المحامون يصعدون ضد وهبي: أين اختفت 4.5 مليارات سنتيم من أموال المساعدة القضائية؟
لا يزال التوتر بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب يتصاعد، عقب رد رئيس الجمعية، الحسين الزياني، على التصريحات الأخيرة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تساءل مستنكرا: “من أنتم حتى يلتزم معكم رئيس الحكومة؟”.
وخلال ندوة صحافية عقدتها جمعية هيئات المحامين، مساء الجمعة بالدار البيضاء، بحضور عدد من النقباء والمحامين، رد الزياني قائلا: “من نحن؟ نحن المحامون، ومن يطرح هذا السؤال عليه أن يعود إلى قراءة التاريخ”، مؤكدا أن الجسم المهني يعتبر نفسه غير معني بمشروع القانون إذا تم تمريره بصيغته الحالية، ومعلنا الدخول في مرحلة جديدة من التصعيد دفاعا عن استقلالية المهنة ومنظومة العدالة.
“عنف تشريعي”
واعتبر الزياني أن مهنة المحاماة تتعرض لما وصفه بـ”هجوم غير مسبوق” و”عنف تشريعي خطير”، مؤكدا أن المعركة لا تتعلق بالدفاع عن امتيازات مهنية أو مصالح فئوية، بل بحماية حق المواطنين في محاكمة عادلة.
وقال إن المحاماة تشكل إحدى الضمانات الأساسية لحماية الحقوق والحريات، معتبرا أن الهدف الحقيقي من مشروع القانون هو إضعاف المهنة، وهو ما سينعكس، بحسب تعبيره، سلبا على حق المواطنين في الدفاع.
كما اتهم الحكومة بمحاولة تمرير المشروع في إطار “صفقات سياسية” وبـ”سرعة قياسية” خلال ما تبقى من عمر الولاية الحكومية، مؤكدا في المقابل أن المحامين لا يرفضون الإصلاح، وإنما يرفضون أي إصلاح يمس استقلالية المهنة.
انقلاب على التوافقات
واستعرض رئيس الجمعية مسار الحوار مع الحكومة، موضحا أن المحامين اختاروا منذ البداية نهج التفاوض، وعقدوا اجتماعات مطولة مع رئيس الحكومة انتهت إلى أرضية تفاهم، قبل أن يتفاجأوا، بحسب قوله، بالتراجع عنها.
وتساءل الزياني عما إذا كانت مؤسسات الدولة تؤمن فعلا بثقافة الحوار، معتبرا أن ما وقع عمق أزمة الثقة بين الطرفين، وأن احترام التوافقات يعد تجسيدا لفلسفة الدستور القائمة على الديمقراطية التشاركية.
وأضاف أن وزير العدل يسعى، من خلال المشروع، إلى تقليص استقلالية هيئات المحامين والمس بالتنظيم الذاتي للمهنة، معتبرا أن محاولة تقييد صلاحيات النقباء “لا نظير لها في أي تجربة مقارنة”.
أين اختفت 4.5 مليارات سنتيم؟
وفي رده على تصريحات وزير العدل بمجلس المستشارين، بشأن ضرورة افتحاص ملفات المساعدة القضائية من قبل المجلس الأعلى للحسابات، أكد الزياني أن هيئات المحامين لا ترفض الشفافية، لكنها ترفض توظيف هذا الملف سياسيا.
وأوضح أن عددا كبيرا من المحامين أدوا مهامهم في إطار المساعدة القضائية دون أن يحصلوا على مستحقاتهم، متسائلا عن مصير الأموال المرصودة لهذا الغرض.
وأشار إلى أن الاعتمادات المخصصة للمساعدة القضائية بلغت 6 مليارات سنتيم، غير أنها ظلت ضمن الميزانية الفرعية لوزارة العدل ولم تحول إلى الهيئات، مضيفا أن المعطيات المتوفرة لدى الجمعية تفيد بأن حوالي 1.5 مليار سنتيم فقط استفاد منها نحو 19 ألف محام قبل سنة 2020، قبل أن يتساءل: “أين ذهبت الأربعة مليارات والنصف المتبقية؟”، داعيا المجلس الأعلى للحسابات إلى التدقيق في هذا الملف.
وبخصوص ودائع المحامين، أكد الزياني أن القضاء سبق أن حسم في طبيعتها القانونية، مشددا على أنها ليست أموالا عمومية، وأن جمعيات هيئات المحامين تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ولا تدبر مرفقا عاما.
من جهته، أوضح نقيب هيئة المحامين بالرباط، عزيز رويبح، أن ودائع الزبناء تخضع لضوابط قانونية صارمة، ولا يملك المحامي أو الهيئة حرية التصرف فيها، باعتبارها أموالا تخص المواطنين وتخضع لرقابة النقيب والنيابة العامة، معتبرا أن الدعوات إلى إخضاعها لافتحاص المجلس الأعلى للحسابات تستهدف المس باستقلالية المهنة.
“المحامون يد واحدة”
وأكد رئيس جمعية هيئات المحامين أن مختلف الهيئات المهنية أصبحت موحدة في موقفها الرافض لمشروع القانون، مشيرا إلى أن هيئة الدار البيضاء، أكبر هيئات المملكة، التحقت بقرار التوقف عن العمل بعد المصادقة على المشروع داخل لجنة العدل والتشريع.
كما أعلن أن المحامين لن يشاركوا في الانتخابات المهنية المقررة خلال شهر دجنبر المقبل، في خطوة احتجاجية جديدة تعكس استمرار التصعيد.
واختتم الزياني الندوة بالتأكيد على أن المحامين لا يدخلون في مواجهة مع مؤسسات الدولة، وإنما مع الجهات التي تسعى، بحسب تعبيره، إلى إضعاف مهنة المحاماة، مجددا التأكيد على استعدادهم لخوض مختلف الأشكال النضالية، بما فيها إغلاق المكاتب ونزع البذلات المهنية، إذا لم يتم سحب مشروع القانون أو تجميده، معتبرا أنه “قانون عقابي وانتقامي” يستهدف المهنة واستقلاليتها.