story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

إسماعيل حمودي يكتب: أخنوش VS بنكيران

ص ص

لا تبدو عودة عزيز أخنوش إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي عبر “فيديو” تواصلي مطول، بعد أشهر من الغياب النسبي الذي أعقب إبعاده من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار في فبراير الماضي، حدثا تواصليا عاديا أو مجرد محاولة معزولة للدفاع عن حصيلة حكومية تواجه انتقادات متزايدة وسط الرأي العام، بقدر ما تعكس تحولا في طبيعة المرحلة السياسية التي دخلها المغرب مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026.
فالرجل الذي راجت بشأنه، خلال الأشهر الأخيرة، ادعاءات حول انسحاب صامت من الواجهة الحزبية، بعدما جرى تعويضه بمحمد شوكي على رأس حزب الأحرار، عاد هذه المرة بخطاب سياسي مباشر، يجمع بين الدفاع والهجوم في الآن نفسه: دفاع عن حصيلة حكومية مثقلة بالجدل الاجتماعي والسياسي، وهجوم ضمني على خصومه السياسيين، وفي مقدمتهم حزب العدالة والتنمية وقيادته الحالية ممثلة في عبد الإله بنكيران.
وفي العمق، لا يتعلق الأمر فقط بعودة رئيس حكومة للدفاع عن حصيلته في مواجهة المعارضة، بل بعودة فاعل سياسي يبدو أنه أدرك أن الصمت أو التواري لم يعد ممكنا في ظل تصاعد منسوب الاستقطاب السياسي والاجتماعي.
فمنذ عودته إلى قيادة “البيجيدي”، نجح بنكيران تدريجيا في إعادة بناء حضوره داخل المشهد السياسي من خلال خطاب هجومي يستثمر في نتائج حصيلة حكومة أخنوش، خصوصا تضارب المصالح والغلاء وتدهور القدرة الشرائية وتراجع الثقة في الأداء الحكومي، كما يركز على تفكيك الصورة الرمزية لعزيز أخنوش، ليس فقط باعتباره رئيسا للحكومة، بل باعتباره أيضا تجسيدا لـ”زواج” السلطة السياسية بالمال والنفوذ الاقتصادي.
لذلك، فإن جزءا مهما من الصراع الجاري اليوم، لا يتعلّق بالسياسات الحكومية ونتائجها فقط، وإنما يدور حول المعاني والرمزيات التي يمثلها كل طرف داخل المخيال السياسي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يبدو الفيديو الأخير لأخنوش أقرب إلى إعلان دخول مبكر في معركة انتخابية بدأت ملامحها تتشكل قبل موعدها الرسمي بوقت طويل. فالرجل لم يظهر بصفة التقني أو رجل التدبير الذي يكتفي بشرح المؤشرات والأرقام، بل بصفة الزعيم السياسي الذي يحاول استعادة المبادرة في مواجهة خصومه الذين نجحوا، خلال الأشهر الماضية، في فرض إيقاعهم على النقاش العمومي.
لذلك، حمل خطابه أكثر من رسالة في الآن نفسه: طمأنة قواعد حزب التجمع الوطني للأحرار، والتأكيد على أنه ما يزال الفاعل المركزي داخل الحزب رغم مغادرته الرسمية للقيادة، والدفاع عن اختيارات الحكومة باعتبارها إصلاحات صعبة فرضتها التحولات الدولية والأزمات المتلاحقة، ثم مواجهة السردية التي يشتغل عليها حزب العدالة والتنمية والقائمة على تحميل أخنوش المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تضارب المصالح والغلاء و”الفراقشية” وتنامي الإحباط الاجتماعي.
كما تكشف هذه العودة عن تحول أعمق في طبيعة التنافس السياسي بالمغرب. فإذا كانت انتخابات 2021 قد أفرزت تفوقا انتخابياً واضحا لحزب التجمع الوطني للأحرار مقابل انهيار غير مسبوق لحزب العدالة والتنمية، فإن السنوات اللاحقة أظهرت أن السياسة لا تُحسم فقط بنتائج صناديق الاقتراع، بل أيضا بالقدرة على إنتاج خطاب سياسي تعبوي، قائم على المواجهة والتعبئة اليومية للقواعد وللرأي العام داخل مجال عمومي متحرك.
لذلك، يبدو أن المغرب يتجه تدريجيا نحو استقطاب انتخابي جديد بين الحزب الذي تصدر انتخابات 2021 والحزب الذي حل ثامنا في الانتخابات نفسها، غير أن جوهر هذا الاستقطاب لا يرتبط فقط بالأحجام الانتخابية، بل بالمواجهة المتصاعدة بين شخصيتين سياسيتين تمثلان نموذجين مختلفين في ممارسة السياسة: عبد الإله بنكيران بخطابه السياسي التعبوي القائم على المواجهة والحضور والتعبئة اليومية، وعزيز أخنوش بخطاب التدبير والاستقرار والإنجاز المرتبط بمنطق الدولة والاستثمار والإصلاح التدريجي.
من هنا تكتسب عودة أخنوش أهميتها السياسية، لأنها لا تعني فقط عودة رئيس حكومة للدفاع عن حصيلة حكومية مثيرة للجدل، بل تعكس بداية تشكل معركة سياسية جديدة قد تعيد إلى الانتخابات المقبلة جزءا من “الحرارة” السياسية التي افتقدتها منذ انتخابات 2021.
غير أن هذه العودة تطرح، في المقابل، عدة أسئلة مركزية: ماذا قال أخنوش في “الفيديو”، وكيف يمكن قراءة مضامينه؟ وهل عاد بالفعل لقيادة الحملة الانتخابية لحزب الأحرار، أم أن تصاعد الضغوط من لدن خصومه، وخصوصاً من طرف البيجيدي، قد فرض عليه العودة إلى المواجهة المباشرة؟ وهل نحن بصدد إعادة إنتاج استقطاب سياسي جديد بين الأحرار والعدالة والتنمية، وعلى أي أساس سيتشكل هذا الاستقطاب؟

أخنوش يعود للدفاع عن نفسه
من يطلع على ّالفيديو” التواصلي المطول لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، والذي يروجه حزب التجمع الوطني للأحرار بكثافة عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي هذه الأيام، يلاحظ منذ الوهلة الأولى أن الرجل لم يكن في موقع تواصلي عادي، بل في موقع دفاعي/هجومي مركب؛ دفاع عن حصيلة حكومته في مواجهة موجة متصاعدة من الانتقادات الاجتماعية والسياسية، وهجوم ضمني على خصومه الذين يشككون في تلك الحصيلة، وعلى رأسهم حزب العدالة والتنمية وقيادته الحالية ممثلة في عبد الإله بنكيران. وكما هو الحال بالنسبة لأي رئيس حكومة سابق أو لاحق، فإن الفاعل الموجود في موقع السلطة يميل بحكم موقعه المؤسساتي إلى إبراز جوانب القوة والإنجاز في أدائه، بينما يركز خصومه على مكامن الفشل والقصور والأزمات.
لذلك، فالسجال حول الأرقام والمؤشرات في حد ذاته ليس أمرا استثنائياً، بل يدخل ضمن منطق التنافس السياسي الطبيعي حول تقييم الأداء الحكومي في علاقته بتفسير الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
غير أن أهمية هذا “الفيديو” لا تكمن فقط في مضامينه المباشرة أو في طبيعة الحصيلة التي حاول أخنوش الدفاع عنها، وإنما أساسا في دلالاته السياسية الأعمق، باعتباره مؤشرا على تحول في طبيعة تموقع رئيس الحكومة نفسه داخل المشهد السياسي، وتحول في طريقة تدبير الصراع السياسي والتواصل مع الرأي العام.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الجدل حول “فيديو” أخنوش عبر ثلاثة مستويات على الأقل:
أولا: يبدو واضحا أن لجوء أخنوش إلى مخاطبة الرأي العام عبر “فيديو” مطول لا يقتصر على شرح أرقام ومؤشرات حصيلة حكومية متنازع حولها، أو حتى توضيح اختيارات حكومية معينة ربما لن تظهر نتائجها إلا بعد سنوات، بل هي محاولة واعية لإعادة التموضع السياسي بعد مرحلة من الانكفاء النسبي.
فالرجل الذي راجت بشأنه فرضية “الطرد” من قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، واضطر إلى التنازل لصالح قيادة جديدة يمثلها محمد شوكي، بدا خلال الأشهر الماضية وكأنه يتجه نحو تقليص حضوره الحزبي المباشر والاكتفاء بدور رئيس الحكومة من موقع تقني مؤسساتي. غير أن تصاعد حدة الانتقادات الموجهة إليه شخصيا، واتساع حجم الهجوم السياسي والإعلامي على صورته، دفعاه في النهاية إلى العودة المباشرة إلى ساحة المواجهة السياسية.
لقد اختار أخنوش أخيرا أن يدافع عن نفسه بنفسه، بعدما تبين له أن أحزاب الأغلبية لا تفعل ذلك إلا بالقدر الذي يعود عليها بالنفع. كما أن القيادة الجديدة لحزب الأحرار لم تتمكن، على الأقل إلى حدود الآن، من إنتاج خطاب سياسي قادر على تعبئة القواعد الحزبية أو فرض حضور الحزب داخل النقاش العمومي بالزخم المتوقع منه.
لذلك، يبدو وكأن أخنوش اضطر إلى العودة بنفسه إلى واجهة المشهد حتى لا يختزل تدريجيا في صورة رئيس حكومة منسحب أو متردد أو حتى فاقد للمبادرة السياسية.
وتزداد أهمية هذه العودة بالنظر إلى أن خصوم أخنوش نجحوا، خلال السنوات الأخيرة، في بناء صورة سياسية سلبية حوله داخل جزء مهم من الرأي العام، تربط اسمه مباشرة بالغلاء وتضارب المصالح وهيمنة رجال الأعمال على القرار الحكومي. كما جرى توظيف أوصاف ذات حمولة شعبية قوية، من قبيل “الفراقشية” و”حكومة التبزنيس”، بهدف ترسيخ صورة مفادها أن الحكومة الحالية منحازة أساساً لمصالح التجار ورجال الأعمال، أكثر من انحيازها للفئات الاجتماعية المتضررة من الأزمة الاقتصادية. وقد تعمقت هذه الصورة أكثر مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، إلى درجة أصبح معها أخنوش يمثل، في خطاب خصومه، ليس فقط رئيس حكومة، بل رمزا لنمط معين من ممارسة السلطة والسياسة والاقتصاد.
في هذا السياق، يمكن فهم “الفيديو” باعتباره محاولة لإعادة بناء الصورة السياسية لرئيس الحكومة وتقديم نفسه مجددا كرجل دولة مسؤول، قادر على الشرح والتوضيح ومواجهة الرأي العام بشكل مباشر، وليس فقط كرجل أعمال أو فاعل حكومي يشتغل بلغة الأرقام والمؤشرات.
كما أن هذا الظهور يحمل، ضمنيا، رسالة سياسية مفادها أن أخنوش مستعد لتحمل مسؤولية اختياراته، بل والدفاع عنها أمام المواطنين، بدل الاختباء وراء المؤسسات أو البلاغات الصحفية الجافة.
والأهم من ذلك أن أخنوش يبدو وكأنه أدرك أخيرا أن الانتخابات المقبلة لن تحسم فقط بمنطق الأرقام والمؤشرات، مهما كانت دقيقة أو إيجابية، بل تحتاج أيضا إلى سردية سياسية مؤطرة تمنح تلك الأرقام معنى سياسيا واجتماعيا قابلا للتسويق والتعبئة.
وهنا تحديدا تظهر المقارنة مع شخصيات سياسية أخرى، مثل عبد الإله بنكيران، الذي يمتلك خبرة كبيرة في تحويل الوقائع الاجتماعية والأزمات الاقتصادية إلى خطابات سياسية ذات تأثير عاطفي ورمزي قوي.

لم تعد لغة الإنجاز كافية
يكشف مضمون “الفيديو”، في المستوى الثاني من التحليل الذي تتبناه هذه الورقة، عن تحول مهم في طبيعة الخطاب السياسي لأخنوش. ففي بداية الولاية الحكومية، كان خطاب رئيس الحكومة يقوم أساسا على منطق الإنجاز التقني والتدبير المؤسساتي، أي على لغة الأرقام والمؤشرات والمشاريع الكبرى، في ما يشبه خطابا تكنوقراطيا، وإن كان يستعين باللغة الدارجة أحيانا، يفترض أن شرعية الحكومة تبنى انطلاقا من النتائج المحققة في الواقع.
غير أن “الفيديو” الأخير أظهر انتقالا واضحا من خطاب الإنجاز إلى خطاب التبرير السياسي، وهو تحول يعكس إدراكا متزايدا بأن الأرقام وحدها لا تكفي لإقناع الرأي العام في سياق اجتماعي متوتر ومشحون بالغضب والإحباط الاجتماعي نتيجة الغلاء والهشاشة الاجتماعية.
فأخنوش لم يكتف بالقول إن حكومته أنجزت مشاريع وإصلاحات كبرى، بل سعى إلى تأطير الولاية الحكومية برمتها باعتبارها مرحلة أزمات استثنائية. لذلك استحضر الحرب الروسية الأوكرانية، والتضخم العالمي، والجفاف، وارتفاع كلفة الإصلاحات الاجتماعية، ومحدودية الموارد المالية، وغيرها من العوامل التي حاول تقديمها بوصفها سياقا ضاغطا يفسر جزءا كبيرا من الصعوبات التي واجهتها الحكومة. ومن خلال هذا التأطير، انتقل أخنوش عمليا من الجواب على سؤال خصومه، أي: هل نجحت الحكومة في تنفيذ وعودها؟، إلى طرح سؤال آخر مختلف تماما وهو: كيف كان يمكن أن يصبح الوضع بدون أخنوش وحكومته؟
لقد لجأ أخنوش إلى تقنية سياسية معروفة في أدبيات التواصل السياسي وإدارة الأزمات، تقوم على نقل النقاش من معيار تحقيق الوعود الانتخابية إلى معيار القدرة على تدبير الأزمات وتقليص الخسائر.
فبدل أن تتم محاسبة الحكومة على الفجوة بين الوعود والنتائج المحققة، يصبح المطلوب تقييم مدى قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في ظرفية دولية مأزومة. ومن هنا نفهم لماذا ركز أخنوش بشكل واضح على ملفات ذات حمولة اجتماعية وانتخابية قوية، مثل تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم المباشر، وتحسين الأجور، والاستثمار في الصحة والتعليم، والبنيات التحتية، والمشاريع الكبرى المرتبطة بكأس العالم 2030.
وبهذا المعنى، حاول “الفيديو” بناء سردية سياسية متماسكة مفادها أن الحكومة الحالية ليست حكومة شعارات أو خطابات شعبوية، بل حكومة إصلاحات حقيقية، كونها اختارت اتخاذ قرارات صعبة قد لا تكون شعبية في المدى القصير، لكنها ضرورية لضمان الاستقرار والتنمية على المدى المتوسط والبعيد.
وهي، في العمق، رسالة سياسية موجهة بالأساس إلى خصومه، وخاصة حزب العدالة والتنمية، الذي يبني جزءا مهما من خطابه على نقد ما يعتبره فشلا حكوميا وانفصالا عن الواقع الاجتماعي.
على مستوى أعمق، لم يكن “الفيديو” مجرد محاولة للدفاع عن حصيلة، بل بدا محاولة لنقل النقاش من تقييم الوعود الحكومية إلى بناء مواجهة سياسية بين مشروعين وخطابين مختلفين. وهنا يظهر بوضوح حجم الضغط الذي يمارسه بنكيران وحزب العدالة والتنمية على أخنوش وفريقه، إذ نجحت المعارضة، خلال الأشهر الأخيرة، في دفع النقاش العمومي نحو مساءلة الصورة السياسية لرئيس الحكومة أكثر من مساءلة الأرقام والمؤشرات ذاتها.
فأخنوش حاول، بشكل ضمني ومتكرر، القول إن حكومته حققت إنجازات ملموسة يلمسها المواطنون في حياتهم اليومية، وإن الفئات التي استفادت من الزيادات في الأجور أو من برامج الدعم الاجتماعي لا تحتاج إلى من يشرح لها تلك الإنجازات عبر الخطابات السياسية أو المزايدات الحزبية.
ومن خلال هذا المنطق، يسعى رئيس الحكومة إلى بناء تمييز واضح بين السياسة الواقعية القائمة على الإنجاز الملموس، و”السياسة الشعبوية” القائمة على الخطابة والصدام واستثمار الغضب الاجتماعي.
غير أن هذا الخطاب يكشف، في الوقت نفسه، إدراكا متزايدا لدى أخنوش بأن الانتخابات المقبلة لن تحسم بمنطق الحصيلة الحكومية، بل أيضا بمن يملك القدرة الأكبر على تفسير الأزمة الاجتماعية وإقناع المواطنين بسرديته السياسية. فالغضب الاجتماعي المرتبط بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واتساع الغضب حول تضارب للمصالح، جعل المعركة السياسية تتحول تدريجيا من معركة حول الإنجازات إلى معركة حول السردية: من المسؤول عن الأزمة؟ ومن يملك التفسير الأكثر إقناعا؟ ومن يستطيع مخاطبة الفئات المتضررة بلغة سياسية أكثر تأثيرا ونفاذا؟
لذلك جاء “الفيديو” مطولا نسبيا ومباشرا ومشحونا برسائل سياسية تتجاوز بكثير مجرد عرض تقني للحصيلة الحكومية. فهو، في جانب منه، خطاب تعبئة داخلية موجه إلى حزب التجمع الوطني للأحرار الذي فقد الكثير من زخمه السياسي بعد مغادرة أخنوش لقيادته، خصوصا أن الرئيس الجديد ما يزال في طور بناء شرعيته الحزبية الخاصة.
كما أنه خطاب طمأنة موجه إلى القاعدة الانتخابية والنخب الاقتصادية والمؤسساتية المستفيدة من اختيارات الحكومة، والتي تحتاج بدورها إلى إشارات تؤكد قدرة الحزب على الحفاظ على موقعه في السلطة. ويشكل الفيديو في الآن نفسه، إعلان تموقع سياسي واضح في مواجهة الخصوم، وعلى رأسهم حزب العدالة والتنمية، بما يعني أن الحملة الانتخابية المقبلة بدأت فعليا، ولو بشكل غير معلن، قبل موعدها الرسمي بوقت طويل.

استقطاب انتخابي جديد
من خلال كل ما سبق، يبدو أن عزيز أخنوش اختار العودة إلى الواجهة السياسية لمواجهة خصومه من المشككين في حصيلة حكومته، فمضامين “الفيديو” تحمل في العمق مؤشرات واضحة على بداية تشكل استقطاب انتخابي جديد داخل الحقل الحزبي المغربي، عنوانه الأساسي: المواجهة بين التجمع الوطني للأحرار وحزب العدالة والتنمية.
والمفارقة السياسية هنا أن هذا الاستقطاب الانتخابي الجديد يجمع بين الحزب الذي تصدر انتخابات 2021، أي حزب التجمع الوطني للأحرار، والحزب الذي تراجع إلى المرتبة الثامنة في الانتخابات نفسها، أي حزب العدالة والتنمية.
غير أن منطق الصراع الحالي لا تحكمه فقط اختلاف القراءة حول الحصيلة الرقمية للحكومة، أو الترتيب الانتخابي بين الحزب الأول والحزب الثامن، بل تتحكم فيه أساسا قدرة كل طرف على إنتاج خطاب سياسي تعبوي قادر على التأثير في الرأي العام وتأطير المزاج الاجتماعي قبيل الانتخابات المقبلة.
لذلك، فالمواجهة الجارية والآخذة في الاتساع وحتى الاحتداد اللفظي والخطابي، لا تبدو مجرد تنافس بين حزبين جمعتهما كما فرقتهما تقلبات الحياة السياسية المغربية، بل هي في العمق مواجهة مباشرة بين شخصيتين سياسيتين تمثلان نموذجين مختلفين في فهم السياسة وممارستها: عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، المدافع عما يسمى بـ”السياسة الحية”، وعزيز أخنوش، رئيس الحكومة الحالي، الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الإنجاز والاستقرار والتدبير الناجع.
ومن الملاحظ أن هذه المواجهة تكتسي طابعا غير مسبوق نسبيا في التاريخ السياسي المغربي المعاصر، ذلك أن رؤساء الحكومات السابقين كانوا، في الغالب، يغادرون واجهة الصراع السياسي المباشر بمجرد انتهاء مسؤولياتهم الحكومية، أو يتحولون إلى فاعلين ثانويين داخل أحزابهم.
أما في حالة بنكيران، فإن الأمر مختلف؛ إذ استطاع العودة إلى المشهد السياسي بعد هزيمة حزبه سنة 2021، ونجح تدريجيا في إعادة بناء موقعه داخل المعارضة من خلال خطاب سياسي هجومي، يستثمر في نتائج السياسات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة لمواجهتها بها، خصوصا ما يتعلق بالغلاء وتدهور القدرة الشرائية وتنامي الشعور بالإحباط تجاه أداء حكومة أخنوش.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن بنكيران فرض، إلى حد بعيد، على أخنوش العودة إلى المواجهة السياسية المباشرة، بعدما ساد اعتقاد خلال الأشهر الماضية بأن إبعاده المفاجئ من قيادة حزب الأحرار قد يشكل مقدمة لانسحابه التدريجي من الواجهة السياسية، أو على الأقل لتقليص حضوره الحزبي المباشر والاكتفاء بتدبير الشأن الحكومي من موقع تقني ومؤسساتي. غير أن تصاعد خطاب بنكيران والعدالة والتنمية ضد حصيلة حكومته، جعلت هذا الخيار صعبا من الناحية السياسية والتواصلية وحتى الأخلاقية.
ويعود ذلك، في جانب أساسي منه، إلى طبيعة الخطاب السياسي الذي يتبناه بنكيران وقادة البيجيدي الآخرين في مواجهة الحكومة؛ فهم لا يركزون فقط على التشكيك في الحصيلة الحكومية، بل يستهدفون بالأساس، وخصوصا خطاب بنكيران، الصورة السياسية والرمزية لعزيز أخنوش نفسه، من خلال ربط اسم أخنوش بمجموعة من التمثلات السلبية داخل الرأي العام، من قبيل تضارب المصالح، وهيمنة المال على السياسة، و”الفراقشية”، إضافة إلى تصويره كشخصية تفتقر إلى الخبرة السياسية والحزبية العميقة، كما تقرنه بضعف التواصل مع الرأي العام المغربي.
ومن تم يُحمل، بصورة مباشرة أو ضمنية، المسؤولية السياسية والأخلاقية عن معاناة المواطنين، نتيجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
لذلك، فإن استمرار أخنوش في الصمت أو التواري خلف صفته الحكومية، بدعوى أنه لم يعد رئيسا لحزب الأحرار، قد يفسر سياسيا باعتباره ضعفا وحتى عجزا عن خوض المواجهة السياسية المباشرة. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن بنكيران نجح في جر أخنوش إلى ملعب السياسة المباشرة والحية، القائمة على المواجهة والحضور والتعبئة والتواصل المباشر مع الرأي العام، بعد مرحلة كان فيها رئيس الحكومة أخنوش يميل إلى الاكتفاء بمنطق التدبير المؤسساتي، وترويج خطاب تقني جاف كونه مرتبطا بلغة الأرقام والمؤشرات.
غير أن عودة أخنوش لا ترتبط فقط بالرغبة في مواجهة بنكيران أو الرد على المعارضة، بل تعكس أيضا حاجة متعددة الأبعاد. فمن جهة، يسعى إلى طمأنة قواعد حزب التجمع الوطني للأحرار وإعادة تعبئتها استعدادا للاستحقاقات المقبلة، خاصة بعد بروز قناعة تشير إلى تراجع في الحضور السياسي والتواصلي للحزب منذ انتخاب شوكي.
ومن جهة ثانية، يحاول منع تآكل صورته كرجل دولة مسؤول داخل دوائر القرار وفي صفوف النخب الاقتصادية والإدارية، عبر التأكيد على أنه ما يزال الفاعل المركزي داخل المشهد السياسي والحزبي، وأنه قادر على الدفاع عن حصيلة حكومته، وقيادة معسكره السياسي في مواجهة خصومه.
عموما، يبدو أن المشهد السياسي المغربي يتجه تدريجيا نحو استقطاب انتخابي ثنائي، يقوم على مواجهة بين خطابين متعارضين: خطاب أخنوش القائم على مفاهيم الإنجاز والاستقرار والاستمرارية والإصلاح التدريجي، وخطاب بنكيران الذي يركز على الفساد وتضارب المصالح والغلاء وضعف حماية المواطنين من جشع النخب الاقتصادية والمالية المهيمنة، واستعادة السياسة الحية، والإنصات إلى الفئات الاجتماعية المتضررة من سياسات الحكومة.
وقد يعيد هذا الاستقطاب إلى الانتخابات التشريعية المقبلة جزءا من الدينامية السياسية والتعبئة الانتخابية التي خفتت نسبيا منذ انتخابات 2021، لكنه يحمل في المقابل مخاطر واضحة تتمثل في تعميق شخصنة الصراع السياسي وتحويل النقاش العمومي إلى مواجهة رمزية بين أخنوش وبنكيران، بدل أن ينصب أساسا على التنافس حول البرامج والنقاش العميق حول البدائل والسياسات العمومية القادرة على مواجهة تحديات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالمغرب.