story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

“قانون فينيسيوس”.. تشريعات الفيفا الصارمة للحد من عنصرية الملاعب

ص ص

خلال الأسبوعين الماضيين، لم تمر مباريات كرة القدم في أوروبا في تفاصيلها التنافسية العادية، بل خرجت إثنتان منها عن طابعهما الرياضي، لتشهد استعمال بروتوكول محاربة العنصرية، بشكل أعاد النقاش مرة أخرى إلى الواجهة، لكن بقوة أكبر من كل المرات السابقة التي حدثت فيها حالات عنصرية في ملاعب كرة القدم.

حادثتان بارزتان تصدرتا عناوين الصحف والمواقع الإخبارية العالمية، الأولى بين البرازيلي فينيسيوس جونيور والأرجنتيني جيانلوكا بريستياني في دوري أبطال أوروبا خلال المباراة التي جمعت بنيفيكا البرتغالي وريال مدريد الإسباني، والثانية بين الإسباني رافا مير والمغربي عمر الهلالي في الدوري الإسباني لكرة القدم “الليغا”.

وبينما لا تزال التحقيقات جارية على مستوى الإتحاد الأوروبي لكرة القدم “ويفا” وعصبة الدوري الإسباني، بدا أن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، جياني إنفانتينو، قرر ألا يترك الباب مواربًا هذه المرة، ودخل على الخط مقترحًا إجراءً تنظيميًا غير مسبوق صار يعرف إعلاميا باسم “قانون فينيسيوس”.

عنصرية في ملعب النور

تعود الحادثة الأولى إلى 17 فبراير 2026، خلال مباراة ذهاب دور الـ32 من دوري أبطال أوروبا بين بنفيكا وريال مدريد على ملعب النور في لشبونة، حيث أفاد اللاعب البرازيلي فينيسيوس جونيور بتعرضه لإهانة عنصرية من الأرجنتيني جيانلوكا بريستياني خلال مشادة كلامية بينهما. وعلى الفور، فعّل الحكم بروتوكول مكافحة العنصرية وأوقف المباراة مؤقتًا، ما أشعل موجة نقاش حاد على مواقع التواصل الاجتماعي.

غير أن الإشكال الأساسي في القضية تمثل في أن بريستياني كان يغطي فمه بقميصه أثناء الحديث، ما صعّب إثبات ما قيل بالفعل. وبموجب مبدأ قرينة البراءة حتى تثبت الإدانة، لم يكن بالإمكان معاقبته دون أدلة قاطعة تؤكد الواقعة عبر الكاميرات أو الميكروفونات أو شهادة الطاقم التحكيمي.

ومع ذلك، تم إيقاف بريستياني مؤقتًا عن مباراة الإياب ريتما يُستكمل التحقيق، في خطوة احترازية زادت من حدة الجدل.

مورينيو وقرينة البراءة

مدرب بنفيكا، جوزي مورينيو، اتخذ موقفا مزدوجا بين الحزم القانوني والصرامة الأخلاقية. بعدما شدد على احترام قرينة البراءة، خلال المؤتمر الصحافي الذي سبق مواجهة جيل فيسنتي في الدوري البرتغالي.

وقال المدرب المثير للجدل:”لست بالمثقف الجيد، لكنني بالمقابل لست جاهلا، ولدي خلفية ثقافية أساسية. قرينة البراءة. أليس هذا حقًا من حقوق الإنسان؟ لسوء الحظ، قرر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم استبعاد اللاعب من مباراة الإياب لاكتشافهم مادةً مخفية. ألا يجب أن نبدأ بـ’نعم’؟”.

وفي تصريح آخر أكثر وضوحا، أضاف:”لا أريد ارتداء قميص ريال مدريد الأبيض ولا قميص بنفيكا الأحمر. لست محامياً، لكنني لست جاهلاً أيضاً. هل قرينة البراءة حق من حقوق الإنسان أم لا؟”

لكنه في المقابل، رسم خطا  أحمر صارما :”إذا ثبت أن لاعبي لم يحترم هذه المبادئ، التي هي مبادئي ومبادئ بنفيكا، فستنتهي مسيرته معي. أنا أكن له المودة، لكن ليس لي دعما مطلقا. إذا كان مذنبًا بالفعل، فلن أنظر إليه بالطريقة نفسها مجددا، وسينتهي كل شيء بيننا.”.. مورينيو أخذ العصا من الوسط في انتظار قرار لجنة العقوبات في “الويفا”.

“أتيتَ في قارب صغير”

لم تكن واقعة لشبونة الوحيدة. ففي الدوري الإسباني، وخلال مباراة إلتشي وإسبانيول برشلونة، طلب الظهير الأيمن للفريق الكتلاني المغربي عمر الهلالي من الحكم إيقاف المباراة بعد تلقيه عبارات عنصرية من رافا مير.

ووفقًا لتقرير الحكم الذي بعث به إلى العصبة الإسبانية لكرة القدم، فإن عمر الهلالي نبهه أن خصمه قال له:

“لقد أتيت في قارب صغير”، وهي عبارة تحمل إيحاءً عنصريًا واضحًا، رغم أن الطاقم التحكيمي لم يسمعها مباشرة، أو أكدها أحد اللاعبين فوق أرضية الميدان، فإن الجهات المختصة بصدد مراجعة كاميرات الملعب ووسائل الإعلام التي صورت المباراة للتأكد من الحالة.

تكرار المشهد خلال أسبوعين فقط أعطى الانطباع بأن كرة القدم الأوروبية تقف أمام لحظة اختبار حقيقية، وأن الاكتفاء بالإدانات اللفظية لم يعد كافيا ووجب المرور إلى إجراءات رادعة أكبر.

قانون فينيسيوس.. الفيفا تتحرك

بعد اجتماع مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، وهي الهيئة المسؤولة عن قوانين اللعبة، خرج السويسري جياني إنفانتينو بتصريحات قوية لشبكة سكاي نيوز: “أنا ببساطة لا أفهم الأمر. إذا لم يكن لديك ما تخفيه، فلا تغطي فمك عندما تتحدث. الأمر بهذه البساطة.” بل ذهب أبعد من ذلك: “إذا غطى لاعب فمه وخاطب لاعبا آخر، بعد أن تلفظ على الأرجح بكلمة مسيئة، فسيُطرد من الملعب فورا.”

ووفقا للتصور الجديد للعقوبات المرتقبة، فإن تغطية الفم أثناء مشاداة كلامية قد تُعد قرينة على محاولة إخفاء عبارة غير لائقة، ما قد يستوجب بطاقة حمراء مباشرة.

الإجراء المقترح، الذي أُطلق عليه اسم “قانون فينيسيوس” يهدف إلى سد الثغرة التي تسمح بإخفاء العبارات العنصرية عن الكاميرات.

النية الآن هي اعتماد القانون قبل نهاية شهر  أبريل المقبل، تمهيدا لتطبيقها في كأس العالم 2026 التي ستقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك الصيف القادم.

بين الردع والتحسيس

رغم نبرته الحازمة التي عبرت عن قلق أعلى جهاز كروي في العالم، لم يُغلق جياني إنفانتينو الباب أمام مقاربة أكثر مرونة: “علينا أن نتحرك بحزم، ويجب أن يكون لذلك أثر رادع. ربما ينبغي لنا أيضًا التفكير ليس فقط في العقاب، بل أيضًا في السماح، بشكل أو بآخر، بتغيير ثقافتنا، والسماح للاعبين أو أي شخص يرتكب خطأً ما بالاعتذار. قد يرتكب المرء أفعالًا غير مقصودة في لحظة غضب ثم يعتذر، وعندها يجب أن تكون العقوبة مختلفة، و ينبغي لنا أيضًا النظر في شيء من هذا القبيل.”

 يتضح أن “الفيفا” لا تسعى فقط إلى تشديد العقوبات، بل أيضا إلى إعادة فرض ثقافة أخلاقية داخل الملعب، عبر الردع القوي، مع ترك مساحة للاعتذار في حالات الغضب غير المقصود، لكن دون تساهل مع العنصرية المتعمدة.

لحظة مفصلية

ما حدث في لشبونة وفي الدوري الإسباني خلال أسبوعين فقط لم يكن مجرد “مشادات كلامية” عابرة بين لاعبين يحتد بينهم التنافس داخل الملعب ويتطور إلى التلفظ بعبارات عنصرية، لقد كشف الأمر أيضا عن ثغرة قانونية كبيرة في مجال تحكيم كرة القدم، الذي يغيب فيه أي سلطة للحكم تجاه من يغطي فمه ويتلفظ بعبارات غير مقبولة، لكن اليوم، يبدو أن هذا الأمر سيصبح من الماضي، عندما تنتهي “الفيفا” من مساطر إعداد قانون في هذا الشأن، يعاقب أي لاعب غطى فمه أثناء الحديث بالبطاقة الحمراء.

«قانون فينيسيوس» قد يصبح أحد أقوى التدابير التنظيمية في السنوات الأخيرة لمكافحة العنصرية في الملاعب الرياضية.