story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

عشنا فيها قروناً وهُدمت في أيام.. تعرف على “حارة المغاربة” بالقدس في ذكرى هدمها

ص ص

بين أزقة بلدة القدس القديمة، وتحديداً في الرواق الغربي للمسجد الأقصى حيث حائط البراق، تفوح رائحة تاريخ ممتد لأكثر من ثمانية قرون. هنا كانت تتربع “حارة المغاربة”، الشاهد الحي على عمق الروابط التي جمعت أهل المغرب ببيت المقدس، والذي غيبت الجرافات معالمه الجغرافية في ساعات قليلة عام 1967.

لم تكن هذه الحارة يوماً مجرد تجمع سكني عابر، بل مكافأة تاريخية تجسيداً لعهد وفاء لمن قدموا دماءهم وأرواحهم فداء لبيت المقدس. فبعد دحر الصليبيين وتحرير المسجد الأقصى عام 1187م، أراد القائد صلاح الدين الأيوبي تكريم المقاتلين المغاربة الذين لبوا النداء، وشكلوا رقماً صعباً تراوحت نسبته ما بين 20% إلى 25% من قوام جيشه المنتصر.

أمانة صلاح الدين

حين اختار لهم تلك المساحة الاستراتيجية الحساسة، نطق بمقولته التاريخية التي شكلت صك أمان وشهادة شرف في حقهم قائلاً: “أسكنت هناك من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة”.

وفي عام 1193م، قام الملك الأفضل نور الدين علي، الابن الأكبر لصلاح الدين، بوقف الحارة بأكملها على المغاربة المقيمين في القدس والوافدين إليها من حجاج وطلبة علم. وشمل الوقف المدارس والمرافق والمصالح الدينية، لتتحول الحارة إلى “وقف ديني وخيري” مستدام.

تعزز هذا الوقف لاحقاً بوقفيات أخرى شهيرة، أبرزها وقف أبو مدين الغوث (الحفيد)، الذي وقف قريتين ومرافق لصالح زوار القدس من المغاربة، ليتشكل بذلك حي وقفي متكامل. حيث أوقف حفيد الشيخ الصالح والعالم المتصوف أبو مدين الغوث شعيب بن الحسن الأندلسي دفين تلمسان قرية عين كارم بكاملها على المغاربة، وهي من بين القرى المحيطة بمدينة القدس، وسمحت بتوسيع حي المغاربة وتطويره، بفضل إيراد البساتين الفلاحية والبيوت الموقوفة، إضافة إلى زاوية مع كل ما تحتاجه من طعام وشراب.

كما يوجد وقف خاص آخر يعود للمجاهد عمر المصمودي، وقد سجل في سنة 1330 م، ويتكون من ثلاثة بيوت تقع في حارة المغاربة، وزاوية تضم عشر حجرات في طابقين ومسجد.

وتوسعت هجرة المغاربة صوب القدس في عصر المماليك، كما احتفظوا بمكانة خاصة لدى العثمانيين الذين دخلوا المدينة سنة 1517م وضموها لدولتهم، وظل شيخ المغاربة ممثلاً لطائفته وأهل بلده أمام السلطات العثمانية والقضائية، وكان أيضا ناظرا ومسؤولا عن أوقافهم التي تنوعت وازدهرت وكثرت في داخل القدس وفي القرى والبساتين المجاورة لها.

إدارة الوقف المغربي

كانت أوقاف المغاربة تُدار من طرف مديرية الأوقاف الإسلامية في القدس إلى غاية سنة 1954. غير أن المغاربة، وبفعل تزايد عددهم في المدينة، رغبوا في الاستقلال بتدبير أوقافهم. واستجابة لهذا المطلب، وبعد التشاور مع لجنة من أعيانهم، استحدثت مديرية الأوقاف منصب متولي الوقف، فوقع الاختيار على الشيخ محمد المهدي المزكلدي، المنحدر من منطقة جبالة شمال المغرب، ليكون أول متولٍّ لوقف المغاربة خلال فترة الحكم الأردني.

وكان الشيخ المزكلدي يحمل أختاماً خاصة، ويشرف على تدبير شؤون أوقاف المغاربة داخل القدس وخارجها، بعد أن حظي باختيار أعيان الجالية المغربية ومصادقة القاضي الشرعي، ليُعرف بصفته “شيخ المغاربة” أو “المختار” أو “النقيب”.

وكان يُشترط في ناظر أوقاف المغاربة أن يكون من مشايخ المغاربة المقيمين في القدس، معروفاً بالاستقامة والقدوة، وأن يتابع مختلف شؤون الوقف ومرافقه ووظائفه، وله أن يتولى ذلك بنفسه أو ينيب من يراه مناسباً للقيام بهذه المهام، مع احتفاظه بحق عزله متى اقتضى الأمر.

واستمر الشيخ المهدي في مهامه متولياً للأوقاف إلى أن تقدمت به السن، فخلفه الحاج علي النقيب، ثم محمد إبراهيم عبد الحق الفكيكي، وبعده عيسى هاشم السويسي.

وعبر التاريخ، برزت شخصيات عديدة تولت الإشراف على هذه الأوقاف، من بينها الشيخ عمر المصمودي، مؤسس “الزاوية المصمودية”. واستمرت هذه الإدارة قائمة إلى أن أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على هدم حارة المغاربة سنة 1967.

نكسة الحارة

وظلت حارة المغاربة نابضة بالحياة إلى غاية نكسة يونيو 1967، حين تعرضت لواحدة من أكبر عمليات طمس الهوية العمرانية والثقافية في القدس المحتلة.

فبعد أربعة أيام فقط من احتلال الشطر الشرقي للمدينة، اقتحمت الجرافات الإسرائيلية الحارة تحت جنح الظلام، بتعليمات مباشرة من سلطات الاحتلال وبإيعاز من ديفيد بن غوريون وتيدي كوليك.

ولم يُمنح السكان سوى ساعات قليلة لإخلاء منازلهم. وتحولت أيام 11 و12 و13 يونيو 1967 إلى أيام سوداء في ذاكرة القدس، بعدما هدمت جرافات الاحتلال حارة المغاربة بالكامل.

وأسفرت العملية عن تدمير 135 منزلاً، ومسجدين من بينهما جامع البراق الشريف، إضافة إلى المدرسة الأفضلية، كما شُرِّد أكثر من 650 شخصاً من العائلات ذات الأصول المغربية والمقدسية.

وسُويت الحارة بالأرض لإقامة ما يعرف اليوم بـ”ساحة المبكى” أو “ساحة حائط البراق”، المخصصة لاستقبال الزوار اليهود، في إطار سياسة تهويد القدس وطمس معالمها العربية والإسلامية.

وتوثق رسالة بعث بها أمين القدس الشريف إلى السفير المغربي في الأردن سنة 1977 هذه الوقائع، إذ جاء فيها أن “العدو الإسرائيلي سارع، بأمر من سلطاته العليا سنة 1967، إلى هدم 138 عقاراً في الحي المغربي، معظمها تابع للأوقاف المغربية، كما طرد سكانها البالغ عددهم 635 شخصاً، ونتج عن ذلك طمس وإزالة معالم الأوقاف المغربية الإسلامية”.

كما ورد في الرسالة: “أنقل إليكم وإلى المغرب الشقيق أن زاوية المغفور له الشيخ أبو مدين الغوث وجامعها، الواقعة في الحي المغربي داخل سور القدس، أصبحا مهددين في أية لحظة بالانهيار أو الهدم (…) وتُعد هذه الزاوية والجامع الملحق بها من أبرز وأقدم المعاهد المغربية الإسلامية في القدس”.

وجاء في ختامها: “وإني باسمكم وباسم القدس أناشدكم والمغرب الشقيق أن تضيفوا قضيتكم إلى قائمة القضايا المتعلقة بالقدس والقضية الفلسطينية، وأن توصوا حكومتكم الجليلة بما يخفف المصاب ويحافظ على بقاء هذا الصرح الديني والخيري قائماً في مكانه، ليواصل أداء رسالته التي حافظ عليها الخيرون من أبناء المغرب والجزائر وتونس وليبيا، بالتعاون مع أهل القدس والحكومات المتعاقبة التي حكمت المدينة منذ إنشاء الزاوية والجامع وحتى 5 يونيو 1967”.

وحتى سبعينيات القرن الماضي، كانت السلطات المغربية ترسل إعانات مالية مباشرة إلى ما يقارب ثلاثة آلاف مغربي مقيم في القدس الشريف. وتؤكد ذلك رسالة توصل بها السفير المغربي في الأردن خلال شهر مارس 1977 من روحي الخطيب، رئيس بلدية القدس العربية، تضمنت بيانات وجداول تفصيلية حول الممتلكات والأوقاف المغربية التي كانت مهددة من قبل الاحتلال الإسرائيلي.