story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

4 أسابيع بدون حافلات.. كيف تعيش مكناس أزمة النقل الحضري؟

ص ص

منذ نحو أربعة أسابيع، تخلو شوارع مكناس من الحافلات التي اعتاد آلاف السكان الاعتماد عليها في تنقلاتهم اليومية، بينما يقضي عشرات السائقين ليلهم داخل مرآب الشركة في اعتصام مفتوح، مؤكدين أنهم لن يعودوا إلى العمل قبل صرف أجورهم المتأخرة.

وبينما تتواصل معاناة المرتفقين، يقول العمال إنهم هم أيضاً وجدوا أنفسهم في مواجهة أزمة اجتماعية خانقة، بعد شهرين من دون أجور، وانقطاع التغطية الصحية منذ سنوات.

إضراب مفتوح وأجور معلقة

في يوم الخميس 25 يونيو 2026, وجد الآلاف من سكان مدينة مكناس أنفسهم مضطرين للاعتماد على وسائل نقل بديلة أكثر كلفة، بعدما توقفت حافلات “سيتي باص” عن العمل بسبب إضراب شامل يخوضه السائقون وعمال الشركة.

ومنذ ذلك الوقت لا يزال الاعتصام المفتوح داخل مرآب الشركة متواصلاً، في ظل تمسك المستخدمين بعدم استئناف العمل قبل تسوية مستحقاتهم المالية، مؤكدين أن احتجاجهم لا يستهدف شل المدينة، وإنما يأتي بعد استنفاد مختلف محاولات الحوار.

يقول أحد السائقين بالشركة، إن المستخدمين “دخلوا الشهر الثالث من دون أجور”، موضحاً في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن صرف الرواتب كان يتم في السابق في حدود اليوم الخامس من كل شهر، قبل أن تبدأ التأخيرات، خلال السنة الأخيرة، لتصل أحياناً إلى ما بعد اليوم العشرين، قبل أن تتوقف الأجور بالكامل خلال الشهرين الأخيرين.

وأوضح المتحدث ذاته أن الاحتجاج الحالي يشارك فيه جميع العاملين بالشركة، من سائقين ومراقبين وعمال ميكانيك، مضيفاً أن المعتصمين يبيتون داخل مرآب الشركة منذ ثلاثة أسابيع، ويحولون دون خروج الحافلات في انتظار التوصل إلى حل يضمن صرف مستحقاتهم.

وعدٌ مؤجل

وسبق أن علق العمال احتجاجاً سابقاً بعد تلقيهم وعوداً من رئيس المجلس الجماعي في مكناس بحل الملف. وتظاهر العمال قبل البدء في هذا الإضراب الطويل، في وقفة احتجاجية حضر على إثرها رئيس المجلس البلدي ووعدهم بصرف الأجور يوم الأربعاء 24 يونيو، غير أن ذلك الوعود لم يتحقق، ما دفعهم إلى الدخول في الإضراب بدءاً من اليوم التالي، مع تشكيل لجنة من ستة مستخدمين للتفاوض مع المسؤولين.

وبحسب إفادة السائق، عاد رئيس الجماعة لاحقاً ليبلغهم بأن الشركة “لم تفِ بالتزاماتها”، قبل أن يطلب منهم مهلة إضافية مدتها 15 يوماً انتهت بدورها دون أي انفراج، بينما يترقب العمال ما ستسفر عنه دورة استثنائية للمجلس الجماعي أملاً في إيجاد مخرج للأزمة.

ويشغل عباس المغاري -عن حزب الاتحاد الدستوري– منصب رئيس المجلس الجماعي لمدينة مكناس. وقد انتُخب رئيساً جديداً للجماعة في فاتح نونبر 2024، خلفاً للرئيس السابق جواد باحجي. وانتخب معه كل من محمد بختاوي عن التجمع الوطني للأحرار، نائباً أول للرئيس، وأمينة حداش عن الاتحاد الدستوري، نائبة ثانية، وزكرياء بقدير عن حزب الأصالة والمعاصرة، نائباً ثالثاً.

اختبار لشعار انتخابي

ولم تقتصر معاناة المستخدمين، بحسب المتحدث، على الأجور، بل امتدت إلى التغطية الصحية الإجبارية (AMO)، التي قال إنها متوقفة منذ نونبر 2023 بسبب عدم أداء الشركة المساهمات المستحقة.

وأضاف أن هذا الوضع خلف مآسي داخل صفوف العمال، مستشهداً بحالات اضطر فيها مستخدمون إلى تحمل مصاريف العلاج والولادة من جيوبهم، في حين “فقد أحد زملائهم -وهو مصاب بالسرطان- حياته بعدما عجز عن مواصلة العلاج الكيميائي بسبب تكلفته المرتفعة”.

وقال: “أنا شخصياً دفعت ثمانية آلاف درهم مقابل ولادة زوجتي، ولدي عشرة ملفات علاجية مرفوضة بدعوى أن الحق في التغطية الصحية مغلق”.

ويرى السائق الذي تحدث مع “صوت المغرب” أن ما يعيشه عمال النقل الحضري بمكناس يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي رفعته الحكومة الحالية طيلة ولايتها تحت شعار “الدولة الاجتماعية”. ويقول: “نتحدث عن الدولة الاجتماعية، لكننا اليوم بلا أجور وبلا تغطية صحية”، إذ أن العمال “لا يلمسون هذا الشعار في واقعهم اليومي”، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تعيشها أسرهم.

وأضاف أن الأزمة لم تعد تقتصر على الجانب المهني، بل تحولت إلى معاناة اجتماعية تمس القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية للأسر، في وقت يواصل فيه العمال اعتصامهم داخل مرآب الشركة.

ويؤكد حمزة، الذي يعمل بالشركة منذ سنة 2010، أن مؤشرات الأزمة كانت تتضح خلال السنتين الأخيرتين، مضيفاً أن العمال كانوا يتخوفون من الوصول إلى هذا الوضع، بالنظر إلى المشاكل التي شهدتها مدن أخرى كانت الشركة نفسها تتولى فيها تدبير النقل الحضري، من بينها وجدة، وفاس، والقنيطرة، والجديدة، والفقيه بن صالح، وتطوان.

ويشدد على أن العمال لا يعتبرون أنفسهم في مواجهة مع المواطنين، بل يؤكدون استعدادهم لاستئناف العمل في اللحظة نفسها التي يتوصلون فيها بمستحقاتهم المالية، قائلاً: “لسنا رافضين للعمل… كل ما نطالب به هو أن نتقاضى أجورنا لنعود إلى مقود الحافلات من جديد”.

تهميش ورقابة غائبة

من جهته، حمّل عبد الوهاب البقالي، المستشار الجماعي عن الحزب الاشتراكي الموحد، المسؤولية لـ”تراكم سنوات من غياب الرقابة على شركة النقل الحضري”، معتبراً أن الأزمة الحالية لم تكن مفاجئة، بل نتيجة اختلالات “ظل المجلس يتوصل بشأنها بتنبيهات متكررة منذ بداية الولاية الجماعية الحالية”.

وقال البقالي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن الشركة “لا تحترم دفتر التحملات”، مبرزاً أن العقد يلزمها بتوفير 120 حافلة، “بينما لا يتجاوز عدد الحافلات التي كانت تشتغل فعلياً 40 حافلة، وجميعها في وضعية متدهورة”، على حد تعبيره.

وأضاف أن فريقه داخل المجلس سبق أن أثار هذه الاختلالات في الدورات والمراسلات الرسمية، معتبراً أن الجماعة “لم تفعل آليات المراقبة والمحاسبة بالشكل المطلوب”، ومتهماً رئيس المجلس بـ”الدفاع عن الشركة بدل مساءلتها”، وفق تعبيره.

كما اعتبر المستشار الجماعي أن مكناس تعرضت لما وصفه بـ”التهميش المجالي”، مشيراً إلى أن المدينة لم تستفد من تجديد أسطول النقل الحضري في المرحلة الأولى من البرنامج الذي تشرف عليه وزارة الداخلية، خلافاً لمدن أخرى، وهو ما ساهم، بحسب رأيه، في تفاقم الأزمة.

أزمة اجتماعية

وعن أوضاع العمال، قال البقالي إن “الشركة لم تلتزم، بحسب المعطيات التي يتوفر عليها، بأداء أجور المستخدمين ولا بالوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتغطية الصحية”، مضيفاً أن “عدداً من العمال يعيشون أوضاعاً اجتماعية صعبة بسبب توقف الأجور”.

واعتبر أن استمرار توقف الحافلات انعكس بشكل مباشر على الساكنة، التي أصبحت “تنتظر أحياناً لأكثر من ساعة من أجل العثور على سيارة أجرة، فيما فقد بعض المواطنين فرص عملهم بسبب صعوبات التنقل”، محذراً من أن استمرار الوضع “قد يقود إلى انفجار أزمة اجتماعية” بالمدينة.

ودعا البقالي وزارة الداخلية إلى التعجيل بإدخال الحافلات الجديدة إلى مكناس، وفتح تحقيق بشأن تدبير هذا المرفق، ومحاسبة المسؤولين عن الاختلالات التي عرفها القطاع خلال السنوات الماضية، معتبراً أن ما يجري “يتطلب تحركاً عاجلاً لإنقاذ النقل الحضري بالمدينة”.