story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حوادث |

16 قتيلا في أقل من 5 أشهر.. المباني الآيلة للسقوط تواصل حصد الأرواح بالمغرب

ص ص

لم يعد خبر انهيار منزل أو بناية سكنية في المغرب حدثا استثنائيا كما كان في السابق، حيث تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى مشهد متكرر انتقل بين مدن مختلفة، مخلفا قتلى وجرحى وخسائر مادية، ومعيدا إلى الواجهة ملفا عمرانيا واجتماعيا ظل لسنوات ضمن أكثر الملفات تعقيدا، و يتعلق الأمر بالبنايات الآيلة للسقوط وكيفية تدبير مخاطرها قبل أن تتحول إلى مآس إنسانية.

ومع انهيار عمارة سكنية بحي حنان الجرندي بمنطقة عين النقبي بمدينة فاس، اليوم الخميس 21 ماي 2026، وارتفاع الحصيلة المؤقتة إلى ثمانية قتلى وعدد من المصابين مصابين، عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، خصوصا أن الحادث يأتي ضمن سلسلة من الانهيارات التي شهدتها مدن مغربية مختلفة خلال الأشهر القليلة الماضية.

وتكشف حصيلة هذه الحوادث عن سقوط 16 قتيلا وإصابة ما لا يقل عن 14 شخصا في انهيارات متفرقة شهدتها فاس والرباط وتطوان والدار البيضاء والصويرة وبني ملال، فيما سجلت آسفي بدورها انهيارا لم يخلف ضحايا، الأمر الذي يعكس اتساع رقعة الظاهرة وتعدد السياقات التي تقع فيها.

حوادث متكررة

ويكتسي حادث فاس الأخير أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الخسائر البشرية التي خلفها، حيث تشير المعطيات الأولية إلى أن ما بين 15 و20 شخصا كانوا داخل العمارة لحظة انهيارها، بينما تواصل فرق الوقاية المدنية عمليات البحث والتمشيط وسط ظروف ميدانية معقدة بسبب تموقع البناية وسط حي مكتظ تحيط به عمارات أخرى.

ولم تكن هذه المرة هي الأولى التي تعيش فيها العاصمة العلمية على وقع انهيار بنايات مهددة بالسقوط، بل سبقتها حالات مماثلة، ففي يناير الماضي انهارت بنايتان بكل من حي الرميلة وعين الدريسي، وهما بنايتان كانتا مصنفتين ضمن المباني الآيلة للسقوط، غير أن صدور قرارات بالإفراغ في وقت سابق حال دون وقوع خسائر بشرية، باستثناء إصابة سيدة بجروح متفاوتة الخطورة.

وفي الرباط، شهد حي العكاري خلال نونبر الماضي انهيار منزلين سكنيين خلفا وفاة شخصين وإصابة أربعة آخرين، في حادث أعاد تسليط الضوء على واقع عدد من المساكن القديمة المنتشرة بالأحياء الشعبية للعاصمة، والتي تعاني بعضها من هشاشة بنيوية تجعلها عرضة للانهيار في أي لحظة.

أما بمدينة تطوان، فقد تحولت ساعات الفجر الأولى من يوم 18 أبريل الماضي إلى مأساة إنسانية بعدما أدى انهيار جزئي لبناية سكنية داخل المدينة العتيقة إلى مصرع طفلين كانا يعيشان ضمن خمس أسر تقطن المبنى نفسه، الذي كان يضم أحد عشر شخصا.

وخلف الحادث حالة من الصدمة وسط الساكنة المحلية، خصوصا أن الضحيتين (طفل وطفلة) لم يتجاوزا العاشرة والثامنة من العمر، فيما استنفرت السلطات المحلية مختلف مصالحها لتأمين المكان ومباشرة عمليات البحث والإنقاذ حينها.

وفي الدار البيضاء، تتواصل المنازل المتقادمة في الانهيار، بعدما أدى انهيار جزئي لمنزل متهالك خلال شهر يناير الماضي إلى وفاة سيدة مسنة وإصابة زوجها بجروح وكسور وصفت بالخطيرة، في واقعة أعادت إلى الأذهان حوادث مشابهة شهدتها العاصمة الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.

وتكتسي هذه الحوادث بالدار البيضاء حساسية خاصة بالنظر إلى العدد الكبير من المباني القديمة المنتشرة بعدد من الأحياء، والتي تتجدد بشأنها المخاوف مع كل موسم أمطار بسبب تأثير الرطوبة والتسربات المائية على بنيتها الإنشائية.

وبالمدينة العتيقة للصويرة، خلف انهيار منزل بحي الملاح مطلع يناير الماضي وفاة سيدة ورضيعها البالغ من العمر أربعة أشهر، إلى جانب إصابة شخص آخر، في واحدة من أكثر الوقائع إيلاما خلال السنة الجارية.

وجاء الحادث حينها في سياق تساقطات مطرية مهمة شهدتها المدينة، حيث أثارت الواقعة مخاوف من وضعية عدد من المباني القديمة التي تأثرت بالأمطار وتشبعت جدرانها بالمياه.

وامتدت سلسلة الانهيارات إلى مدينة بني ملال، حيث أدى انهيار منزل، يوم الأربعاء 07 يناير 2026، إلى مصرع رجل مسن، في حادث رجحت المعطيات الأولية ارتباطه بالتساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها المنطقة، ما أعاد إلى الواجهة تأثير العوامل المناخية على سلامة المباني الهشة أو المتضررة بنيويا.

ولم تسلم مدينة آسفي هي الأخرى من مثل هذه الحواث في الشهور الأخيرة، إثر انهيار منزل بحي بياضة خلال شهر يناير الماضي. وبالرغم من أن الحادث لم يسجل خسائر بشرية فإنه أثار حالة من الهلع وسط السكان، خاصة أنه جاء بعد فترة قصيرة من اضطرابات جوية وفيضانات عرفتها المدينة، وأعاد بدوره النقاش حول هشاشة بعض البنايات السكنية.

قواسم مشتركة

وإذا كانت تفاصيل هذه الوقائع تختلف من مدينة إلى أخرى، فإنها تلتقي عند مجموعة من القواسم المشتركة، أبرزها تقادم البنايات، وضعف الصيانة، ووجود عدد من المباني داخل عدد من الأحياء الشعبية التي تعرف كثافة سكانية مرتفعة، وهو ما يضاعف من حجم المخاطر عند وقوع أي انهيار.

كما تكشف هذه الحوادث أن التساقطات المطرية غالبا ما تتحول إلى عامل كاشف لهشاشة موجودة سلفا، أكثر من كونها سببا وحيدا للانهيار، إذ أن معظم المباني التي انهارت كانت من الأصل تعاني تدهورا بنيويا أو كانت مصنفة ضمن المباني المهددة بالسقوط.

وفي المقابل، أظهرت بعض الوقائع أن التدخلات الاستباقية يمكن أن تحد من الخسائر بشكل كبير، بحيث أنه في فاس مثلا، ساهمت قرارات الإفراغ التي صدرت في حق سكان بعض البنايات المهددة بالانهيار في تفادي سقوط ضحايا عندما انهارت تلك المباني لاحقا.

ويزيد من تعقيد الوضع وجود عدد كبير من هذه البنايات داخل المدن العتيقة والمراكز الحضرية القديمة، حيث تفرض طبيعة النسيج العمراني وصعوبات إعادة الإيواء تحديات إضافية أمام تنفيذ حلول سريعة وشاملة.

جهود لمعالجة الظاهرة

وفي مقابل تكرار هذه الحوادث، تراهن السلطات العمومية على البرنامج الوطني الخاص بالمباني الآيلة للسقوط باعتباره الآلية الرئيسية لمواجهة الظاهرة وتفعيل مقتضيات القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للانهيار وتنظيم عمليات التجديد الحضري.

وفي هذا الإطار، تتولى الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط تنزيل برنامج عمل يقوم، وفق المعطيات الرسمية، “على اعتماد مقاربة استباقية ووقائية وتشاركية، تروم الانتقال من التدخل بعد وقوع الخطر إلى رصد البنايات المهددة ومعالجتها قبل تحولها إلى مصدر تهديد للسكان”.

ويرتكز التدخل العمومي على مجموعة من الإجراءات المباشرة، “تشمل تدعيم وتقوية البنايات المهددة بالانهيار، وإعادة إسكان أو إيواء الأسر المتضررة من عمليات الهدم، فضلا عن تقديم مساعدات مالية للأسر المعنية”.

“كما يشمل تدخلات غير مباشرة مرتبطة بتحسين البنية التحتية للأحياء المعنية، من خلال تأهيل شبكات التطهير السائل، ومعالجة مخاطر الفيضانات وانجراف التربة، وتطوير الفضاءات العمرانية المحيطة”.

وتحظى المدن العتيقة بحيز مهم ضمن هذه البرامج، بالنظر إلى كونها تضم جزءا كبيرا من النسيج العمراني الأكثر هشاشة، “حيث يجري العمل على مشاريع للتجديد الحضري تروم المحافظة على الطابع المعماري والتاريخي لهذه المجالات، مع تحسين شروط السلامة والسكن بها”.

وكانت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، قد أكدت أمام البرلمان أن الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط وضعت برنامجا يمتد بين سنتي 2022 و2026، يهدف إلى تشخيص وتصنيف المباني المهددة بالانهيار على مستوى مختلف جهات المملكة، مشيرة إلى “انطلاق تنزيله بعدد من المدن، من بينها الدار البيضاء والرباط وسلا وفاس والصويرة وتطوان ومراكش”.

غير أن توالي حوادث الانهيار في عدد من المدن خلال الأشهر الأخيرة يعيد طرح التساؤلات حول مدى سرعة تنزيل هذه البرامج وفعاليتها الميدانية، خاصة في الأحياء التي ما تزال تضم بنايات متقادمة ومهددة بالانهيار، وفي ظل استمرار تسجيل ضحايا جدد رغم الجهود المعلنة لمعالجة الظاهرة.