مشروع قانون المحاماة يدخل مرحلة كسر العظم
يتجه مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى دخول منعطف جديد من التوتر بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بعدما صادقت عليه لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب بالأغلبية، في اجتماع امتد لساعات وجرى خلاله الحسم في تعديلات أثارت نقاشا حادا داخل البرلمان وخارجه.
فقد حظي المشروع بموافقة 16 نائبا مقابل معارضة 7 نواب، دون تسجيل أي امتناع، بعد مسار تشريعي تميز بتقديم مئات التعديلات، وباحتدام الخلاف حول شروط الولوج إلى المهنة، وحدود استقلالية الدفاع، وموقع النقيب، ومسألة الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه وزارة العدل أن النص يندرج ضمن ورش تحديث مهن العدالة وتأهيل المحاماة لمواكبة التحولات، يرى معارضوه أن الصيغة التي صادقت عليها اللجنة لم تبدد المخاوف الجوهرية التي رافقت المشروع منذ بدايته، بل أبقت، بحسبهم، على مقتضيات تمس حصانة الدفاع وتفتح الباب أمام تضييق استقلالية المهنة.
وبين خطاب حكومي يتحدث عن الإصلاح والتجويد، وخطاب مهني يصف ما جرى بالتراجع عن التوافقات السابقة، انتقل المشروع من مجرد نقاش قانوني حول تنظيم مهنة حرة إلى مواجهة مفتوحة حول مكانة الدفاع داخل منظومة العدالة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تدبير شؤون المحاماة.
وزاد من حدة الاحتقان إعلان مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، عقب اجتماع طارئ عقده بالرباط يوم 15 ماي 2026، عزم النقباء السبعة عشر على عقد جموع عامة استثنائية، في خطوة غير مسبوقة قد تفضي إلى تقديم استقالاتهم الجماعية احتجاجا على ما اعتبروه مسا بثوابت المهنة وتراجعا عن التوافقات السابقة بخصوص مشروع القانون.
واعتبرت الجمعية أن مسار إعداد النص شابته اختلالات، من بينها عدم احترام ما سبق التوصل إليه مع رئاسة الحكومة، وتقديم تعديلات شفوية خارج المساطر المتعارف عليها، ورفض مقترحات برلمانية قالت إنها كانت ستعزز استقلالية المهنة وحصانة الدفاع.
النقباء يلوحون بالاستقالة
في هذا السياق، أعلن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة “نضالية وجودية”، بعدما خلص إلى أن الصيغة المصادق عليها داخل لجنة العدل لا تستجيب للحد الأدنى من الضمانات التي طالبت بها الهيئات المهنية.
ولم تقف الجمعية عند حدود رفض بعض المقتضيات التقنية، بل ذهبت إلى اعتبار ما جرى مسا بمؤسسة النقيب ومكانتها الاعتبارية داخل منظومة العدالة، خصوصا في ظل ما وصفته بتصريحات ومواقف غير مقبولة صدرت خلال النقاش البرلماني في حق النقباء.
من جانبه حاتم بكار، عضو مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أكد أن الأمر لا يتعلق بمجرد تلويح رمزي بالاستقالة، بل بعزم فعلي لدى النقباء على اتخاذ هذه الخطوة دفاعا عن المهنة. واعتبر بكار، وفق التصريحات التي أدلى بها لصحيفة “صوت المغرب”، أن قرار الاستقالة المرتقب له دوافع مهنية صرفة، وأن النقباء يمارسون أدوارهم انطلاقا من قناعة مهنية لا من حسابات ظرفية، مشيرا إلى أن معطيات إضافية سيتم الكشف عنها في الوقت المناسب.
ويأتي هذا التصعيد بعدما اعتبرت الجمعية أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي تحفظ على عدد كبير من التعديلات التي تقدمت بها فرق من الأغلبية والمعارضة، وقبل تعديلات محدودة فقط، رغم أن المشروع عرف تقديم أكثر من 500 تعديل خلال مساره داخل اللجنة، وهو رقم يعكس حجم التحفظات السياسية والمهنية التي أحاطت بالنص.
وبذلك لم تعد المعركة محصورة بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين، بل أصبحت تمتد إلى داخل المؤسسة التشريعية نفسها، حيث ظهرت تباينات واضحة حول فلسفة المشروع وتوازناته.
براهمة: لا جديد جوهري
من جهتها، اعتبرت سعاد براهمة، المحامية وعضو الجبهة الوطنية للدفاع عن استقلال مهنة المحاماة، أن الصيغة الحالية من المشروع لا تحمل أي جديد جوهري يستجيب لتطلعات المحامين، بل تمثل، حسب تعبيرها، تراجعا ونكوصا يمسان في الصميم حصانة الدفاع واستقلالية المهنة.
وقالت براهمة، في تصريح أوردته “صوت المغرب”، إن التعديلات التي طرأت على المشروع قوبلت بالرفض من طرف المؤسسات المهنية ومن طرف المحامين كأفراد، لأنها أبقت على عدد من المقتضيات التي كانت محل جدل واسع داخل الوسط المهني.
وتوقفت براهمة عند ما اعتبرته تضييقا على حق المحامين في الاحتجاج داخل المحاكم، مشيرة إلى أن المشروع يتعامل مع مقاطعة الجلسات أو أشكال الاحتجاج داخل المحاكم باعتبارها مسا بحسن سير العدالة، وهو ما يعني، في نظرها، الإبقاء على منع شكل من أشكال التعبير المهني الذي تستعمله المحاماة للدفاع عن استقلاليتها.
كما انتقدت المتحدثة نفسها الإبقاء على مفهوم “الإخلال” بصياغة عامة وغير محددة، معتبرة أن هذا الغموض قد يفتح الباب أمام متابعة محامين بسبب ممارستهم لحق الدفاع أو أثناء المرافعة.
وترى براهمة أن خطورة هذه المقتضيات لا تقف عند حدود المحامي كمهني، بل تمتد إلى المتقاضين أنفسهم، لأن إضعاف استقلالية الدفاع ينعكس، في النهاية، على ضمانات المحاكمة العادلة. كما حذرت من تحويل النقاش حول بعض القضايا التنظيمية، من قبيل تمثيلية النقباء أو تمثيلية المحامين الشباب، إلى ما يشبه الإلهاء عن جوهر الإشكال الحقيقي، المتمثل في حصانة الدفاع واستقلالية المهنة.
الولوج إلى المهنة يشعل الخلاف
يشكل الولوج إلى مهنة المحاماة إحدى أبرز نقاط الخلاف في المشروع الجديد، خصوصا بعد اعتماد شهادة الماستر لاجتياز المباراة ورفع السن الأقصى للترشح إلى 45 سنة، وهي تعديلات اعتبرها مؤيدوها مدخلا لتجويد التكوين ورفع مستوى التأهيل، بينما ترى فيها أطراف مهنية وحقوقية مدخلا لتقليص فرص فئات واسعة من خريجي القانون في ولوج المهنة.
وفي هذا الإطار، اعتبرت سعاد براهمة أن اشتراط شهادة الماستر من شأنه أن يقصي عددا كبيرا من الشباب، بالنظر إلى صعوبة الولوج إلى هذا السلك داخل الجامعات المغربية. وأكدت أن منظومة التكوين الحالية تتضمن أصلا عدة آليات لضمان الكفاءة، من بينها مباراة الولوج، والتكوين داخل المعهد، والتدريب داخل مكاتب المحامين، إضافة إلى امتحان الأهلية بعد التمرين، معتبرة أن هذه المراحل كافية لضمان تكوين مهني سليم إذا كان الهدف هو التأهيل وليس الإقصاء.
أما بخصوص رفع السن الأقصى إلى 45 سنة، فقد أثارت براهمة سؤال غياب معيار موحد بين مختلف الفئات التي تلج المهنة، معتبرة أنه كان من الأجدر اعتماد مقاربة منسجمة أو إلغاء التسقيف بالنسبة للولوج الأولي.
وتكشف هذه النقطة عن جانب آخر من الجدل، يرتبط بتوازن المشروع بين مطلب الرفع من جودة الممارسة ومطلب عدم إغلاق المهنة أمام فئات اجتماعية ومهنية واسعة.
الأساتذة يدخلون على الخط
بالتوازي مع غضب المحامين، فتح مشروع القانون جبهة أخرى مع أساتذة القانون، بعدما أثارت المقتضيات المتعلقة بالجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة نقاشا واسعا داخل كليات الحقوق وأمام البرلمان. فقد نظم أساتذة باحثون في العلوم القانونية وقفة أمام مقر البرلمان يوم 6 ماي 2026، مطالبين بتعديل المقتضيات التي تكرس حالة التنافي بين الأستاذية الجامعية وممارسة المحاماة، ورافعين شعارات تربط بين الجامعة ومهن العدالة وتدعو إلى الاعتراف بدور الأستاذ الباحث داخل الممارسة المهنية.
وتنقسم المواقف حول هذه النقطة بين محامين يعتبرون الجمع بين صفة الموظف العمومي والمحامي الحر ضربا لاستقلالية الدفاع، وأساتذة جامعيين يرون في المنع إقصاء لصناع الفقه القانوني وتراجعا عن مكتسب تاريخي.
ويعتبر الرافضون للجمع أن الأستاذ الجامعي، بوصفه موظفا خاضعا لالتزامات إدارية وتربوية، لا يمكن أن يزاول مهنة حرة ومستقلة دون أن يطرح ذلك إشكالات في التفرغ والتبعية وتضارب الالتزامات. في المقابل، يرى الأساتذة أن انفتاح المحاماة على الكفاءات الأكاديمية من شأنه أن يعزز جودة الدفاع ويربط التكوين النظري بالممارسة العملية.
وفي هذا الصدد، اعتبر حاتم بكار أن ممارسة أساتذة القانون لمهنة المحاماة مرحب بها من حيث المبدأ، باعتبارها قيمة علمية مضافة، لكنه اشترط تقديم الاستقالة من الوظيفة العمومية لضمان الاستقلالية التامة والانتماء الوحيد للمهنة.
وتساءل بكار عن كيفية احترام الأستاذ الجامعي، المرتبط بجدول إداري والتزامات تجاه الطلبة والامتحانات، لجدول جلسات المحاكم، معتبرا أن الجمع بين المهنتين قد يؤدي إلى التقصير في كلتيهما.
في المقابل، دافع يوسف الكواري، عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي، عن مطلب تمكين أساتذة الحقوق من ممارسة المحاماة، معتبرا أن الأمر يتعلق باستعادة حق تاريخي كان قائما قبل سنة 1997. وقال الكواري إن المنظومة الحالية تسمح للمحامي الحاصل على الدكتوراه بالولوج إلى التدريس مع الاحتفاظ بمهنته، بينما تحرم الأستاذ الجامعي من ممارسة المحاماة، معتبرا أن أستاذ القانون هو الذي يشرف أصلا على تكوين أجيال المحامين، وأن التشكيك في مؤهلاته لممارسة المهنة طرح غير موضوعي.
كليات الحقوق تعترض
في سياق متصل، عبرت أصوات أكاديمية من عدد من كليات الحقوق عن رفضها للمقتضيات التي تكرس التنافي بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية، معتبرة أن النظام الأساسي الجديد للأساتذة الباحثين لسنة 2023 لا يتضمن منعا صريحا بهذا الخصوص. وذهبت بعض شعب القانون الخاص إلى اعتبار رفض الجمع بين المهنتين نوعا من تجريد الفقه القانوني من أدواته في مواجهة تحديات العصر، بما فيها التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحاجة سوق العدالة إلى تكوين أكاديمي ومهني متكامل.
وقالت سعاد بونوار، الأستاذة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، إن النقاش حول الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي كان، في الأصل، لفائدة الأستاذ والمحامي والطالب معا، لأنه يسمح للأستاذ الجامعي بتطوير كفاءته العملية عبر المزاوجة بين الممارسة والتكوين الأكاديمي. واعتبرت أن الهدف هو ألا يبقى الأستاذ الجامعي بعيدا عن الواقع المهني أو منغلقا داخل التكوين النظري فقط، بل منفتحا على الممارسة بما يساهم في تطوير الاجتهاد القضائي وتحسين جودة الخدمات القانونية.
وانتقدت بونوار القيود المرتبطة بولوج الأساتذة إلى المحاماة بعد التقاعد، مشيرة إلى أن القانون السابق لسنة 2008 كان يسمح بذلك، بينما يفرض المشروع الحالي قيودا مرتبطة بالسن، في وقت يصل فيه تقاعد أساتذة التعليم العالي إلى 65 سنة، ما يجعل هذا الولوج، في نظرها، شبه مستحيل عمليا. وربطت المتحدثة بين جودة التكوين القانوني وحماية الاقتصاد الوطني، معتبرة أن إغلاق المهنة في وجه الكفاءات الأكاديمية قد ينعكس على جودة العدالة وحماية المقاولات والاستقرار القانوني.
وهبي يدافع عن التحديث
في المقابل، تتمسك وزارة العدل بروايتها القائمة على أن مشروع القانون ليس موجها ضد المحامين ولا يستهدف التضييق على الدفاع، بل يندرج ضمن ورش إصلاح منظومة العدالة وتأهيل المهن القانونية.
فقد قدم وزير العدل عبد اللطيف وهبي المشروع أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب يوم 15 أبريل 2026، مؤكدا أنه يهدف إلى تحديث الإطار القانوني للمهنة، وتحسين قواعد الولوج والتكوين، وتنويع أشكال الممارسة، بما يسمح للمحامين، وخاصة الشباب، بالاشتغال فرديا أو في إطار شراكات أو شركات مهنية، مع فتح إمكانية التعاون مع محامين أجانب وفق ضوابط قانونية دقيقة.
وتعتبر الوزارة أن المشروع يحاول تحقيق توازن بين استقلالية المحاماة ومتطلبات الضبط والشفافية وتكافؤ الفرص داخل المهنة، وأن الإصلاح يهدف إلى حماية المهنة نفسها من الاختلالات، وتحسين جودة الخدمات القانونية المقدمة للمتقاضين. كما تراهن على أن المسار البرلماني، بما يتيحه من تعديلات ومناقشة، هو الإطار الطبيعي لحسم الخلافات، بدل تحويل مطلب سحب المشروع إلى شرط مسبق لأي نقاش.
غير أن هذا الدفاع الحكومي لم ينه حالة التوتر، بل زاد من اتساعها، خصوصا بعد مصادقة اللجنة على المشروع وظهور جبهات اعتراض متزامنة: هيئات المحامين من جهة، والنقباء من جهة ثانية، وأساتذة القانون من جهة ثالثة، إضافة إلى تحفظات حقوقية وسياسية تعتبر أن النص يمس أحد أعمدة المحاكمة العادلة.
وبذلك يجد مشروع قانون المحاماة نفسه أمام اختبار سياسي ومهني معقد، حيث لم تعد الأسئلة المطروحة محصورة في تفاصيل الولوج والتكوين، بل صارت تمس موقع الدفاع داخل الدولة، وطبيعة العلاقة بين الحكومة والمهن القانونية، وحدود قدرة البرلمان على إنتاج صيغة توافقية تنزع فتيل مواجهة مرشحة لمزيد من التصعيد.