جدل سياسي واقتصادي بعد زيادة أسعار المحروقات في المغرب
تشهد أسعار المحروقات في المغرب موجة جديدة من الارتفاع، بعد زيادة بلغت نحو درهمين في اللتر بالنسبة لمادة الغازوال، ما أعاد الجدل حول تدبير هذا القطاع وتأثيره المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وبينما يبرر الفاعلون في السوق هذه الزيادات بتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية والاضطرابات الجيوسياسية، تتصاعد انتقادات سياسية واقتصادية للحكومة بسبب ما يُعتبر غياباً لإجراءات استباقية تحد من انعكاسات هذه الزيادات على القدرة الشرائية للمستهلكين.
في هذا الصدد، أكد عبد العزيز أفتاتي، القيادي بحزب العدالة والتنمية والنائب البرلماني السابق، أن اللجوء مجددًا لشفط جيوب المواطنين بالاستثمار في كارثة الحرب، “بالتواطؤ على زيادات غير مبررة، هو مسلك الكارطيلات منذ مدة، مما يؤكد مسار خمس سنوات تقريبًا، بحيث لا تتاح لهم أدنى فرصة إلا واستغلوها ببشاعة”.
وأضاف أفتاتي قائلا: “وإلا ما الذي يمنع من ‘تقليد’ بعض الجيران، الذين التزمت حكومتهم بحماية مواطنيها من أي مضاعفات لهذه الحرب/العدوان، والتزمت أمامهم بوضع كل الإمكانات والتدابير اللازمة لذلك، ومنها إسبانيا مثلاً”.
واسترسل: “وما الذي يمنع من ‘تقليد’ فرنسا، الدولة التي استبقت الأزمة، بالقيام بمئات عمليات المراقبة لأي زيادة غير مشروعة أو مضاربة أو تلاعب واستغلال ظروف الحرب بالنسبة لمحطات بيع المحروقات، كما قامت بفتح نقاش واسع مع الفاعلين في منظومة المحروقات استباقيًا دائمًا، مما كانت له نتائج إيجابية”.
كما تساءل أفتاتي عما يمنع رئيس الحكومة استباقيًا من تسقيف أسعار المحروقات في هذه الظرفية الحرجة، والتي قد تشهد تناسلاً مطردًا للزيادات في باقي المواد، بحكم أن المحروقات من المدخلات الأساسية في الإنتاج والنقل، وبخاصة مع استحضار كابوس ومسار التضخم والغلاء لما بعد 2022.
وزاد متسائلا: “وما الذي يمنعه أيضًا من فتح الإعلام والنقاش العمومي على مدار اليوم، كما تفعل الحكومات التي تحترم مواطنيها، وإشراك المؤسسات الرسمية ورجال الأعمال والنقابات والجمعيات والمختصين والصحافة والأحزاب والبرلمان، ليكون الجميع في الصورة كاملة غير منقوصة؟”
وعليه، يشدد أفتاتي على أن “سكوت رئيس الحكومة المشبوه، هو هو ووزراء حكومته وأحزاب تحالفه، يجسد مأزق السلطوية المقترنة بالفساد، ومؤشر جديد على وجود معضلة سياسية بامتياز، وفراغ مؤسساتي فظيع من جهة الحكومة المزعومة تحديدًا”، مما يترك الباب مشرعًا للمضاربة في قوت المواطنين، في انتظار تدخل الدولة، كما سبق في أمور: القطيع والتهيئة للانتخابات وإعداد ما يسمى الجيل الجديد لبرامج التنمية وتدارك الفوارق، والحلول محلها لتفادي اشتعال الاحتجاجات المجالية والاجتماعية.
تساؤلات مشروعة
وأكد الفاعل السياسي أن الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات، والتي انضافت إلى الزيادات المطردة في مواد الاستهلاك، خاصة في رمضان، تطرح العديد من الأسئلة على عدد من المستويات. “وأولها يتعلق بعلاقة زيادات اليوم المفبركة في الكازوال والبنزين، بزيادة تناهز 18 في المائة، بمسار دخول المحروقات إلى المغرب خلال الستة عشر يومًا الأخيرة”، أي منذ بداية العدوان الهمجي على إيران، وما الكميات التي استوردت وتأثرت بمضاعفات الحرب، بالنظر إلى أسعار الاقتناء والتأمين والنقل والتخزين وكذا أسعار الصرف وما شابه من عوامل.
وأردف أن المستوى الثاني من التساؤلات يتعلق بعلاقة هذه الزيادات “المفبركة” بترويج المخزون الموجود أصلًا، وما حجم هذا المخزون الموجود وما متوسط مدة نفاده قبل اللجوء الاضطراري إلى تموين السوق الداخلي بالمحروقات المستوردة والمرتبطة بمضاعفات الحرب الجارية والعدوان على إيران.
وتابع أفتاتي، أن المستوى الثالث من الأسئلة حول التدابير المتخذة وطنيا لمواجهة مضاعفات هذه الحرب، وتحديدا على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين، والتي لا يعرف أحدا متى تتوقف الحرب وبالتبع متى تتعافى أسواق المحروقات من الارتباك وكذا المضاربة في هذا الارتباك.
أما المستوى الثالث، يضيف المصدر، فيتعلق بالتدابير المتخذة وطنيًا لمواجهة مضاعفات هذه الحرب، وتحديدًا على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين، في ظل غموض مدة استمرار الحرب، وبالتالي عدم وضوح موعد تعافي أسواق المحروقات من الارتباك والمضاربة الناتجة عنه.
معضلة سياسية
ويرى عبد العزيز أفتاتي أنه، “في شروطنا الحالية المؤطرة، أمام معضلة سياسية في الأصل انطلقت بعد انتكاسة شتنبر 2021″، مع ما وصفه “بالهندسة من فوق واستعمال المال بشكل غير مسبوق على الأرض، والتي جاءت بهذه الحكومة”.
ومع هذا النكوص الرهيب، يضيف القيادي بحزب “المصباح”، انطلق مسار غلاء ماحق وبدون كوابح، وما يزال مستمرًا إلى يوم الناس هذا، وذلك لسببين رئيسيين يتمثل أولهما في تربع وتصدر ما سماه “كارطيل الكمبرادور لهذا الغلاء المهول، باعتباره متسببًا فيه ومنتجًا له، وكذا مستفيدًا منه بشكل كبير”.
أما السبب الثاني، وفق أفتاتي، فيكمن في “عجز رئيس الحكومة”، الذي وصفه “برئيس نقابة الشفط”، عن القيام بأدنى إجراء لمواجهة الغلاء، باعتباره متورطًا فيه، وباعتبار أن باقي فرقاء ما وصفه “بكارثة الغلاء يملكون معطيات ومؤشرات حول تورط كبيرهم في الاغتناء الفاحش من الغلاء”.
وخلص أفتاتي إلى أن الجميع يعلم أن التضخم، أي الغلاء، أصبح “مستوعبًا” و”مستنبتًا” بشكل هيكلي ومستدام ضمن الأسعار عمومًا، وهذا باعترافهم وتأكيدهم واستسلامهم، وتسليمهم بأن أسعار ما قبل 2021 ولت وبدون رجعة، للأسباب أعلاه طبعا.
هدية عيد مسمومة
من جانبه، اعتبر المحلل الاقتصادي سمير شوقي أن الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات تمثل، بحسب تعبيره، “هدية عيد مسمومة”، متهماً الحكومة “بالتواطؤ مع موزعي المحروقات عبر السماح برفع سعر الكازوال بأزيد من 18 في المائة دفعة واحدة”.
وتساءل شوقي، في تدوينة على حسابه السخصي بموقع “فايسبوك”، عن سبب عدم تدخل الحكومة لإلزام شركات التوزيع باستعمال المخزون الاستراتيجي من المحروقات إلى حين اتضاح اتجاه الأسعار في الأسواق العالمية، بدل تمرير الزيادة مباشرة إلى المستهلكين.
وأشار شوقي إلى أن وزيرة الانتقال الطاقي والمعادن كانت قد صرحت قبل أيام بأن الوزارة تحث الموزعين على تفعيل المخزون الاستراتيجي لتفادي زيادات كبيرة في الأسعار، غير أن الزيادة الأخيرة، بحسبه، تُكذّب تلك التصريحات وتطرح تساؤلات حول جدية الإجراءات الحكومية في هذا المجال.
وأوضح المحلل الاقتصادي أن شركات توزيع المحروقات في المغرب ملزمة، بموجب القانون رقم 009/71 الصادر سنة 1971، بتكوين مخزون استراتيجي يعادل 60 يوماً من الاستهلاك بالنسبة لمختلف أنواع المحروقات، بما فيها الكازوال والبنزين وغاز البوتان والكيروزين والبروبان.
غير أنه أشار إلى أن المعطيات المتوفرة تفيد بأن هذه الشركات لا تلتزم عملياً بهذا المقتضى، إذ تعترف الوزارة الوصية نفسها بأن متوسط المخزون المتوفر لا يتجاوز في الغالب 30 يوماً بدل 60 يوماً المنصوص عليها قانوناً.
كما أشار شوقي إلى أن حكومة عبد الإله ابن كيران كانت قد أقرت سنة 2016، عقب رفع الدعم عن المحروقات، مجموعة من آليات الرقابة والتنظيم لضمان شفافية القطاع، “من بينها إلزام الموزعين بتكوين مخزون لا يقل عن 60 يوماً، ونشر معطيات دورية حول مستويات التخزين، وإخضاع المخزون لعمليات تدقيق من طرف خبراء مختصين مع مدّ السلطات المعنية بالبيانات اللازمة، إضافة إلى التنصيص على سحب رخصة الاستغلال من الشركات التي لا تحترم هذه الالتزامات”.
وتساءل المتحدث عما إذا كانت الحكومة الحالية قد فعّلت فعلياً هذه الإجراءات، مبرزاً أن النقاش يزداد تعقيداً في ظل كون رئيس الحكومة رجل أعمال يملك شركة كبرى في مجال المحروقات، وهو ما يثير، بحسبه، إشكالية تضارب المصالح في تدبير هذا القطاع الحيوي.
كما طرح شوقي تساؤلات حول الإجراءات التي يمكن للحكومة اتخاذها للتخفيف من آثار الزيادة على القدرة الشرائية للمواطنين، من قبيل خفض بعض الضرائب المرتبطة بتوزيع المحروقات، أو اتخاذ تدابير للحد من موجة التضخم التي قد تنتج عن ارتفاع تكاليف النقل، إضافة إلى ضبط المضاربات التي قد تدفع أسعار مواد أخرى إلى الارتفاع بدعوى زيادة كلفة النقل.
وختم المحلل الاقتصادي تدوينته بالقول إن الزيادة الأخيرة التي قاربت درهمين دفعة واحدة في سعر الكازوال تعكس، في نظره، “عجز الحكومة وأحزاب أغلبيتها عن معالجة ملف المحروقات”، محمّلاً المسؤولية السياسية ليس فقط لرئيس الحكومة، بل أيضاً لبقية مكونات الأغلبية الحكومية التي تدعم هذه السياسات داخل البرلمان وتتحمل تبعاتها على القدرة الشرائية والسلم الاجتماعي .