تطورات دوار “حقل الرماية”.. كيف تحول هدم 4 مباني إلى فوضى ومواجهات عنيفة؟
تحولت محاولة السلطات المحلية لهدم أربعة مباني في دوار “حقل الرماية” بمنطقة عين برجة بالدار البيضاء إلى ساحة للمواجهات العنيفة، يوم أمس الثلاثاء 7 أبريل 2026، بين الساكنة والقوات العمومية؛ فبينما كانت الجرافات تستعد لتنفيذ القرار، سادت حالة من الفوضى والرفض القاطع من طرف القاطنين، مما أدى إلى اصطدامات مباشرة عكست حجم الاحتقان الذي يعيشه الدوار.
نقلت مصادر محلية من الساكنة لصحيفة “صوت المغرب” حالة الذهول التي سادت المنطقة، حيث فوجئ السكان بحجم القوات العمومية التي حلت بالدوار لتنفيذ هدم أربعة مباني فقط.
أثار هذا الإنزال الأمني المكثف تساؤلات متعددة من طرف الساكنة، حول ما إذا كانت السلطات ستكتفي بهدم أربعة مبان فقط لأنها توصلت بتوافقات مع أصحابها، أم ستشمل مبان أخرى.
ارتباط تاريخي
يعود تمسك الساكنة بالأرض إلى خلفيتهم الاجتماعية، حيث أكد المتحدث وهو أحد الساكنة لصحيفة “صوت المغرب”، أن جل القاطنين ينتمون لعائلات عسكرية، وأن آباءهم كانوا يعملون في صفوف الجيش.
ويرى السكان أن هذه الأرض هي في الأصل “أرض عسكرية” منحتها لهم المؤسسة العسكرية تاريخيا، وهو ما يجعلهم يرفضون أي قرار بالإخلاء لا يمر عبر قنواتهم الرسمية.
تفيد المعطيات أن هذه الأرض كانت تستخدم كـ “حقل للرماية” منذ سنة 1936، وهي تابعة للمؤسسة العسكرية، ورغم إقرار الساكنة بأن المنطقة تفتقر لتصميم تهيئة رسمي، إلا أنها تتوفر على الربط بالماء والكهرباء، ويقطن بها ما بين 300 و400 شخص، مما يجعلها تجمعاً سكنياً قائماً بذاته منذ عقود.
يشدد السكان، بحسب المتحدث نفسه، على رفضهم القاطع لمغادرة المنطقة، معتبرين أن المؤسسة العسكرية هي الجهة الوحيدة التي منحتهم حق السكن، وبالتالي فهي الجهة المسؤولة عن إيجاد حل بديل أو تسوية لوضعيتهم، مبرزا أن أي تدخل من السلطات المحلية دون التنسيق مع المؤسسة الوصية هو “قفز” على حقوقهم المكتسبة.
في خطوة تصعيدية وبحثا عن وساطة، انتقل عدد من سكان الدوار إلى الحامية العسكرية بمدينة الدار البيضاء، اليوم الأربعاء 08 أبريل 2026، بهدف لقاء المسؤولين العسكريين ووضع الملف بين أيديهم.
مقاربة تشاركية
إلى جانب ذلك، يرى المتتبعون أن هذا الوضع هو نتيجة حتمية لتغييب المقاربة التشاركية وعدم تقديم ضمانات واقعية أو تعويضات منصفة تتماشى مع الدستور والمعايير الدولية.
وأوضح إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن المواجهات العنيفة التي شهدها “دوار حقل الرماية” بالدار البيضاء ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة حتمية لغياب للضمانات الواقعية في تدبير ملف السكن؛ وهو ما يولد احتقانا اجتماعيا يهدد بالانفجار عند أي احتكاك ميداني.
وشدد السدراوي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” على أن مطالب الساكنة تكتسي شرعية كاملة يستمدها المواطن من الفصل 31 للدستور الذي يضمن الحق في السكن اللائق، إضافة إلى المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تلزم الدول بتوفير مستوى معيشي كافٍ يضمن كرامة الإنسان.
كما انتقد المتحدث غياب المقاربة التشاركية ووضوح المعايير في عمليات إعادة الإسكان، مبرزا أن الأمم المتحدة تفرض شروطا صارمة قانونيا وأخلاقيا قبل أي إخلاء، تتجلى في التشاور المسبق، والتعويض المنصف، والحرص التام على عدم المساس بالكرامة الإنسانية للساكنة.
واعتبر رئيس الرابطة أن “ما وقع يعكس فشل قنوات التواصل المؤسساتي وتهميش الساكنة في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبلهم”، مما عمق الشعور بـ “الحيف” وحوّل المطالب الاجتماعية السلمية إلى مواجهات ميدانية مؤسفة بسبب ضبابية المساطر والضمانات الممنوحة.
في سياق متصل، أكد السدراوي على انحياز الرابطة لشرعية المطالب الاجتماعية مع الرفض القاطع لكافة أشكال العنف من أي جهة كانت، مشيرا إلى أن “الاعتماد على المقاربة الأمنية كحل وحيد لا يمكن أن ينتج استقرارا مستداما أو يعالج جذور الأزمات الاجتماعية المعقدة”.
وعرفت منطقة عين البرجة بالدار البيضاء، صباح أمس الثلاثاء 7 أبريل 2026، اشتباكات عنيفة بين عدد من سكان دوار حقل الرماية، بتراب مقاطعة الصخور السوداء، وبين عناصر القوات المساعدة مدعومة بممثلي السلطات المحلية.
وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة على خلفية مباشرة السلطات بالمدينة ا لتنفيذ قرار الهدم، وذلك في إطار ما تصفه السلطات “بمحاربة البناء العشوائي”.
غير أن هذه العملية، سرعان ما تحولت إلى مواجهات واشتباكات عنيفة بين الساكنة ورجال السلطة، بعدما لجأ المحتجون إلى رشق القوات العمومية بالحجارة، تعبيرا عن رفضهم لمغادرة منازلهم، مما خلق حالة من التوتر والفوضى.
ورفع المحتجون شعارات غاضبة تعكس حجم الاحتقان، من قبيل “هذا عار.. دوار العسكر في خطر”، تعبيرا عن رفضهم لمغادرة مساكنهم.
وقد أسفرت هذه المواجهات عن تسجيل إصابات متفاوتة الخطورة في صفوف رجال السلطة وعناصر القوات المساعدة، الذين فوجئوا بمقاومة شرسة من طرف الساكنة الغاضبة أثناء محاولة تنفيذ قرار الهدم.
ويضم دوار العسكر شريحة واسعة من متقاعدي القوات المسلحة الملكية وعائلاتهم، الذين قضوا سنوات في هذه المساكن، مما يجعل الأسر غير مستعدة لقبول قرار الترحيل والهدم.
وفي غضون ذلك، باشرت المصالح الأمنية سلسلة من التوقيفات في حق عدد من المحتجين المشتبه في تورطهم في أعمال الشغب ورشق القوات العمومية بالحجارة.
وقد تم اقتياد الموقوفين إلى مقر الدائرة الأمنية بالمنطقة، من أجل فتح تحقيق قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية.