للاختيار بين توْأم. هي انتخابات بين الأعيان والكائنات الانتخابية التي لا تترك إلا قليلا من المساحة للسياسة، ومع الوقت قد يهيمنون على كل الفضاء.
هذا نتاج سياسات وقرارات دولة، تؤمن بأن “سياسةً أقل يعني نجاعة أكثر”. وأيضا نتاج حالة حزبية فيها قابلية انحلال وتفسّخ.
بخصوص انتخابات 23 شتنبر 2026، اكتفت الدولة بإشارة واحدة: التحاق/ إلحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة ليفهم أباطرة الانتخابات “رؤوسهم”. انتقلوا من حزب إلى آخر، دون أن يغادروا ضفاف السلطة وحساباتها.
باختصار، هؤلاء رصيدٌ لا يملكه لا PAM ولا RNI. “نخبٌ” محلية بعضها لا يزال يسأل رجال السلطة عمّا تريده الدولة قبل أن يضع ترشيحه.
ووفق هذا، كل الحق مع من يسخر من “غضبة” التجمع الوطني للأحرار الذي يشتكي من سرقة ناخبيه. بل يزيد ظرفاءُ في السخرية حرفاً حين يذكِّرون محمد شوكي، رئيس حزب الأحرار، بأنه “بّامي” سابق. والحقُّ أن شوكي في “البام” هو نفسه شوكي في “التجمع”. لم يحتج الأمر مراجعةً فكرية (أمزح)، ولم يضطر إلى توضيح، أو إلى مصارحة ناخبيه. الأمر في ذهنه كان بسيطاً: الأصالة والمعاصرة، في جوهر ممارسته السياسية، هو “تجمع وطني للأحرار” بشكل آخر.
الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار حزبان وظيفيان، لا أقلّ ولا أكثر. تُطعِمهما السلطة في الزمان والمكان الذي تريد. ليسا الاستقلال، ولا العدالة والتنمية، أو التقدم والاشتراكية، ولا الاتحاد الاشتراكي.
تبدو المنافسة بينهما كالضرّتان ترفعان الصوت لأن السلطة تعطي إشارات لتقريب إحداهما. فقط يبقى أن السلطة غيرُ عاطفية، ولا تنشغل نهائيا بمن يغضب ( وهل يجرؤ؟) أو يفرح. هي حسابات، ورهانات، وتقدير موقف. وفي هذه اللحظة، تظهر تجربة التجمع الوطني للأحرار مع عزيز أخنوش، في قيادة الحكومة، بئيسة بشدّة. ولا ضمانات أن “البام” لو تصدّر الانتخابات لن نعيش سنوات أخرى أشدّ بؤساً وعبثاً بالمؤسسات.
جمعت حكومة الأحرار/ الأصالة والمعاصرة/ الاستقلال تجمع أسوأ الحكومات: فساد وتضارب مصالح، وسياسات راكمت الغضب في النفوس، قبل أن تتلوّث صورتها بمشاهد عشرات الآلاف من شباب المغرب يقامرون بحياتهم للوصول إلى سبتة. وقبل ذلك احتجاجات جيل زد وغيرها مما يشي بأمور غير حميد تعتمل في جوف المجتمع.
فوزي لقجع جزءٌ من هذه الحكومة التي زادت الكثير من “الشحمة ف ظهر المعلوف”، ومع ذلك، ومنذ اللحظة التي اكتشف فيها أنه يحمل “في قلبه وعقله” أفكار ومشروع (!!!) الأصالة والمعاصرة، يعيش حالة انفصام شخصية طريفة: يتحدث كمعارض نزل للتوّ من جبال الثورة. ينتقد الحكومة وسياساتها ويهاجم “الفراقشية”، الذين كان “يوقِّع أوامر الصرف” لهم.
هذا التخفّف المفجع من المسؤولية يضرب في العمق معنى السياسة. يحاول الوزير المنتدب المكلف بالميزانية أن يُقنع انتخابيا بما كان يُفترض أن يدافع عنه من داخل الحكومة.
حزبه يقدّم بدوره مشهدية تقفز على كل ماضيه، والشبهات التي تحيط بقياداته، وتورّط أسماء وازنة في تجارة المخدرات، وغيرها. لا يشعر بأية حاجة لتقديم جرد حساب بشأن الأسماء التي طرحها أمام الشعب للانتخاب. يعيد الكرّة مرة أخرى، ويُلحق به، كما فعل التجمع الوطني للأحرار في 2021، كلَّ قادرٍ على الفوز بمقعد برلماني، ولا يهمّ إنْ كانت تلاحقه شبهات فساد أو تثار أسئلة حول ثروته.
روسيكلاج انتخابي مثير (…). قليلٌ من النقاش ومن كلام السياسة. مقابل كثير من الكلام عن الفساد والمحسوبيات، وحتى شبهات شراء التزكيات التي حلّقت إلى أرقام فلكية. هذه تجارةٌ وليست انتخابات. هذه سوق.
منذ سنوات يدركُ المتابع أننا مستغرقون في لحظة انسداد لم تعد فيها الانتخابات تحمل مضمونا. السلطة الأساسية في النظام السياسي تقول إن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، وأنها “بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”. فإذا كان الأمر كذلك، فماذا تبقى للأحزاب لتطرحه، غير أن تكون صادقةً للقول إنها تتنافس لانتخاب “المنفّذ الأحسن” لـ”التوجه الاستراتيجي، والاختيارات الكبرى”.
ندوات الأحزاب المرشحة لتصدّر الانتخابات لتقديم البرامج الانتخابية كانت أشبه بحفلة تنكرية. “لا أحد” سيقرأ ما وعدت به، وقليلون سيدقّقون في إمكانات تحقّق ما تعِد به، فضلا عن أن تُحاسب في الانتخابات المقبلة على أساس ما تعهّدت به، لأنها انتخابات بلا سياسة، وبلا صحافة، ويغيب عنها المجتمع مادامت تتحوّل باضطراد إلى “لا حدث”.
خذ عندك نموذج أحداث سبتة. في المغرب نبدو كأننا في مقبرة سياسية، لولا تعليقات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية التي طالبت بالتحقيق، قبل أن يلقى عليها تهجّمات من إعلام فاسد يطلق النار على كل ما يتحرّك. في إسبانيا، كثيرٌ من السياسة، وكثيرٌ من الصحافة، وكثير من الرأي. هذا هو التمثيل الأكثر وضوحا لما تعنيه الديمقراطية والانتخابات والصحافة، وحياة المجتمعات المشغولة بما يُفعل بها وباسمها.
قصارى القول
لم يعد من مجال للتقوّل بأنه لا حاجة للمغرب بالسياسة. تجربة حكومة أخنوش ما تسبّبت فيه من أضرار لصورة المؤسسات تكفي لدقّ ناقوس الخطر. ومع ذلك، يبدو أن لا أحد يستوعب أن استبدال “عمر” بـ”عمرو” و”أحمد” بـ”محمد” يعني مزيداً من العبث ومراكمة الأخطاء.
تحرير السياسة حيوي للاستقرار السياسي المنتج للاستقرار الاجتماعي. لا خيار غير تجريب المسير في طريق الديمقراطية. إدمان تجهيز البدائل من خارج ديناميات المجتمع يكرّس الشعور بالإقصاء، ويفرغ الانتخابات من معناها، حيث يشعر المواطن أنه لا يملك خياراً غير أن ينتقي من داخل لائحة السلطة.